الأهرامات ونجوم السماء

تطابق مواقع نجوم اوريون (النقطّ) مع قمم اهرامات الجيزة. مع معدل طفيف لعدم التطابق
تطابق مواقع نجوم اوريون (النقطّ) مع قمم اهرامات الجيزة. مع معدل طفيف لعدم التطابق


د. فكرى حسن

كوكبة أوريون Orion "الجبار" هى كوكبة شتوية فى نصف الكرة الشمالي، تشرق عادةً شرقًا فى أواخر الخريف (حوالى نوفمبر) وتغرب غربًا مع بداية الربيع (حوالى مارس) وموقعها على خط الاستواء السماوي: ونظرًا لذلك ، فإنه يُرى لفترات طويلة وعلى ارتفاعات متشابهة فى كلا نصفى الكرة الأرضية.

وعلى مر آلاف السنين، تغيرت مواقع النجوم بالنسبة للأفق والكوكبات الأخرى قليلاً بسبب حركة  محور الأرض وبالتالي، فإن التكوين االذى رآه الراصدون القدماء (على سبيل المثال، حوالى 2500 قبل الميلاد) يختلف اختلافًا طفيفًا عن سماء اليوم وتتميز هذه الكوكبة بالنجوم الساطعة، وخاصةً حزام الثلاثى من النجوم الساطعة التى تبدو على خط مستقيم ويتكون من  النطاق  Al-Nitaq والنيلام   Alnilam والمنطقة Mintaka وهى مصطلحات من أصول عربية استخدمها اليونانيون. 

تطابق مواقع نجوم اور\يون (النقط )  مع قمم  اهرامات الجيزة ، مع معدل طفيف لعدم التطابق قد يعود الى تحديد الاتجاه بالعين المجردة بدون عدسات أو تليسكوب. المصدر: Vincenzo Orofino  و Paolo Bernardini   (Archaeological Discovery,، 2015   

وفى الديانة المصرية القديمة، ارتبط أوريون ارتباطًا وثيقًا بأوزوريس، إله الحياة الآخرة والبعث والخلود. ومثّلت الكوكبة أوزوريس كتجلى سماوى للملك الراحل، المولود أبديًا بين النجوم وكانت كوكبة الشعرى اليمانية (سوبدت) القريبة - المجسدة بإيزيس، زوجة أوزوريس - تُعتبر رفيقته الإلهية وارتبط شروقهما الشمسى السنوى بفيضان النيل، رمزًا للتجديد الكونى والزراعي وتشير نصوص الأهرام من الأسرتين الخامسة والسادسة إلى صعود الفرعون الراحل إلى السماء «ليُصبح نجمًا خالدًا فى كوكبة أوريون (الجبار)». وهكذا، لم يكن الجبار مجرد مجموعة من النجوم، بل كان جزءًا من جغرافية لاهوتية أوسع للسماوات، حيث عكست الآلهة النجمية النظام الأبدى (ماعت) والملكية الإلهية لمصر.



ولذلك كان هناك اهتمام خاص بعلاقة النجوم وتصميم واتجاه أهرامات الأسرة الرابعة - وخاصةً الأهرامات الثلاثة الرئيسية على هضبة الجيزة (أهرامات خوفو وخفرع ومنقرع) . ومن أكثر الافتراضات شيوعًا أن تصميمها يُحاكى نجوم حزام أوريون Orion»  «فيما يُسمى بنظرية مضاهاة أوريون OCT» Theory,  Orion Correlation « وهو ما تم التنويه به خلال الحفل الافتتاحى للمتحف المصرى الكبير، مما  أدى الى هجوم على هذه النظرية ، ولكن دونما توضيح لأسباب الرفض سوى لأنها من نوعية «العلم الزائف»، ولكننا فى حاجة لتفهم أساس هذه «النظرية» والحقائق العلمية التى نعرفها عن علاقة الأهرامات بالنجوم، وهو موضوع تبحر فيه العديد من المتخصصين فى علوم الفلك. 

ومن أسباب التشكك فى مصداقية هذه النظرية أن الذى روج لها هو روبرت بوفال وهو بلجيكى من أصل سكندرى وليس عالم مصريات ولكنه هاوى ممن يدورون فى فلك الهامش الذى يتمسح بالعلم لينسج ويشيع خرافات خيالية، وهو ما يتضح أيضا من علاقته مع شخص أخر من أساطين الهامش الخرافى وهو جراهام هانكوك الذى اشتهر بطرحه نظريات تاريخ بديل للحضارة الإنسانية — إذ يروج فكرة وجود حضارة متقدمة جدًا ازدهرت قبل نحو 12,000 سنة (قبل نهاية العصر الجليدي)، ثم دُمّرت بكارثة كونية — ربما سقوط مذنب أو طوفان عالمى — وهى التى أورثت علومها لمصر وبلاد الرافدين والمايا. وعلاقته بمصر القديمة وثيقة، من خلال تعاونه مع روبرت بوفال، حيث تبنّى الأهرامات والآثار المصرية كنقطة مركزية فى أطروحاته عن «حضارة مفقودة» سبقت التاريخ المعروف. 

وكان  روبرت بوفال قد اقترح أن أهرامات  الجيزة الثلاثة الكبيرة تُطابق، من حيث مواقعها على الأرض وأحجامها النسبية، النجوم الثلاثة الساطعة فى حزام «الجبار»  (النطاق، النيلام، المنطقة التى سبق ذكرها). تُؤطّر هذه الفرضية مُجمّع أهرامات الجيزة كمرآة أرضية للسماء - «حزام أوريون»  مُرسوم على الهضبة، حيث يُمثّل النيل مجرة ​​درب التبانة.  

ولكن هذا التطابق لا ينطبق إلا عندما كان نمط نجوم حزام أوريون الثلاثة فى السماء، من منظور معين فى نحو عام 10,500 ق.م. وبالتالى يستدل بوفال على أن المصريين القدماء ورثوا معرفة فلكية متقدمة جدًا من حضارة أقدم، سماها «المملكة المفقودة» أو «حضارة ما قبل الأسرات المتقدمة».

بالطبع نعرف من الأدلة العلمية  أن الأهرامات قد شيدت بداية من الأسرة الثالثة  عندما بنى زوسر هرمه المدرج فى سقارة ( حوالى 2750-2575 ق. م.) ، وجاء بعدها أهرامات زاوية العريان ثم ميدوم ودهشور قبل أن يبنى خوفو هرمه فى الجيزة، وعلى خلاف الاعتقاد الشائع، لم يجيء هرم خفرع بعد هرم خوفو، وانما جاء بعدة هرم ابنه «جدف رع»  فى أبو رواش.  

وتنتمى هذه الاهرامات الأربعة الى الأسرة الرابعة (حوالى 2575-2465 ق.م) وشهدت هذه الأسرة ارتباطا عقائديا ب «رع» إله الشمس وهو ما يتضح من أسماء «جدف رع»، «خفرع»،« منقرع » ، كما يرتبط هرم خوفو بالأفق الذى تسطع فية الشمس (آخت).  

وفى الأسرة التالية (الخامسة من حوالى 2465 الى 2323 ق.م.) ازدادت أهمية عبادة «رع» ، وكان مركز عبادته «أون» التى عرفت عند اليونانين باسم «هليوبولس» ومكانها حاليا «المطرية». 

ومنذ قدم بوفال «نظريته» لم يجد علماء الفلك والمصريات ما يثبتها، ولكن توصل اثنان من  الباحثين  Vincenzo Orofino  و Paolo Bernardini   (Archaeological Discovery، 2015   )  من خلال التحليلات الإحصائية باستخدام محاكاة مونت كارلووربطها باختبارات فلكية/فيزيائية أن نظرية أوريون  متوافقة مع ما هو متوقع لنجوم حزام أوريون بناءً على القياسات الفلكية والضوئية بالعين المجردة. علاوة على ذلك، توصلا أنه من غير المرجح أن يكون الارتباط المذكور أعلاه عرضيًا نتيجة للصدفة.  

ومع ذلك، يبدو أن اتجاهات الأهرامات يمكن تفسيرها، فى حدود الاحتمالات بنظريات مختلفة، كما يبدو من الدراسات الأخرى. وكل النظريات فى النهاية تعتمد على استخدام مواقع النجوم واتجاة شروق وغروب الشمس من ناحية أخرى، وعلى علاقتها بموقع «هليوبولس».  أما عن وجود حضارة متقدمه سبقت الحضارة المصرية فهو هراء، ونعرف يقينا من الأدلة الأثرية التى تحددت اعمارها بالكربون المشع أن الرعى قد بدأ فى الصحارى المصرية منذ حوالى 10.000 عام، وأن الزراعة ظهرت فى وادى النيل منذ 7000 عام، وخلال حوالى 2000 عام تشكلت بدايات الحضارة المصرية ونظام الدولة التى انتهت بظهور دولة متحدة منذ حوالى 3200 عام. 

والمرجح أن الرعاة فى الصحراء كانوا يرصدون النجوم، وتوجد فى جنوب شرق الصحراء الغربية فى منطقة «النبتة» التى كانت بحيرة موسمية فى العصر المطير الأخير دائرة من احجار قائمة مرصوصة، عمرها تقريبا بحوالى 6800 قبل الحاضر، تشير إلى الشمال ونحو شروق الشمس عند الانقلاب الصيفى فى يونيو.  

ويبدو أن رصد الانقلاب الصيفى ساعد جماعات الرعاة الأوائل على معرفة موعد بدء موسم الأمطار أو الرياح الموسمية بشكل تقريبى - وهو أمر مهم لبداية موسم الامطار والمراعى والماشية.. ويعتقد البعض أنها كانت  لرصد «أوريون». ولكن ذلك غير مؤكد، ومع ذلك فمن المنطقى أن يستدل الرعاة فى ترحالهم ليلا بالنجوم التى تسطع فى ليل الصحراء لتثير الاهتمام وتحث على الملاحظة.



وفى دراسة قام بها نيل وراجلز (Journal for the History of Astronomy، 2014) توصلا إلى أن الأهرامات تحاذى بدقة متناهية  بشكل غير اعتيادى الاتجاهات الأساسية (شمال-جنوب، شرق-غرب)، مع وجود انحرافات طفيفة جدًا بين الأهرامات الرئيسية. ويشير هذا إلى أن التوجيه نحو أحداثيات الشمال الحقيقي، أو الشرق-غرب، أو أفق الشمس ربما كان عاملًا رئيسيًا فى اتجاهات الأهرامات. 

وفى مقال بعنوان «التضاريس وعلم الفلك وتاريخ الأسرات فى محاذاة حقول الأهرامات فى المملكة القديمة»، يرى جوليو ماجلى (2009) أن اختيار مواقع الأهرامات ومحاذاة أهراماتها كما فى الجيزة كان نتيجة عدة عوامل منها التضاريس (وخاصةً إمكانية رؤية معبد هليوبوليس «أون» الذى كان مخصصا لعبادة «رع» إله الشمس)، واتجاهات  ما سبق من اهرامات، واستخدام الاتجاهات الفلكية. .ويؤكد ماجلى أن حقول الأهرامات فى الجيزة وأبو صير وسقارة تتبع نمطًا من المحاور الموجهة نحو معبد هليوبوليس) أو نحو ظواهر نجمية/شمسية محددة. 

وبالإضافة إلى ذلك، يقدم أركاديفيتش جريغورييف (2015)، فى مقاله عن  «ميول أسطح الأهرامات المصرية واكتشاف الجوهر الإلهي» (فى دورية علم الفلك الأثرى والتقنيات القديمة)، دراسة إحصائية للتغير فى ميل سطوح الأهرامات، ويقترح أن منحدرات جوانب الأهرامات اختيرت بناءً على الصعود الحلزونى أو المتسلسل للنجوم ذات الأهمية الأسطورية (مثل منكب الجوزاء والدبران  Betelgeuse, Aldebaran)، المرتبطة بعبادة أوزوريس وحورس، وأنه مع مرور الوقت حدث تحول من التوجه النجمى إلى التوجه الشمسي. وننوه هنا أن اسماء ملوك بناة اهرامات الجيزة بعد خوفو اتخذوا لقب «رع» فى اسمائهم.

 وربما كانت واحدة من أهم الدراسات ما قام بها خوان بلمونتى Belmonte  فى 2001 فى مقاله دراسة منهجية لاتجاهات أهرامات المملكة القديمة الرئيسية فى مصر، وخاصةً أهرامات الأسرة الرابعة (الدورية العلمية (Archaeoastronomy . وقد توصل إلى أن العديد من هذه الأهرامات تُظهر انحرافات طفيفة عن الشمال الحقيقى وعن محاذاة الشرق والغرب، مما يدل على دقة عالية فى المسح. وأن دقة هذه المحاذاة تعنى منهجية فلكية أو طبوغرافية مدروسة، وليست مجرد صدفة أو هندسة عملية بحتة، ويوضح كيف استطاع المسّاحون المصريون القدماء تحديد الشمال الحقيقى والاتجاهات الأساسية الأخرى من خلال رصد النجوم القطبية - وهى نجوم لا تغرب ولا تدور حول القطب السماوي. 

ويقترح بيلمونتى أن المصريين القدماء استخدمو نجمين متعاكسين تماماً، وربما استخدم المسّاحون القدماء نجمين من مجموعة الدب الأكبر Big Dipper (أو «المحراث» Plough - وتحديداً دلتا أوما (ميجريز)  delta UMa (Megrez) وجاما أوما (فيكدا  gamma UMa (Phecda .. ويفترض أن طريقة المحاذاة باستخدام هذه النجوم ستؤدى إلى انحرافات تتوافق مع الاتجاهات المقاسة آخذين فى الاعتبار حركة تقدم القطب المعروفة.

وفى دراسة  لهذا التصميم، تمكن  بلمونتى من تحديد تاريخ بداية عهد خوفو فلكيًا فى حوالى عام 2550 قبل الميلاد، بهامش زائد أو ناقص تسع سنوات، مما يتوافق مع الرأى السائد عن عصر بناء هرم خوفو.

وكانت عالمة أخرى  K. Spence قد نشرت بحثا فى المجلة العلمية المرموقة Nature  عام 2000  اقترحت أن المصريين وجّهوها نحو الشمال باستخدام العبور المتزامن لنجمين قطبيين. وتُعطى نمذجة تقدم هذين النجمين تاريخًا لبدء بناء الهرم الأكبر دقيقًا لحوالى 65 عامًا، مما يُوفر أساسًا لتحديد اعمار أهرامات المملكة القديمة.

الشمس تغرب فى موقع أبو الهول بين هرمى خوفو وخفرع  ، وكان اسم ابو الهول فى الدولة الحديثة «حورم أخت» بمعنى  «حورس فى الأفق» حورس . المصدر/ بلمونت ومجالى 2015)
ويرى بلمونتى ومجالى (الفلك، العمارة والرمزية: المشروع الكلى لسنفرو فى دهشور، دورية تاريخ الفلك، 2015 ) أن «سنفرو» أبو «خوفو» صمم فى نفس الوقت موقع الهرمين اللذين بناهما فى دهشور، وأن خوفو أيضا صمم هرمه والهرم الذى استخدمه خفرع فيما بعد فى وقت وحد، بل وصمم أبو الهول فى موقعه فى نفس الوقت، على أساس أن هرمه سمى «أخت خوفو» بمعنى «أفق خوفو» وكان رمز الأفق جبلين تمر من خلالهما  الشمس عند الشروق والغروب.

ولكن ذلك لا ينفى أن خفرع هو الذى قرر بناء هرمه ومعه معبد أبو الهول ليتماشى مع هرم والده «خوفو»، خاصة وأن «جد فرع» الذى جاء مباشرة بعد خوفو قام باستكمال المجموعة الهرمية لخوفو بنى هرمه فى أبو رواش، وجاء خفرع بعده. 

 والمؤكد أن الأهرامات كانت تجسيدا لفلسفة كونية وأن الأهرامات وُجّهت لتعكس النظام الكونى (الذى تمثله «ماعت»)، رابطًا بين السماء والشمس الأرض والملك والمجتمع . تتجسد  ماعت  فى صورة إلهة على رأسها ريشة، وهى  «ابنة الشمس».

وترمز «ماعت» إلى الأشياء كما ينبغى أن تكون، أسسها الخالق وحافظ عليها الملك فى العالم كما تمثل مبادئ العدالة والسلوك الأخلاقي، والمعيار الذى تُحكم به الأفعال على صوابها أو خطأها، ويُحكم على المتوفى بأنه جدير بالانضمام إلى مجتمع الأرواح.

ويعبر مصطلح «ماعت» المزدوج مصطلح جماعى للآلهة الذين يشاركون فى محاكمة المتوفى، ويُطلق عليهم هذا الاسم لأنهم يجلسون على جانبى محكمة القضاء. كما أن قارب ماعت هو قارب الشمس.

وتؤكد نصوص الأهرامات على العلاقة الوثيقة بين الملك  «ماعت» ، كما يلى فى بعض النصوص (من « نصوص الأهرام فى مصر القديمة»، جيمس ألين،   2005):

لقد جاء أونيس من جزيرة اللهب، ووضع فيها «ماعت» مكان الفوضى (اوناس ، 160).

الآن وقد ظهر أونيس اليوم فى صورة آخ  (روح) حيّ، سيُفضّ أونيس القتال ويكبح جماح الفتنة. لقد ظهر أوناس إلى»ماعت» ليحصل عليها، وهى معه (أوناس 170) .

بيبى نفر كا رع... «ماعت»، وأحيى السلام  بعد القتال، إلى جانب من يطلب. هذا هو بيبى نفر كا رع (بيبى نفركارع، 27).

تشرق نيث نهارًا كمن يزيل المعصية (التعدي) وينصب «ماعت» (نيت، 7) .

هذا بيبى يُشرق نهارًا، هذا بيبى يُزيل المعصية (التعدي)، [هذا] بيبى يُقيم «ماعت» كالشمس (التعويذة 424 (تعويذة نيث 7)).

كما تشير نصوص الأهرام إلى علاقة وثيقة بين الملك وأوريون:

أصبح أوريون (ساه)  محاطًا بالدوات، كما أصبح الحى طاهرًا فى الأخيت وأصبح «سيبيديت»  (سوثيس)  مُحاطًا بالدوات، كما أصبح الحى طاهرًا فى الأخيت:

أصبح هذا الأوناس مُحاطًا بالدوات، كما أصبح الحى طاهرًا فى الأخيت.(أوناس 149)؛ 

ستلمس السماء مثل أوريون، وستكون عيناك حادتين مثل «سيبيديت» تيتى 228)

انظروا، لقد جاء فى صورة أوريون (يقولون). «انظروا، لقد جاء أوزوريس فى صورة أوريون (بيبى 138)

وضع لكَ سُلَّمٌ ، نحوَ مكانِ أوريون، وسيستلمُ ثورُ السماءِ ذراعَكَ. ارْفَعْ نفسك بِقُوَّتِكَ. وعندما تصعدُ إلى السماء، ستُولِدُكَ السماءُ كأوريون. ستُسيطرُ على جسدِكَ، وتُنجِذُ نفسَكَ من خصمِكَ  (نفركارع، 564).

لقد أصبح آخًا لهم، وبَرِد عليه، بين أحضان أبيه، بين أحضان «آتوم».ساه (أوريون) هو أخوه، و «سيبيديت»  هى أخته، وسيجلس بينهما فى هذا العالم إلى الأبد (الملكة نيت، 277).

ومن الواضح أن أوريون  (ٍSah)  يرتبط بأوزوريس. (js-jrt «مقر العين»)- مبدأ الحياة والأبوة الذكوري، يتجلى فى مياه الفيضان السنوي، ونمو النباتات، ودورة أجيال الحيوانات والبشر؛ ابن «جب» (اله الأرض)  و»نوت» (الهة السماء) ، وزوج إيزيس؛ قُتل أوزوريس على يد أخيه «ست» ، وهو يرقد كمومياء فى وسط الدوات (العالم السفلي) ، حيث تتحد به الشمس ليلًا لتمنحه قوة العودة إلى الحياة عند الفجر. وتُعرف مومياء المتوفى، الموجودة فى حجرة الدفن، بأوزوريس، و» ساه»  Sah)  )  وسبيديت (spdt ، الشعرى اليمانية) نجمتان جنوبيتان بالغتا الأهمية فى مصر القديمة، تتوافقان مع الجزء الجنوبى من كوكبة أوريون والقطاع الشمالى من كوكبة الكلب الأكبر .

وكان الملك  يرتبط فى العالم الآخر بـ»النجوم الخالدة» (التى لا تفني)  فى الشمال وبالسموات القطبية، تحقيقا لمعتقد الخلود بعد الممات، وارتباط الحياة والموت بدورة الطبيعة التى تتمثل فى سريان النيل من الجنوب الى الشمال والفيضان السنوي، وحركة الشمس من الشرق الى الغرب والتماهى بين السماء والأرض وحياة البشر فى منظومة كونية غير مسبوقة، كما يبدو من نصوص الأهرام: 

ستصبح كاملاً مثل كل إله: رأسك مثل حورس دوات - نجم لا يفنى (أوناس 149) ؛

هيا أوزوريس وإيزيس، أعلنا لآلهة الدلتا ولأخيهما (لأرواحهم): «هذا الأونِاس قد جاء، آخًا (روح) لا تفني، هو الذى يستحق العبادة، (أوزوريس) الذى يسود الفيضان: فليعبده الآخ فى الماء. من أراد أن يعيش، سيعيش؛ ومن أراد أن يموت، سيموت (أوناس 150)

التفت وانظر إلى هذه الخدمة التى قدمها لك الملك، والتى قدمها لك أعظم الغربيين، حتى تتمكن من الذهاب إلى تلك الآلهة، النجوم الشمالية التى لا تفنى (بيبى الأول  37) . 

بيبى هو نجم  خالد لا يفني، ابن السماء العظيمة التى تقع فى وسط حظيرة «سيلكيت» (بيبى 511).

النجوم الخالدة (ج.إمو-سكجو   j.mw-skjw) هى نجوم قطبية فى السماء الشمالية، تُسمى كذلك لأنها لا تغرب  ابدا تحت الأفق. وشملت النجوم القطبية فى مصر القديمة (حوالى 2500 قبل الميلاد) أجزاءً من: الدب الأكبر والدب الأصغروالتنين.

وغالبًا ما يتم تصوير النجوم الخالدة على شكل نجوم ذهبية ذات خمسة رؤوس فى سماء زرقاء، ويتم ترتيبها أحيانًا فى أنماط دائرية أو على شكل شريط للإشارة إلى الدوران حول القطب السماوى الشمالي.

ونستدل من ذلك أن قدماء المصريين كانوا على معرفة دقيقة بمواقع النجوم وأن «أوريون» والنجوم القطبية التى لا تفنى كانت محل اهتمام خاص ، وأن الدقة  المذهلة التى تحاذى بها الأهرامات الجهات الأصلية يدل على استخدام النجوم فى الأعمال المساحية التى تم على أساسها تحديد اتجاهات الهرم، وأن اتجاه شروق وغروب الشمس كان يؤخذ فى الاعتبار، كما يبدو أن موقع معبد الشمس فى هليوبوليس كان يؤخذ فى الحسبان.  

ولا يوجد حاليا رفض أو اثبات للنظريات التى تفترض أن الأهرامات قد صممت بمحاذة أوريون أو غيره من النجوم. والأهم أن الأهرامات تجسيد لفلسفة كونية تربط بين السماء والأرض والنظام الإلهى (ماعت)، حيث يصبح الملك نجمًا خالدًا فى أوريون والشمال السماوي.