كتب عن أحوال الناس فى أزمنة متحولة: صنع الله إبراهيم وهدم البنية الروائية التقليدية

صنع الله إبراهيم وهدم البنية الروائية التقليدية
صنع الله إبراهيم وهدم البنية الروائية التقليدية


د. محمد ماهر بسيونى

برحيل الكاتب الكبير صنع الله إبراهيم (1937-2025)، اكتمل مشروعه السردى وعالمه الروائى، الذى شيّده مرتكزًا على رؤية للعالم تُعنَى برصد تحولات الواقع، من خلال متابعة دراما الأحداث العادية اليومية لشخصيات رواياته، التى تقبع فى خلفيتها لحظات تحول اجتماعى، تعمل على تشكيل مواصفات وأفعال الشخصيات، وتحديد التحولات الطارئة عليها، ويتم تسجيلها داخل النص الروائى، بحيث تُطل التجربة الروائية عبر وعى الشخصيات الروائية ذاتها بوصفها وعيًا ذاتيًا، وليس بكونها تأريخًا موضوعيًا مجردًا أو مستقلاً عن الممارسة الشخصية واليومية للشخصيات ذاتها. 

ولم يفرض صنع الله رؤيته، بل دسها خلسة وترك للقارئ أن يستشفها ليتفاعل معها سلبًا أو إيجابًا، مراهنًا على منظور أخلاقى فى النظر للحياة، يُدرج خلاله رؤيته للعالم، ويحمى جهده الروائى من اعتباره مجرد تجميع لأحداث وحكايات صيغت فى حبكة سردية، بل يعطيه ترابطًا وتقابلا مع رؤى أخرى قائمة، وفاعلة فى تشكيل المجتمع المصرى وتتجاوزه إلى تشكيل المجتمع العالمى، بحيث يطرح رؤيته للعالم فى سياق معرفى وتاريخى يتيح تأويلها وتقييمها من منظور النسبية والتحول ،بحيث يؤرخ لمجتمعه فى مسار مترابط مع المسار الحياتى الخاص، موظفًا فى هذا التأريخ البُعد التخييلى، الذى يفسح المجال أمام تنويع الشكل ومستويات التعبير، مع مراعاة المستوى الجمالى الذى يوفر للنص خصوصيته، بحيث لا يُنظر إليه كمجرد استنساخ لما هو قائم وسائد -خاصة مع احتشاد نصه الروائى بكم هائل من المادة الأرشيفية والوثائقية- بل يستخرج إمكانات الجنس الروائى التى تتيح امتزاج الخطابات واللغات والأصوات، وتشخيص الجدلية الكامنة فى مشاهد الحياة وسلوك شخصياتها.

وبذلك امتلك صنع الله إبراهيم وعيًا حادًا بالتحولات الاجتماعية العميقة فى مصر، وحساسية فائقة لتقلباتها الأيديولوجية القاسية على أفراد المجتمع وطبقاته، الذين انتقى شخصيات رواياته من بينهم بوصفهم نماذج وأيقونات رمزية يحلل من خلال عرض حيواتهم ومصائرهم الروائية بنية المجتمع المصرى وما أصابها من تغيرات حادة، مُجسدا تحليله فى شكلٍ روائى يطمح لاستيعاب شبكة المتغيرات الأيديولوجية والاقتصادية فى نسيج المجتمع المصرى، ويغلب عليه الحس التسجيلى والأرشفة التوثيقية، التى تعد إحدى التقنيات الرئيسية الطاغية على المنهجية الإبداعية عند صنع الله إبراهيم، التى يستوعب من خلالها الظواهر الاجتماعية، غائصًا فى بواطنها، مستشرفًا لمضاعفاتها ومستقبلها، عن طريق استخدامه المتمكن لآليات الشكل الروائى، وجوهره التخييلى، مُشَكلا نسيجًا سَرْديًا مُتشابكًا ومُعقدًا ومُفْعَمًا بالدلالة، ساعيا من خلاله للتعبير عن الواقع فى كليته، بحيث يكون أقرب للحقيقة كما يراها وعيه وحواسه، معبرًا عنها بما يليق بها كما يراها من وجهة نظره، وإن اصطدم ذلك مع وجهة النظر السائدة والرسمية التى يتم السعى لفرضها بقوة السلطة وغواية الدعاية.

وعلى الرغم من أن الواقع حاضر بقوة فى أعمال صنع الله إبراهيم الروائية، والقضايا التى يثيرها سرديًا غير تجريدية بل واقعية؛ فإنه استطاع -على مستوى الكتابة -أن يتناولها جماليًا بانفصال جذرى عن ابتذال الالتزام السياسى الأيديولوجى، فقد طرحها مهتما بالإنسان فى كينونته الواقعية المرتبطة بوضعيته الاجتماعية /التاريخية، وهو وإن قارب البطل المؤدلج فى أعماله الثلاثة الأولى، إلا أن ما يغلب على شخصياته هو إنسان الحياة اليومية الذى لا يتزين بالسياسة ولا يزينها، ولا يرفع بيارق النضال ولا يتغنى بأناشيدها ولا يهزج بشعاراتها ولا يؤمن بأساطيرها، إنسان البيوت والشوارع والعمل غير المجزى، ذو الآمال العريضة المجهضة دائما، والآلام السائدة، والأفراح المختلسة والاستثنائية، الذى لا يعنى النظر فى واقعه بعمق، إلا اكتشاف مأساويتها (تراجيديتها) فى كل تفاصيل حياته، التى لا تنفصل عن مأساوية مجتمعه القابع فى عالمه الثالث عرضة لكافة أشكال الاستغلال، لا يتحرر من أحدها (الاستغلال بشكله الاستعمارى التقليدى) حتى يقع فى براثن ما هو أشد منه وأنكى (الاستغلال السلعى)، حيث يحتشد عالم صنع الله إبراهيم الروائى بشخصيات تفتقر إلى أى مظهر بطولى أو إيجابى أصيل، بل نجدها غارقة فى صراعات وتناقضات وتفاهات يومية لا حد لها، وتعانى من الإخفاقات والهزائم، ولا تصل إلى نهايات سعيدة أو حاسمة، بل تظل نهاياتها مفتوحة على آلية مجهولة وغامضة، ولا نجد محاولة لخلق عالم بطولى أو حتى خصلة بطولية، على غرار ما نجده فى الروايات الرومانسية أو الملاحم القديمة، أو حتى فى روايات الواقعية الاشتراكية التى تنحو لخلق شخصية البطل الإيجابى، بل نجد شخصيات اعتيادية ومتواضعة.

لقد كتب صنع الله إبراهيم عن أحوال الناس فى أزمنة متحولة، عبر مشروعه الممتد الذى كتبه كما لو كان يكتب رواية واحدة طويلة، يتم تحديثها بتجدد الوقائع والأحداث الروائية التى تروى عنها، معبرًا عن الجوهرى فى كل مرحلة تاريخية يكتب عنها، وذلك لأن التحول المجتمعى متسارع الوتيرة، قد فرض على صنع الله استمرار جدلية الرصد والكتابة، وتطور رؤيته للعالم المتجسدة روائيًا.

وبدأ صنع الله الكتابة عن المجتمع المصرى فى منتصف ستينيات القرن العشرين، فى روايته الأولى «تلك الرائحة"، مُستعينًا بتجربة اعتقاله الشخصية، ومعتمدًا على يوميات كتبها بُعيَد الإفراج عنه، ثم كتب روايته الثانية «نجمة أغسطس» عن نفس الفترة، فى عام 1974 ، بحيث يمكن القول إنه كتب عن تلك الفترة مرتين، إحداهما وهو فى قلب الحدث وحرارة التجربة، والثانية بعد فترة كافية لمراجعة تجربته الأولى دون أن يسقط فى فخ الحكمة بأثر رجعى، فهو منذ روايته الأولى استطاع أن يكشف عن الشرخ الكبير فى جدار التجربة الناصرية، وسيادة النزعة الاستهلاكية- التى كان الناس لا يزالون قادرين على إشباعها- التى أدت إلى التناقض بين شعارات الاشتراكية المعلنة، وبين نقيضها الواقعى الذى استغل الثغرات الواسعة فى البناء الناصرى، وأدى هذا الاستغلال إلى شراسة النمو الرأسمالى فى أحشاء مصر الناصرية.

بدأ صنع الله إبراهيم إذن من نقد سلطة تعلن شيئا وتمارس نقيضه -وهو ما استمر فى ممارسته طوال حياته- مؤسسًا لرواية الاغتراب بوجوهه المتعددة :السياسى (الاغتراب الجزئى)، أو السلعى (الاغتراب الشامل)، راصدًا ما تمنحه التحولات الاجتماعية السلطوية للفرد المغترب من ملامح متغيرة تبعًا لتحولاتها وصولا به للمجتمع المتشيئ والاستلاب وفقدان جوهره الإنساني؛ فهو يكتب ليطرح موقفًا من شيء يحدث على أرض الوطن وفى العالم، هذا الموقف يتبلور عبر وعيه الممكن فى رؤية للعالم، تجد تجسدها فى شكلٍ ما هو الرواية، التى يمتلك عبرها القدرة على اقتناص الجوهرى فى الواقع المادى الذى يسير عبر أنساق وآليات محددة، مجريًا تماثلا بنيويًا بينه وبين نصه الروائى التخيلى الذى يسير هو الآخر عبر أطر وأنساق وعلاقات وعناصر، تستهدف التعبير عن واقعها المرجعى وصياغته سرديًا فى بنية كلية تحاول أن تحتوى واقعًا معقدًا متشابكًا، بوسائل شكلية جديدة ومبتكرة لها سمة التجريب الدائم، فى محاولة منه للحاق بمجتمع متغير بوتيرة عنيفة ومتسارعة، بحيث سار صنع الله فى تشكيل نصه، على إيقاع التحولات الاجتماعية المتلاحقة، فالكاتب أى كاتب مرتبط بمعطيات الواقع، وينتج نصه فى إطاره ومن خلال شروطه، بحيث تكون أحداث رواياته قائمة على جدلية تفاعل الإنسانى مع تغيرات الواقع المرجعى المجتمعى، والاستجابة الذاتية لتحولاته، بحيث يكون مدار السرد على الإنسان، فى واقعيه: المرجعى والنصي؛ لإنتاج نص متلاحم مع مجتمعه.

استطاع صنع الله إبراهيم هدم البنية الروائية التقليدية، وإقامة بنية تجريبية بديلة، متعددة التجليات تتواكب مع عملية الهدم والبناء المتكررة التى يمر بها المجتمع المصرى منذ ثورة يوليو 1952 وحتى الآن؛ لمحاولة صنع تماثل بين العالم الروائى وعالم التجربة الواقعى، بحيث تكون تمظهرات الواقع بصفته مرجعًا وسياقًا حاضرة فى نصه الروائى بوصفها وعيا ورؤية للعالم، دون أن يعنى هذا بالضرورة أن صورة الواقع الخارجى بوصفه مرجعا هى صورة انعكاسية لهذا الواقع بكل تفاصيله، بل تتشكل من انتقاء ما هو نموذجى ومعبر ودال فى هذا الواقع، الذى يعبر عن مجتمع متحول، تسير بنياته الاقتصادية والسياسية والثقافية والقيمية والأخلاقية والسلوكية فى طور التداعى والانهيار والسقوط والتقوض، وتتشكل على أنقاضها بنى وقيم بديلة.