صارت أقرب إلى «صندوق الدنيا» المغلق: دار الكتب المصرية.. بيت علم أم مؤسسة تجارية؟!

دار الكتب المصرية
دار الكتب المصرية


د. عمرو عبدالعزيز منير

فى قلب القاهرة، حيث تلتقى أنفاس الماضى بقلق الحاضر، تقوم «دار الكتب والوثائق القومية» شاهدةً على عصور من التنوير والمعرفة، ومرآةً لميراث مصر الثقافى الممتد من العصر الفاطمى إلى الكولونيالية، ومن الوثيقة السلطانية إلى القصاصة الشعبية.

لقد كانت دار الكتب المصرية، منذ نشأتها فى أواخر القرن التاسع عشر، ليست مجرد خزانة أوراق، بل مؤسسة سيادية رمزية، تمثل الذاكرة الحية لمصر، وحارسًا للهوية، وأداة من أدوات القوة الناعمة التى مارست بها مصر تأثيرها فى محيطها العربى والإسلامى والأفريقى.

من بين كل ما يمكن أن نفخر به من مؤسسات المعرفة، تظل دار الكتب نموذجًا فريدًا لمؤسسة جمعت بين الحفظ والإنتاج، بين الصون والتحفيز، بين الأرشفة والمشاركة، ولطالما كانت مقصد الباحثين من مختلف بقاع العالم، يستضيئون بكنوزها فى عصور الظلمة، ويستدعون نصوصها لتفكيك واقعهم أو بناء رؤى جديدة.

ولم يكن هذا الدور تلقائيًا، بل بُنى عبر أجيال من الجهد المتراكم، وإرادة علمية حقيقية كانت ترى فى المخطوط نصًا حيًا، لا أثرًا منسيًا، وفى الوثيقة شاهدًا على الوجود، لا مجرد دليل إدارى.

وقد لا يمكن لأحد إنصافًا إلا أن يُقدّر الجهود التى بُذلت فى العقد الأخير لإصلاح هذه المؤسسة، من خلال الانفتاح النسبى على المجتمع البحثى.

غير أن الاعتراف بالفضل لا يلغى ضرورة النقد، بل يفرضه – لا جحودًا، وإنما محبةً، فالمؤسسات الثقافية لا تنهض بالمجاملات، بل بالمراجعة والمساءلة.

الدار التى كانت فى الماضى مختبرًا للأفكار، أصبحت اليوم – بكل مرارة – أقرب إلى «صندوق الدنيا» المغلق، لا يراه الداخل إلا فى مشهدٍ باهت، حيث يجلس الباحث وسط ضجيج الموظفين، على جهاز كمبيوتر متهالك، لا ليقرأ المخطوط، بل ليتوسل إلى صورٍ مرقمنة لا تتيح الفحص ولا تسمح بتأمل علمى حقيقى.

بينما فى مكتبات العالم – مثل السليمانية فى إسطنبول، ومكتبة فرنسا الوطنية، ومكتبة بودليان فى أكسفورد – يُسمح للباحثين بتصوير مخطوطاتهم بجهازهم الخاص، بل ويُقدَّم لهم دعم رقمى وأكاديمى شامل.

فى دار الكتب المصرية، لا يُسمح للباحث أن يصوِّر المخطوط بنفسه، ولا أن يجلس بكامل أدواته كما يفعل نظراؤه فى مكتبات المخطوطات الكبرى. بل تُفرض عليه أسعار تصوير مرتفعة، تقطع الصلة بينه وبين إنتاج المعرفة.

والأسوأ من ذلك: أن تحتسب الدار كل لوحة (تشمل صفحتين) على أنها «لقطتان»، فى مخالفة فنية واضحة لكل أعراف العالم، لا لشىء إلا لمضاعفة الربح، كما لو كانت الدار قد نسيت أنها بيت علم، لا مؤسسة تجارية.

لقد دفعت شخصيًا مبلغًا يقارب الـ3500 جنيه مقابل تصوير 230 لوحة، أى ما يزيد على ثلث راتبى كأستاذ جامعى باحث، فكيف يُنتظر من الباحث المصرى، تحت وطأة التضخم والأعباء الاقتصادية، أن يواصل عمله وسط كل هذا التنفير؟ هذا دون أن نذكر ساعات الإهلاك، من صعود ونزول بين الطوابق، ومن الإجراءات العقيمة، وسوء حالة المكان العامة، ونقص أدوات الفحص والمطالعة، حتى لَيُخيّل إليك أنك فى مؤسسة طاردة للعلم، لا جاذبة له.

ليست المشكلة فى المبنى فقط، بل فى الرؤية: لم تعد دار الكتب المصرية ترى الباحث باعتباره منتجًا للمعرفة، بل زبونًا مشتبهًا فيه، وموضع شك لا موضع ثقة.

غابت الفلسفة الثقافية التى تؤمن بأن المخطوط حين يُتاح للدارس، يتحوّل من مادة خام إلى فكرة حيّة، ومن أثر مهمل إلى صوت فى الجدل المعرفى المعاصر. غاب الإيمان بأن مصر التى أنجبت طه حسين، وشفيق غربال، وزكى نجيب محمود، تستحق أن يكون لها مؤسسة تُناظر مكتبة بودليان أو دير سان لورينزو الإسكوريالى، أو حتى مكتبة برلين.

ولهذا، فإن همستى إلى رئيس دار الكتب، وندائى إلى وزير الثقافة، بل دعوتى الصريحة إلى الأستاذ الدكتور أحمد فؤاد هنو، أن يقوم بزيارة تفقدية إلى قسم المخطوطات بدار الكتب، من لحظة الدخول إلى مكتب الاطلاع، ليرى بعينيه الحال الذى لا يسر حبيبًا ولا عدوًا، ويشهد الفجوة المؤلمة بين ما نروّجه عن أنفسنا كـ»قوة ناعمة» وبين الواقع الذى يواجهه الباحث فى الميدان.

إن أردنا لمصر أن تستعيد دورها الريادى فى الثقافة والمعرفة، فلن يكون ذلك بخطابات الوجاهة، بل بقرارات جذرية تعيد تعريف دور المؤسسة، وتؤسس لحق الباحث فى المعرفة، وتضع دار الكتب حيث يجب أن تكون: رافعة للبحث العلمى، لا عبئًا عليه.

نريد لمصر أن تقرأ نفسها من جديد، لا أن تُقرأ فقط فى أرشيفات الآخرين. نريد لها أن تكون بيت الحكمة فى عصر ما بعد الذاكرة.

فلتكن هذه الكلمات – وإن بدت قاسية – رسالة وفاء، لا شكاية ولتكن نقدًا يحمل من الحب أكثر مما فيه من الألم.

فدار الكتب ليست مجرد مبنى على كورنيش النيل، أو بناية تطل على ضفاف النهر الخالد، بل هى رمزٌ لمصر التى نريدها: مصر التى تعرف قدر ماضيها، وتؤمن بأن من لا يُمكّن باحثيه من أدوات المعرفة، لن يصوغ مستقبله بيده. فالمعرفة لا تُستجدى، ولا تُبتز، بل تُصان وتُتاح، لأنها أثمن ما تملكه الأمم حين تعصف بها الرياح.