هشام أصلان
1
اكتفيت بأسبوع ملتزم المنزل بعد رحيل أبي، وفكرت أن النزول ورؤية الأصدقاء قد يساهمان في الارتياح اتجهت إلى وسط البلد ووقفت في ميدان طلعت حرب أفكر إلى أين أذهب، وأخذتني ساقاي إلى دار ميريت مررت من باب العمارة 6 ب شارع قصر النيل، وصعدت درجات قليلة من السلم قبل أن أرتجع عن الفكرة متسائلًا عما أنا مقبل على أن أفعله بنفسي كيف سأدخل واحدًا من أكثر الأماكن المشحونة بذكرياتي مع أبي؟ وتراجعت.
بعد شهور بدأت التجرؤ على الذهاب، أقنعت نفسي بأن تلك الذكريات التي أخافها ليست ذكرياتي مع أبي، لكنها، في سياق معين، هي ذكريات أبناء جيلي بالكامل معه ومع آخرين من أبناء جيله، وفرت لنا «ميريت» مساحة التقائهم ومصادقاتهم، لم أكن وحدي هناك ولم يكن إبراهيم أصلان وحده، كنت أنا وكل الشباب من أبناء جيلي وأكبر قليلًا أو أصغر قليلًا، وكان إبراهيم أصلان وخيري شلبي وأحمد فؤاد نجم وآخرون.
«نحن آخر جيل سيتعامل مع هؤلاء عن قرب»، نهمس لبعضنا البعض رحل من رحل من الكبار، وبتنا نروح ونأتي، تأخذنا الأيام، يسافر من يسافر، يختفي من يختفي ويعود، وتجري الأحداث، لكن جميعنا يعرف أنه في أي ليلة سيذهب دون ترتيب سيجد أصدقاء في انتظاره. نحن نحوم في الحياة، ونعرف أن هناك مكانًا مفتوحًا وقت نحتاج المرور على بعض الحنين دون ترتيب.
2
نهاية يوم عمل طويل من صيف 2008 في جريدة الشروق، سألتني الصديقة والمصورة المعروفة رندا شعث، رئيسة قسم التصوير بالجريدة وقتها، لو أحب أن أصحبها إلى «ميريت»، حيث فعالية ثقافية لا أتذكرها وجدتها فرصة للمرور قلت لها إنني أعرف محمد هاشم منذ سنوات، ولكن لم أذهب إلى هناك من قبل قالت إنه «فايتني كتير»، وإنني لم أدخل بعد قلب الحياة الثقافية في القاهرة ورغم نشأتي في أحد أشهر بيوت المثقفين، وجدت كلامها وجيهًا في سياقه الزمني يومها قابلت أصدقاء كثيرين من أجيال مختلفة، ومن دون موعد، ليس بسبب حضورهم الفعالية الثقافية، ذلك أن أغلبهم كان في الغرفة الملحقة منهمكًا في الأحاديث الجانبية.
3
في 1998 فتح محمد هاشم، في قلب القاهرة، دائرة عبور إلى مساحة يأمن لها كل كاره للتقليدي والثابت في جميع أشكاله مساحة ساهمت في صناعتها لحظة زمنية مهمة، وشكّلتها عدة عوامل جاءت مسنودة بأدباء وفنانين كبار ارتاحوا للابتعاد عن الحجرات الرسمية للثقافة أعطوا للمكان من ثقلهم الأدبي، بينما أعطاهم المكان فرصة تجديد دائم لدمائهم عبر الاحتكاك بأجيال جديدة من الكتاب والفنانين فتح هاشم، بسمات شخصية نادرة، بوابة لالتقاء هؤلاء.
الفكرة كانت دار نشر تقدمية ترنو إلى ما بعد كل الحواجز التي تحول دون أي تجريب أدبي بعد فترة قصيرة، ستتحول الدار إلى واحدة من أيقونات أماكن القاهرة الثقافية، ومزار المثقفين العرب الذين يحبون المرور على «كافيه ريش» أو «الجريون» يطلبون المرور على «ميريت» سيستقبلك هاشم كصديق قديم، وربما تجد نفسك جالسًا، دون مناسبة، مع أحمد فؤاد نجم أو إبراهيم منصور أو محمد البساطي أو خيري شلبي، أو جميعهم.
مؤكد هناك مجموعة كُتّاب وفنانين من أجيال أصغر في جلسات دردشة وضحك حتى ساعات الصباح الأولى. وقد تجد نفسك بين حضور اجتماع عفوي يخطط لتغيير المستقبل، أو شاهد على تأسيس أشهر الجماعات الأدبية والفنية في لحظتها الزمنية، أو مشاركًا في صياغة بيان يساند القضية الفلسطينية.
من هنا، خرج إلى السطح الكثير من الفعاليات المحركة للمياه الراكدة، والكثير من أعمال أدبية لشباب لم يكن أحد يعرفهم، بكتابة خرجت عن القوالب. الآن، أٌفكر في أن هذا ما أثّر بشكل عفوي في تسمية الكُتّاب الذين ظهروا مع أوائل الألفية: بـ«جيل الكتابة الجديدة»، ذلك أن أغلبهم، بالأحرى أبرز موجتهم الأولى، خرجت أعمالهم من «ميريت».
في 2008، وبعد مروري الأول عليها بأسابيع، تحتفل «ميريت» بذكرى ميلادها العاشرة في مسرح «روابط»، وسط تألق الحالة التي أُنشئت في الأساس لتحقيقها. الكثير من الأدباء الشباب، وبعض الأدباء الأكبر الذين فضلوا تلك المساحة عن المساحات النمطية.
موسيقى وغناء يعبر عن اكتمال يقترب لفنون «الآندر جراوند» انتصارًا على سلطة مسؤولي خريطة الغناء الرسميين وغيرهم، احتفال بعشر سنوات على المساهمة في تكسير الحواجز أمام كل التجارب الجديدة ، والخروج عن القوالب في كل أشكال الفنون وليس الأدب وحده.
4
تلقيت خبر الرحيل المفاجئ لهاشم خارج مصر، وضاعف حزني عدم تمكني من وداعه، واشتقت للذهاب إلى عمر مكرم مكان العزاء بعدما ارتحت حين عرفت أنني سأكون في القاهرة قبل موعده، اشتياق ليس سببه رغبتي في تعزية أسرته، لكنها رغبة لقاء الأصدقاء والائتناس بآخرين لديهم المصاب نفسه، ومنذ لحظة تلقي الخبر حتى كتابة هذه السطور أجول على فيسبوك قارئًا كل ما يقابلني من كتابة عنه.
ولفتني أن مئات التدوينات التي قرأتها لا تحمل جديدًا، ليس لشيء غير أن جميعنا يعرف الأشياء ذاتها عن هاشم، وكأن الجميع عاش معه نفس التجربة، ونهل منه ومن مكانه نفس الزاد، كأن الجميع يحكون حكاية واحدة ويسردون السردية نفسها كل بلغته، وكأن هاشم عاش الحالة نفسها مع هؤلاء جميعًا في لحظة واحدة.
5
لا أحد يعزي، الجميع يتلقون العزاء من بعضهم البعض، أمر مفهوم ولا يحتاج للشرح غير أنني خرجت تنتابني فكرة أرعبتني: «فاضل لنا إيه في وسط البلد؟»، حيث رحيل هاشم يأتي بتبعات تتجاوز الفقد بكثير. هنا بوابة من بوابات حكايتنا أُغلقت للأبد.
وحاولت تفكيك الفكرة مع الأصدقاء. أدرك أنني هضمت منذ زمن الفكرة النظرية للفقد، استوعبت معنى أن هذه سنة الحياة ورحيل الأعزاء، وكيف أن أجيالًا تسلم أجيالاً، نحزن كلما رحل عزيز لكن الحياة تستمر، بينما بعضهم لا يمثل نفسه كفرد عزيز أو غال، ولكن يمثل رُكنًا وحالة، ركناً لا يعد بالتأكيد مدينة فاضلة، على العكس، هنا مساحة رأت من الشطحات بأكثر مما رأت من هدوء، وفي حالة محمد هاشم ثمة ركن كبير وثقيل الأثر اختفى، لسنا في مواجهة وحشة فقد هاشم الصديق فحسب، وإنما مواجهة اختفاء ركن هائل من أركان حكايتنا للأبد، ما يجعل من الفقد الشخصي، بكل صعوبته على النفس، حداً أدنى للخسارة.
في مقهى الجريون بعد العزاء، قال الجرسون للفنان أحمد اللباد، الذي كان يشكو من علو أصوات الأغاني بما يحول دون الاستماع لبعضنا بسهولة، بنبرة مبتهجة: «مبسوطين بيكم يا أستاذ، أصل التجميعة دي محصلتش من زمان»، وأنا احترت في معنى العبارة ومحلها من سياق اليوم، وإن كانت تعبر عن شيء جميل أم سيئ.
كنا كثيرين جدًا في المقهى، وشعرت أنه برغم عدم انقطاع الأحاديث الجماعية الصاخبة في سيرة هاشم، شعرت أن كل منا يتحدث مع الباقين بنصف وعي، بينما نصف وعيه الآخر سرحانًا. كنا نجلس مع بعضنا البعض، بينما في اللحظة ذاتها يجلس كل منا منفردًا بنفسه بشكل ما. هنا ابتسامة شاردة، وهنا دمعة يجاهد صاحبها في أن يمنعها.
6
في لحظة من آخر الليل، وبينما القائمون على المقهى لا يأبهون بملاحظة أن صوت الأغاني عال، خرج صوت الشيخ إمام: «يا حبايبنا، فين وحشتونا؟»، وانتفض أكثر من واحد بيننا يؤكد أنه سمع هاشم يغنيها ذات ليلة:
«لسه فاكرينا ولا نسيتونا
ده احنا في الغربة من الهوا دوبنا
وانتو في الغربة جوا في قلوبنا
اوعوا تفتكروا إننا توبنا
مهما فرقونا ولا بعدونا».
محطات فى تاريخ الإذاعة المصرية
صدر له مؤخرًا «بدايات المسرح فى صعيد مصر»
برشلونة تفتتح أول مكتبة فى العالم مخصصة لفلسطين







