داود عبد السيد شاعر السينما

داود عبد السيد شاعر السينما
داود عبد السيد شاعر السينما


وليد خيرى

إذا كان عاطف الطيب قد نحت الواقع بإزميل من الصدق، ورأفت الميهى قد فانتز هذا الواقع بروحه المتمردة الساخرة، وخيرى بشارة أمسك بيده هذا الواقع ورقص به ومعه بعفوية ليكشف فى صخبه عن رقة خفية، ومحمد خان صنفر هذا الواقع الخشن فجعله إنسانا يمشى فى شوارعنا بوجه مصقول، فإن داود عبد السيد قد جلس أمام هذا الواقع طويلا، تأمله، وفلسفه، ونسج منه قصيدة شاعر رقيق متصوف. 

رحل داود عبد السيد، وبرحيله خسرت السينما عقلا وقلبا كانا يضيئان أسئلتها الكبرى بهدوء ونبل نادر كان متأملا وجوديا آثر الصمت على الإسفاف، والعمق على الغزارة، تاركا خلفه تسعة أفلام روائية طويلة فقط، اختار داود الجودة والقليل، مؤمنا أن سينما المؤلف لا تقاس بالأرقام بقدر ما تقاس بالأثر. لقد كان هو الاستثناء الجميل، الشاعر الفيلسوف الذى درّبنا على قراءة الأسئلة بدلا من انتظار الإجابات.

قضى سنواته الأولى فى الأفلام التسجيلية، يراقب الحياة اليومية فى القرى والأحياء الشعبية، يدرس الناس وتفاعلاتهم مع بيئتهم بدقة فيلسوف وقلب شاعر يستخدم الكاميرا دفترا لملاحظاته هذه المرحلة التسجيلية لم تكن خطوة وسيطة نحو الأفلام الروائية، بل كانت مختبرا حقيقيا لصياغة لغة سينمائية جديدة تجمع بين دقة الواقعية الحسية وشفافية الطرح الفلسفي. كان داود يسعى إلى ما أطلق عليه النقاد لاحقا الواقعية الجديدة، لكن واقعيته تختلف عن واقعية عاطف الطيب الصاعقة أو حتى خيرى بشارة الساخرة. بدلا من ذلك، كان يستخدم الواقع كمتاهة حقيقية يخوض فيها المتفرج بحثا عن معنى لا يُعطى، بل يُستخلص من تجربة المشاهدة نفسها.

بدأ إرهاصات إبداعه الروائى مع فيلم الصعاليك (1985)، حيث رصد التحولات الطبقية الشرسة فى مصر بعد سياسة الانفتاح الاقتصادي. لكن الفيلم الذى فتح له أبواب الخلود السينمائى كان «الكيت كات» (1991)، المأخوذ عن رواية «مالك الحزين» لإبراهيم أصلان. هنا، استطاع داود أن يثبت إمكانية تحويل عمل أدبى كثيف إلى فيلم يحافظ على العمق بينما يكتسب بعدا بصريا شاعريا جديدا. لم يكن الفيلم مجرد نقل للرواية، بل إعادة صياغة جريئة للمادة الأدبية من خلال رؤية سينمائية متفردة.

فى «الكيت كات»، نرى شخصية الشيخ حسنى الأعمى فى أداء تاريخى لمحمود عبد العزيز، يصبح محورا للتأمل الإنسانى العميق. الفيلم يطرح سؤالا فلسفيا بسيط الظاهر: كيف يمكن لشخص واحد أن يجسد عالما بأكمله؟ إنها مفارقة داوودية حقيقية، حيث يستخدم الجزء للإشارة إلى الكل، والفرد للحديث عن الجماعة. لكل لقطة فى الفيلم حسابها الدقيق؛ اختيار الكاميرا للزوايا، الحركة المتأنية حين يريد داود أن نتأمل، والحركة السريعة حين يريد أن نشعر بالانتصار. حتى نجاح الفيلم المذهل فى الجوائز والقلوب لم يكن مجرد تتويج لفنية متقنة، بل اعترافا بأن الفيلم قدم شيئا لا يمكن للسينما بدون التفكير أن تصل إليه: تحويل الأسئلة الإنسانية المجردة إلى مشاهد نابضة بالحياة.

حاجة داود عبد السيد إلى الأدب لم تكن عابرة. فبعد الكيت كات، عاد مجددا إلى أعمال أدبية ليحولها إلى نصوص سينمائية مع «سارق الفرح» (1995)، المأخوذ عن قصة قصيرة لخيرى شلبي نقل لنا مفهوم الكاتب الرقيق عن الفرح المسروق والسعادة المقتناة من حواشى الحياة. لكن داود لم يكتفِ بمنمنات شلبي، بل أضاف إليها بعدا موسيقيا وشاعريا. 

ثم جاء «أرض الخوف» (1999)، والذى يعتبره الكثيرون ذروة تفكير الرجل الفني. الفيلم ليس قصة عن تاجر مخدرات، بل استكشاف فلسفى لمفهوم الخيار والقدر، الحرية والعبودية. بطل الفيلم الضابط «يحيى» الذى يُطلب منه أن يتحول إلى تاجر مخدرات لخدمة الوطن، يصبح رمزا لآدم الذى ألقيت عليه مهمة لا معنى لها، يبحث عن إجابات على أسئلة لا تملك الدولة الإجابة عليها بنفسها. يطرح الفيلم بهدوء المتفلسف وليس بصراخ المُحتج أسئلة حول معنى الطاعة والتمرد، الشر الذى تطلبه الأنظمة مقابل الطهارة التى تعد بها. 

ما يميز سينما داود الحقيقى هو أنه لم يفصل بين الجماليات والفلسفة. هو لم يكن يؤمن بأن الفيلم الفكرى يجب أن يكون منفرا أو رماديا. بل العكس تماماً. كل فيلم من أفلامه هو قصيدة مرئية حقيقية، تعتنى بالكادر والإضاءة واختيار الألوان بنفس عناية الشاعر بالكلمة والإيقاع. فى «أرض الأحلام» (1993)، على سبيل المثال، لا نرى مجرد سرد قصة امرأة عجوز تتشبث بالروتين خوفاً من الحياة، بل نرى معمارية سينمائية متقنة تحول الخوف إلى صور شاعرية، وتحول الروتين إلى موسيقى مرئية. الشجرة التى تنمو مع الفتاة ترمز إلى العلاقة الحميمية بين الإنسان والطبيعة، بين الروح والمادة، وهى رمزية تكررت فى أفلام أخرى لكن بصور مختلفة.

فى كل أفلامه تقريبا يوجد ذلك الحكى المشترك، حيث تروى الشخصية الرئيسية الأحداث وتعلق عليها، مما يخلق مسافة فنية بين المشاهد والحدث الدرامي، تسمح له بالتأمل بدلا من الاستغراق العاطفى الساذج. هذا الأسلوب يعكس تأثر داود بالسرد الأدبي، وفهمه العميق أن السينما ليست فقط فن الحركة بل أيضا فن الوقفة والتأمل. كل مشهد له سبب وجوده، وكل حركة للكاميرا لا تأتى عشوائيا بل هى جزء من نسيج الفكرة الكبرى. لا شيء مجانى فى أفلامه، لا توجد زيادة ولا نقصان.

أبطال شخصيات داود فى أفلامه لديها هم مهيمن، يحيى فى «أرض الخوف» ليس بطلا كلاسيكيا، بل فيلسوفا مجبرا على العيش فى عالم بدون إجابات. الشيخ حسنى فى «الكيت كات» ليس بطلا نبيلا، بل هو رجل عجوز ضرير يحلم بالحب وبالطيران وبأشياء بسيطة جدا لكنها غير متاحة له. بهذا التحويل من البطل إلى السؤال، أعاد داود بناء مفهوم البطولة ذاتها، ليكون البطل الحقيقى هو من يجرؤ على طرح السؤال فى مجتمع اعتاد على الإجابات الجاهزة والدراما المريحة.

لعل من أهم مساهمات داود عبد السيد فى السينما المصرية هو رفعه للهامش إلى مركز السرد. شخصيات «الكيت كات» من المهمشين الذين لا يعترف بهم المجتمع الرسمي، لكن داود نظر إليهم برحمة عميقة وتفهم حقيقي. فى «مواطن ومخبر وحرامي» (2001)، ذابت الفروق بين الفئات الاجتماعية، وانهار القانون أمام قانون القوة هنا يطرح داود سؤالا أخطر: ما الفرق بين المواطن والمخبر والحرامى عندما تنهار المعايير الأخلاقية للمجتمع؟ إنه ليس حكماً أخلاقيا مباشرا بل استكشاف فلسفى حقيقى للتآكل الأخلاقى فى المجتمع.

الحقيقة أن داود لم يكن يحكم على شخصياته بقدر ما كان يشعر بهم. إنه كان يرى الجمال فى القبيح، والنقاء فى الخطأ، والإنسانية فى الخطيئة. هذه القدرة على رؤية الإله فى الجانى والمجنى عليه، هى التى جعلت أفلامه تتجاوز الحكم الأخلاقى السطحى إلى الفهم الإنسانى الحقيقي. فى كل فيلم من أفلامه، كان يقول: «أنا هنا لأشعر، لا لأحكم. لأتأمل، لا لأعدم».

رحل داود عبد السيد وترك خلفه تسعة أفلام فقط. لكن هذه التسعة لن تنسى. ليس لأنها كاسحة أو عظيمة بالمعنى الدرامي، بل لأنها صادقة. صادقة فى سعيها للفهم، صادقة فى رفضها للجواب السهل، صادقة فى إيمانها بأن السينما ليست للترفيه وحسب بل للتفكير أيضا. كان قارئا لروح السينما، فنان فهم أن الصورة الخاطئة قد تكون أقسى من الكلمات الغاضبة، وأن الصمت فى اللحظة الصحيحة أقوى من الصراخ.

مع داوود، أنت لا تترك دور السينما بنفس الروح التى دخلت بها. كأن تطرح أسئلة تختلف. كأن ترى الناس حولك بعين مختلفة. كأن تفهم الحياة بطريقة أعمق قليلا. وهذا هو الحد الأدنى لما يمكن أن تفعله السينما الحقيقية. دعونا نتفق قبل أن نفترق أن داود عبد السيد كان لديه سينما تمتلك قدرات غير عادية.