د. أحمد يوسف على
فى ذكرى رحيل أحمد شوقى يوم الرابع عشر من أكتوبر1932م، نتذكر العلاقة الفريدة التى نشأت بينه وبين محمد عبد الوهاب لم تكن علاقة متكافئة، ولم يكن فيها شيء من الندية أو التقارب فى وجه من الوجوه فشوقى بعد عودته من منفاه، كان قد اعتلى عرش الكلمة، وأجمع أرباب الكلام فى مصر والبلاد
العربية على تتويجه بإمارة الشعر
وعبدالوهاب كان فتى صغيرا فقيرا من فقراء الأحياء الشعبية لم يكن قد تحددت ملامحه، ولا بانت عليه أى أمارة من أمارات الموهبة والنبوغ ومع ذلك انعقدت علاقة من المودة والرعاية بسطت ظلالها على عبدالوهاب، وفرضت تبعاتها الأدبية والأخلاقية على شوقي، وأسفرت عن هذه العبقرية الفنية التى ملأت حياتنا حبا وجمالا، ورسخت تاريخا عريقا لمصر وللمصريين فى الفن والموسقى يصعب أن يدانيه تاريخ مماثل فى بلد من البلدان وفى مقالنا هذا القصير، نحاول إنارة أبعاد هذه العلاقة، وتبيين دور الرواد فى اكتشاف المواهب، والإيمان بدور هذا الوطن فى ترسيخ قيم الحق والخير والجمال.
عرف شعر شوقى الغنائى والمسرحى موقعه الأثير فى وجدان أمته، وفى تاريخها الأدبي، وفى تاريخ الفن والأدب الإنساني، فما حاجة شوقى إلى مجد جديد يناله على يدى هذا الفتى الذى تتعثر خطاه فى البحث عن تحقيق ذاته، واكتمال أدواته، واعتراف المجتمع القاهرى به وبموهبته؟
إن الإجابة عن هذه الأسئلة، بحث عن دور تنويرى من أدوار كبار الشعراء والمفكرين أو ممن نطلق عليهم الصفوة الذين يرون الغد وهم يكتشفون الواقع وينتقلون به من الحال القائم إلى الحال الممكن. فالفتى محمد عبدالوهاب، كانت أمارات نبوغه تومض من بعيد تحت التراب، ولم يكن باديا منه إلا حاله الذى هو حال كل الفتيان من الفقراء والمحرومين فى أحياء القاهرة الفقيرة وقتئذ وما أكثرها. فرقة الحال فى بيت فقير لايملك قوت يومه، لا ترفع الرأس لأبعد من تلبية الاحتياجات الدنيا من مأكل ومشرب ومسكن، ولا تتطلع إلى تعليم مدنى راق يصل الواقع بالمستقبل، ويرتقى بالإنسان من حال الضرورة إلى حال الحرية.
لقد كان شوقى منصتا إلى رؤية الحدس التى تشعر بالآتى ولا تقيم عليه برهانا ولذلك كان الشغف الغامض والصدام والمنع والزجر هو عنوان أول لقاء بين الأمير والفتى كان اللقاء الأول بينهما لقاء تعيسا فبعد كر وفر بين الفتى وأبيه وأخيه الأكبر سمحت أسرته له بارتياد مسارح الغناء، كان يغنى فى ساعة متأخرة من الليل على مسرح عبدالرحمن رشدي، وكان من بين الحضور شوقى الذى ساءه أن يغنى هذا الفتى النحيل المرهق، وبنيته الجسدية الهزيلة وحاجته إلى الراحة والرعاية أكبر من حاجته إلى السهر والغناء فمنعه من الغناء فى كل المسارح باستصدار أمر من حكمدار القاهرة الإنجليزى الذى رأى أنه مازال طفلا. فهل يسفر لقاء كهذا اللقاء عن ود وتقدير وبناء سامق لتاريخ عظيم من الغناء والفن والفكر؟ أو يسفر عن قطيعة وكراهية وحذر وخوف من سلطة هذا الأمير؟ لقد اغتم هذا الصبى وضاقت الدنيا بما رحبت فى عينيه فقد حرم المال الذى كان يتطلع إليه، وحرم الفرصة التى أتيحت له بالغناء فى هذا المسرح. لقد حرم الفتى الصغير من القريب العاجل، ولم يكن يدرى بالعظيم الآجل الذى كان يأمله الأمير للفتى الموهوب.
ويبدو أن شوقى فى ظاهر الأمر كان قاسيا، فظا، غليظ القلب ولكن رؤيته الحدسية البصيرة التى امتدت إلى أبعد مما هو قائم وحادث، كان لها أثر عظيم فى حياة هذا الصبي فلم يكن شوقى يلوى على شيء إلا أن يحمى هذا الفتى من نفسه، وأن يدفعه دفعا قويا إلى احترام موهبته، وتقدير الفن الذى يؤديه ولا سبيل إلى ذلك إلا العلم والتعلم فالموهبة الفطرية وحدها لا تكفي وصقل الموهبة لايكون إلا بالعلم من جهة والتدريب من جهة أخرى، وامتداد النظر إلى ما عند الآخرين من فن وفكر وتجارب ونماذج تحققت بالفعل ولا مناص من تعلم أصول الموسيقى والغناء من مصادرها لذلك التحق عبدالوهاب بنادى الموسيقى الشرقى الذى كان أول معهد منظم أنشيء فى مصر 1915م لتعليم أصول هذا الفن وأشرف على إنشاء هذا المعهد لفيف من كبار القوم مثل مصطفى بك رضا، وحسن بك أنوراللذين تعهدا الفتى بالتعليم والرعاية، وأعدا له برنامجا تعليميا خاصا، ثم أعفياه لفقره من تكلفة التعلم.
وفى فندق سان استيفانو، وفى عام 1924م، أعلن نادى الموسيقى الشرقية عن حفل غنائي، دعا إليه تلميذه النجيب ليقدم فقرة من أهم فقراته وكما كان شوقى حاضرا فى مسرح عبدالرحمن رشدى حيث غنى الفتى عبدالوهاب ومنعه الأمير من الغناء، كان شوقى نجم الحضور فى حفل معهد الموسيقى الشرقى الذى قدم عبدالوهاب للغناء فغنى ونال الإعجاب والتقدير والتصفيق ولم يمنعه الأمير، بل سعى إليه، ورحب به وحياه وهنأه بما حققه ووصل إليه. وتوطدت العلاقة بينهما منذ هذا العام 1924م حتى رحيل شوقى فى الرابع عشر من أكتوبر عام 1932م.
ترى هل كان شوقى مؤهلا لعقد هذه الأواصر بينه وبين الشاب الواعد؟ وما الذى دعاه هذه المرة إلى عقد هذه الأواصر؟ هل رأى فى نفسه احتياجا ملحا لهذا النجم الواعد؟ أو رأى فى عبدالوهاب ما لم يره عبدالوهاب فى نفسه من احتياج إلى الفكر والثقافة وطرق أبواب لا يتيسر له ان يطرقها بنفسه، فأراد شوقى أن يضيف إلى الموهبة صقلا من الفكر والفن والذوق فى زمن قصير؟ لقد كان شوقى يلوى على شيء غير الذى أراده حين منع عبدالوهاب من الغناء وما هذا الشيءإلا أن يكون الزمن الذى أبقى سير الماضين أو هال التراب عليها، وشوقى مولع بسير الماضين وما بقى منهم؟ ولن يبقى هذا الذكر إلا بامتداده عبر الصوت العبقرى الواعد وأنغامه الفريدة ولم يكن على ساحة الغناء والموسيقى من نجوم واعدة إلا نجمان هما أم كلثوم وعبدالوهاب بين نجوم أوشكت على الأفول أوأفلت بالفعل إما بحكم جمودها، ووهن قدرتها على استيعاب ما جرى فى الربع الأول من القرن العشرين من تحولات فى الاجتماع والفكر واساليب الغناء خاصة فيما بعد ثورة 1919م، مثل منيرة المهدية وفتحية أحمد وغيرهما، وإما بالكبر واقتراب الأجل مثل سلامة حجازى المتوفى 1917م وسيد درويش الذى مات مبكرا 1923م، أو الشيخ أبوالعلا محمد الذى لم يمهله المرض ومات 1927م.
لقد تغير شوقى الذى عاد من المنفى واستوعب التغيرات الجديدة التى أحدثتها ثورة 1919م وعلى رأسها الالتفات إلى الذات القومية، والإشادة بدور الأفراد وتطلعاتهم، والتركيز على الأصوات الواعدة فى هذا الاتجاه لذلك توطدت علاقة شوقى بالأصوات الجديدة فى مدرسة أبوللو، وفى الفكر والمسرح والغناء فكتب المسرح الذى تعددت فيه الأدوار والأصوات، وكتب لمشاهير المغنين قبل عبدالوهاب باللغة العامية أمثال سلامة حجازي.
وشوقى بدعمه للجديد فى الغناء والموسيقى والشعر والفن، يعى دوره فى بناء المستقبل، ويرضى شيئا فى نفسه لم يقو على فعله فى عمره الأول وهو الكشف عن ذاته ووجدانه الذى توارى حتى تفجرت ينابيعه فى شعره المسرحي، وفى شعره الذى كتبه للغناء بالعامية والفصحى الميسرة وغناه عبدالوهاب.
وإذا كان شوقى قد بسط ظل رعايته على عبدالوهاب، فلعله كان يدرى أنه يمثل تقليدا مرعيا على امتداد عصور النهضة العربية الغنائية والموسقية منذ عهد النهضة الأولى التى بدأت عام 644هجرية فى ولاية عثمان بن عفان حتى نهايتها عام 843 هجرية بنهاية ولاية المعتصم بالله، ثم النهضة الجديدة فى مصر1850-1975م فقد حفلت كل عصور النهضة الموسيقية والغنائية على اختلافها وامتداد عصورها بظاهرة رعاة الفن والفنانين. ولم تقتصر هذه الظاهرة على بعض الحكام بل تعدتهم إلى هواة الفن من علية القوم من أصحاب المواقع الاجتماعية والاقتصادية الرفيعة.
إن اقتران هذين العلمين ظل علامة فى تاريخ الفكر والفن والشعر والغناء، وأن شوقى أسهم إسهاما كبيرا فى دفع الغناء والموسيقى العربية باكتشافه عبقرية عبدالوهاب الذى نقل شعر شوقى من بطون الكتب كما فعلت أم كلثوم إلى عقول كل المتذوقين وقلوبهم على امتداد الزمن، واتساع المكان.
كما أن رؤية شوقى النافذة كانت أسبق من زمنها حين أدرك نبوغ أم كلثوم وهى مازالت تتحسس خطاها فى القاهرة العتيدة بالفكر والفن والجاه والمال. فمد يده إليها ودعاها إلى كرمته لتغنى فى حضرة كبار القوم الذين بهرهم أداؤها وإتقانها أساليب الأداء اللغوى والفني. ومع أنه كان لقاء وحيدا، فقد أسفر عن فيضان عبقرية شوقى بقصيدة «سلوا كؤوس الطلا» التى كتبها ثناء وحبا فى أم كلثوم وأهداها إليها، وردت أم كلثوم هذا الصنيع الجميل بغناء تسع قصائد من كبار قصائد شوقى بعد رحيله. ومازلنا ننعم بكل النصوص التى كتبها شوقى بالعامية والفصحى لعبدالوهاب الذى غنى معظمها قبل رحيل شوقي ومن ينسى «يا جارة الوادي» أو فى «الليل لما خلي» أو «جبل التوباد» أو «سجا الليل» أو «النيل نجاشي» أو «مقادير من عينك».
وفى النهاية ينبغى أن نشير إلى أن شوقى كتب لعبدالوهاب أكثر من خمس عشرة أغنية بالعامية، وأن عبدالوهاب غنى من قصائده ست عشرة قصيدة على الأقل لقد كان عبدالوهاب صادقا حين قال إنه لم يبك على رحيل أحد إلا على ثلاثة: سيد درويش. ووالده. وأحمد شوقى.
محطات فى تاريخ الإذاعة المصرية
صدر له مؤخرًا «بدايات المسرح فى صعيد مصر»
برشلونة تفتتح أول مكتبة فى العالم مخصصة لفلسطين







