أجرى الحوار: محمد زين العابدين
دارُ العلوم، قال عنها الإمام محمد عبده: «إن باحثًا مدققًا إذا أراد أن يعرف أين تموتُ اللغة العربية، وأين تحيا؟ لوجدها تموتُ فى كل مكان، ووجدها تحيا فى هذا المكان»، أما أميرُ الشعراء أحمد شوقى فاعتبرَها قِبْلَةَ الشعراءِ، وشمسَ زمانِهم التى بلَغَتْ كمالَها، وكتب عنها قصيدةً خالدة، قال فيها:
اتَّخَذتِ السماءَ يا دارُ رُكناً وأوَيْتِ الكواكبَ الزُهْرَ سكنا
وجمَعْتِ السعادَتينِ فباتتْ فيكِ دُنيا الصلاحِ للدِّينِ خِدْنا
وهذه القصيدة تُزَّيِنُ مدخلَ الكليةِ على لوحٍ رخاميٍ أنيق، بجوارِ تمثالٍ لتخليدِ مؤسسِها على باشا مبارك، رائد التعليم فى مصر، والذى أراد عند إنشائها أن تحتل موقعاً وسطاً بين التعليم الأزهرى بكل رصانته، وبين روح الحداثة والعصرية، فكانَ لهُ ما حلُمَ به.
وفى الكليةِ التى خرَّجَت على مدارِ تاريخِها العريق عمالقة الشعر والأدب والفكر، فى مصر والوطن العربي، التقينا بعميدها الشاعر المبدع المتفتح على آفاق الحداثة، الدكتور أحمد بلبولة، لنتحدث حول ما أسماه الولادة الثانية لدار العلوم، بعد تحديث لائحتها التى لم تتغير منذ عام 1946، لتواكب روح العصر، وتتحاور مع الذكاء الاصطناعي، وكل مجالات المعرفة الإنسانية، لإثراء لغتنا الجميلة، وتجديد شبابها، وتمكينها من مواكبة التحديات الجديدة.
كلية دار العلوم بكل تراثها العريق وريادتِها فى تدريسِ اللغة العربية وآدابِها والعلوم الدينية، كيف ترون مستقبلها وصورتها الجديدة فى ظل التطوير لمناهج وبرامج الكلية الذى أعلنتم عنه مؤخراً؟
كلية دار العلوم هى كلية ولدت عملاقة، وولدت لتبقى، وتاريخها العريق الممتد خيرُ شاهدٍ على دورها الفاعل فى دعم الدولة المصرية، ليس فقط على مستوى التعليم، ولكن على مستوى الفكر والثقافة.
قامت دار العلوم بدورها على أكمل وجه فى المراحل الأولى للتعليم، وفى الدراسات العليا، وخرجت من جغرافيتها إلى أماكن أخرى فى الدول العربية، وأدت دورها، ولا تزال تؤدى دورها، ليس فقط على نطاق الوطن العربي، ولكن على نطاق الدول الإسلامية غير الناطقة بالعربية، والدول الأوروبية؛ لذا تكمن أهمية دار العلوم فى كونها رمانة الميزان بالنسبة لتعليم اللغة العربية، لأنها تحتل الموقع الوسط بين منهجين مختلفين فى دراسة اللغة العربية وآدابها، والعلوم الدينية، وهما منهج الأزهر الشريف، ومنهج كليات الآداب، وهى تحفظ التوازن بشكلٍ كبير بين الأصالة والمعاصرة، وهذا خيرُ توصيفٍ لها.
أما عن ملامح التطوير فى مناهج دار العلوم، فيأتى على رأس التطوير فى برامج الدراسة الجديدة، تطوير لائحة ليسانس دار العلوم، والتى لم تتغير منذ عام 1946، بعد ضم كلية دار العلوم لجامعة القاهرة، وفى هذا العام بدأ قبولها لأول دفعة من الطالبات؛ هذا التطوير فى الحقيقة مهم جداً، لأنه مثل الانتقال من نظام اللائحة القديمة، إلى نظام الساعات المعتمدة، والذى يتيح للطالب اختيار مقرراته الدراسية وأساتذته، كما أن التطوير يرمم الفراغات التى كانت موجودة فى نظام الدراسة القديم، فلو تحدثنا مثلاً عن مادة التاريخ الإسلامي، فإن منهجها القديم كان يتوقف عند دراسة تاريخ المماليك، وبالنسبة للفلسفة كان منهجها يتركز فى الفلسفة الإسلامية، مع دراسة بسيطة لمبادئ الفكر الفلسفى الحديث، ولم يكن علم الأديان المقارن يدرس بمرحلة الليسانس، وتم إدخال هذه المقررات بعمق وتوسع فى البرامج الدراسية الجديدة بالكلية.
كما سعينا فى اللائحة الجديدة إلى فتح آفاق العمل فى مجالات جديدة لخريجى الكلية، من خلال إدخال اللغات الآسيوية، مثل اللغة الصينية والكورية والأوردية، وكذلك اللغات الإفريقية، مثل الهوسا والسواحيلية..إلخ، لنفتح سوقاً لخريجى الكلية، للعمل فى تعليم اللغة العربية للناطقين بغيرها، خصوصاً أن هذه اللغات هى لغات شعوب إسلامية، وقد أحكمنا نظام البرامج الدراسية الجديدة، بحيث يكون الطالب مؤهلاً لأن يؤدى بكفاءة فى هذا المجال، الذى أظن بما لدىّ من خبرة فى تدريس العربية للناطقين بغيرها، أنه ما زال يحتاج للكثير من التطوير، وأنه يحتاج للكثير من الكفاءات التى تسد الفراغ الموجود فيه، وبالتالى فما لم تدخله دار العلوم بقوة - وهى مؤهلة لذلك- فيظل فى طور ولادته الأولى، ولن يكتمل نضجه، لأنه يحتاج إلى إدخال الدراسات والتقنيات العصرية، لإحكام تمكن خريجينا فى هذا المجال، مثل إدخال علم النحو المقارن، والذى يقارن بين قواعد اللغات فى اللغة العربية وغيرها من اللغات؛ صحيح أن قسم علوم اللغة بالكلية يدرس علم اللغة التقابلي، الذى يقدم دراسة مقارنة بين اللغة العربية واللغات الشرقية كالفارسية والعبرية، لكننا وسعنا الدراسة، لتشمل الدراسة المقارنة مع الأسر اللغوية المختلفة.
بالإضافة إلى ذلك أدخلنا بعض المتطلبات الدراسية، مثل تكنولوجيا التعليم، ومقرر لدراسة اللغة العربية والذكاء الصناعي، ومقرر لدراسة الأدب الرقمي؛ وكل هذا يصب فى تدويل فكرة دار العلوم، وبناء شخصية الطالب بما يتناسب مع المواصفات العالمية، بحيث لا يكون منغلقاً فى دائرة ضيقة، ومن باب تجاوب الكلية مع احتياجات الدولة، استحدثنا مقرراً لدراسة الدراما، وطرق كتابة السيناريو، مع التركيز على الدراما التاريخية، وأعتقد أن طلابنا الذين يدرسون الشعر والقصة والمسرحية، من خلال مناهج دار العلوم المستقرة منذ إنشائها، إذا أضفنا لهم دراسة الدراما والسيناريو، بالإضافة إلى الحصيلة المعرفية الهائلة لمناهج دار العلوم، فسيكون لدينا خريجون متميزون جداً، نافعون لبلادهم، ومساهمون بقوة فى نهضة الفنون بمصر والوطن العربي.

وماذا عن تشجيع الفكر التنويرى بدار العلوم؟
الحقيقة أن دار العلوم تتبنى منذ إنشائها فكراً عصرياً تنويرياً، وقد قمنا بتطعيم البرامج الدراسية الجديدة ببعض المقررات، مثل تاريخ الفنون، وتذوق الفنون التشكيلية، ومقدمة فى المقامات الموسيقية، ونحن أصلاً ندرس لطلبتنا موسيقى الشعر، أما القفزة الجريئة فى مناهج دار العلوم، فتتمثل فى إدخال مقررات لدراسة أدب العامية، فلا أتصور أن يدرس الطالب كل الفنون الأدبية بمستوياتها وعصورها المختلفة، ولا يدرس الأدب الشعبي، بالرغم من أنه يحمل روح المجتمع، ويدعم الهوية الوطنية بقوة، فضلاً عن أنه رافدٌ من روافد اللغة العربية، فلا يمكن أن يتخرج طالب دار العلوم مثلاً وهو لم يدرس النشيد الوطني، ويعرف شيئاً عن مؤلفه يونس القاضي، أو لم يدرس شعر صلاح جاهين، بكل عمقه وفلسفته، وتغلغله فى الثقافة الشعبية، ويكفى مثلاً أوبريت «الليلة الكبيرة»، وأنا أزعم أن هناك حالة كبيرة من التأثير والتأثر بين الشعر الفصيح والشعر العامي؛ فأنا أعتقد أن حزمة البرامج الدراسية الجديدة إذا ما أحسن الترويج لها، فإنها ستكون بمثابة الولادة الثانية لكلية دار العلوم.
تستوعب كلية دار العلوم فى برامجِها الدراسية طلاباً من مختلف الدول العربية والإسلامية، كيف تتعامل الكلية مع هؤلاء الطلاب كإحدى وسائل التعبير عن قوة مصر الناعمة؟
أولاً نحن لدينا ثلاثة وعشرون جنسية، يدرسون ببرامج دار العلوم، وتعتبر دار العلوم من الكليات المميزة بجامعة القاهرة، التى تجتذب الطلاب الوافدين. لدينا ما يقارب ستمائة طالب ببرامج الدراسات العليا، وهو عدد ليس بالقليل، وكذا لدينا فى مرحلة الليسانس مائتان من الطلاب، والغالبية العظمى منهم بالطبع من الطلاب العرب، فلدينا مثلاً طلاب من السعودية والكويت واليمن، والإمارات والعراق وليبيا، وهناك طلاب كثيرون أيضاً من الدول الآسيوية، مثل ماليزيا وأندونيسيا وباكستان وآذربيجان، وكذلك هناك طلاب أفارقة، من مالى والنيجر وتشاد وغيرها، والمثير للفخر أن اسم دار العلوم الذى حُفِرَ عبر الزمن، لا يزال له نفس الرنين والوقع فى نفوس أبناء الدول الإسلامية غير الناطقة بالعربية، والحقيقة أن إدارة الكلية تتعامل مع هؤلاء الطلبة الوافدين بكل محبة وترحاب، وتتيح لهم فرصاً تعليمية عالية الجودة، وتذلل أمامهم كل الصعوبات، سواء فيما يتعلق بمشكلات الدراسة أو الإقامة.
تستوعب الكلية أيضاً ضمن برامجها الدراسية طلاباً من الإخوة المسيحيين العاشقين لدراسة علوم اللغة العربية وآدابها، وهو شىءٌ لافتٌ، ويدل على انفتاح الكلية، فكيف يتم استثمار هذه النقطة لترسيخ أواصر الوحدة الوطنية، وروح التسامح وقبول الآخر بالكلية؟
للأسف الشديد شاع عن دار العلوم أنها لا تقبل طلاباً مسيحيين، وهذه المسألة لا أساس لها من الصحة بالمرة، فلائحة دار العلوم منذ إنشائها لا تفرق بين أبناء الوطن، وليس من اللائق ولا المقبول أن تذكر فى اللائحة مسألة قبول الطلاب على أساس الدين، لأنها مسألة بديهية، والحقيقة أن هناك واقعة مرت بى فى هذا السياق، تتعلق بشاعر مسيحى مصرى معروف، قابلته ذات مرة بندوة فى جمعية محبى الفنون الجميلة بجاردن سيتي، وكنا نناقش ديواناً له، فذكر أنه تقدم للالتحاق بكلية دار العلوم وتم رفضه، وعندما عدت لأرشيف إدارة الكلية للتحقق من حديثه، وجدت أنه لم يتقدم أصلاً إلى الكلية!.. الحقيقة أن دار العلوم منذ إنشائها كان يدرس بها أساتذة مسيحيون، بل ومستشرقون من كل مكان، وبعض طلاب الدراسات العليا من الإخوة المسيحيين، الدارسين فى أقسام اللغة العربية، وعلوم اللغة بالكلية يحققون المراتب الأولى، بل وأزيدك من الشعر بيتاً وأقول إن أول رسالة جامعية تناقش عن المسرح الكنسى نوقشت فى العام الماضى بدار العلوم، وكان ذلك بإشرافي، وكان المناقش هو الأب بيشوى حلمي، فالمصريون شأنهم شأن كل العرب على اختلاف مذاهبهم، يدرسون العلوم العربية، بوصفها الثقافة الحاضنة التى تجمع الكل.
فى ظل التطورات المتلاحقة المذهلة لتقنيات الذكاء الصناعي، كيف ترصد التحديات التى تواجه لغتنا العربية وآليات التعامل معها للحفاظ على لغتنا من الضياع فى طوفانه؟
كما ذكرت فى بداية الحوار، أننا أدخلنا فى برامج الدراسة بالكلية مقررات جديدة لدراسة العلاقة بين اللغة العربية والذكاء الاصطناعي، وعلم اللغة الحاسوبي، ونحن بصدد استحداث برامج لربط اللغة العربية بالذكاء الاصطناعي، وقد بدأنا بتطوير بعض المقررات، ولكننا نعمل أولاً على إعداد كوادر علمية قادرة على تدريس هذه المقررات فى مرحلة الدراسات العليا، ثم نهبط السلم نحو مرحلة الليسانس، لكننى أطمئنك بصفة عامة أن معظم أبنائنا الذين يلتحقون الآن بالكلية لديهم استعداد وانفتاح كبير نحو التقنيات التكنولوجية الحديثة، ولديهم فكرة واسعة عن برامج الحاسوب، فهم أبناء عصر ثورة تكنولوجيا المعلومات؛ وقد تجلى هذا فى بعض المشروعات التى أطلقناها فى العام الماضي، مثل مشروع «قاموس القاهرة العصرى الذكى للشباب العربي»، وتم تدشينه بمعرض القاهرة الدولى للكتاب فى دورته السابقة، بحضور رئيس جامعة القاهرة، الأستاذ الدكتور سامى عبد الصادق.
نريد تسليط الضوء على هذا القاموس المهم عن القاهرة؟
يركز هذا القاموس على المفردات الثقافية، مثل مفردات: «الهوية- الوطنية- القومية»، كما يركز على المفردات والمصطلحات الجديدة التى أضيفت إلى اللغة من خلال الإنجازات الحديثة فى الجمهورية الجديدة، مثل«متحف الحضارات»، «المتحف المصرى الكبير»، «العاصمة الإدارية»..إلخ؛ فهذه المفردات يجب أن يتعرف عليها شبابنا المصرى والعربى بشكل جيد وأمين. ونحن نتمنى من الله أن يكتمل قريباً، وهو بالاشتراك بين كليتى دار العلوم والحاسبات والمعلومات بجامعة القاهرة.
وهذا القاموس مبرمج بشكل ذكى للتعامل مع كل الفئات العمرية والثقافية. إذن فنحن قطعنا شوطاً والحمد لله فى الاهتمام بربط لغتنا العربية بالذكاء الاصطناعي، حتى أن محور المؤتمر العلمى للكلية فى العام الماضى كان بعنوان»اللغة العربية والذكاء الاصطناعي»، وكان مؤتمراً حاشداً، استضفنا فيه خبراء هذا المجال، سواء كان فى تحقيق التراث عن طريق الذكاء الاصطناعي، أو تنمية المحتوى العربى على الشبكة العنكبوتية.
تتميز دار العلوم بأنها على مدارِ تاريخِها تخرَّجَ منها أعلامٌ ونجومٌ فى سماء الأدب والفن والفكر والثقافة والإعلام فى مصر والوطن العربي، فهل فكرتم فى إصدارِ كتابٍ تذكارى يوثق لهؤلاء الأعلام؟
بالفعل لدينا جزءان صدرا من موسوعة(تقويم دار العلوم)، والكتاب التذكارى لأعلام الكلية توقف عند عام 1991، عندما تشرفت الكلية بحضور الرئيس مبارك لاحتفال الكلية بعيدها المئوي، وقد انتهينا بالفعل من إعداد الجزء الثالث من الكتاب التذكارى للكلية، ونعمل على إنجاز الجزء الجديد من تقويم دار العلوم، بالإضافة إلى انتهائنا من إعداد قائمة أعلام دار العلوم فى جميع المجالات، ونحن بصدد مكاتبة الهيئة المصرية العامة للكتاب، لإعادة طباعة الإنتاج العلمى والإبداعى القيم لهؤلاء العلماء الأجلاء، وعندما تتجول بين قاعات دار العلوم، فستجد أننا أطلقنا أسماء أعلام دار العلوم عليها تخليداً لذكراهم، ولجعل الأجيال الجديدة من الطلاب يفخرون بهم وينهجون نهجهم، ونحن نفخر بأن دار العلوم قدمت نجوماً زاهرة فى كل المجالات، منهم الشعراء محمود حسن إسماعيل وعلى الجارم، وفاروق شوشة وطاهر أبو فاشا والعوضى الوكيل وأنس داود، والروائى محمد عبد الحليم عبد الله، والشاعر والناقد ووزير الثقافة الأسبق الدكتور أحمد هيكل.
محطات فى تاريخ الإذاعة المصرية
صدر له مؤخرًا «بدايات المسرح فى صعيد مصر»
برشلونة تفتتح أول مكتبة فى العالم مخصصة لفلسطين







