لقاء وحيد وقراءات ممتدة

صنع الله إبراهيم
صنع الله إبراهيم


رأيتُ صنع الله إبراهيم مرة واحدة فى حياتى، رأيته قبل أن أقرأ له، كنت فقط قد سمعتُ اسمه وفكرت؛ كيف سيبدو فى الواقع شخص اسمه صُنع الله إبراهيم؟ 

تأملتُ معنى اسمه وإيقاعه، ثم وجهه الذى رأيته لأول فى مايو 2011 كان ذلك فى مبنى صغير يُدعى «الكابينة»؛ مكان فى محطة الرمل حوّله الشباب -قبل أن يخرج من المشهد السكندرى- من مبنى مهجور كان يضم وحدة تكييف سينما ريالتو المجاورة، إلى بيت ملهم للفن، يضم مكتبة صغيرة ومساحة للعمل الحر مدعومة من منظمة سكندرية مستقلة، تُقام فيها معارض وحفلات موسيقية ولقاءات ثقافية وورش عمل وفعاليات أدبية صغيرة.

كان المكان يُشبه مرتاديه من الشباب الذين لا يملكون شيئًا فى الحياة سوى أحلامهم، وكان اللقاء مع صنع الله إبراهيم فى غرفة ضيقة محدودة التهوية.

لم أتوقع، ولم يتوقع كثيرون أن يقبل الكاتب الكبير أن يأتى إلى الإسكندرية ليلتقى بنا هنا، أن يجلس بيننا ويصغى إلينا ويجيب على أسئلتنا التى كانت معظمها تدور حول تلك الفترة الضبابية بعد الثورة.

لكنه جاء إلى ذلك المكان الجديد المغمور، ربما لأنه لطالما آمن بضرورة ضخ دماء جديدة فى المشهد الثقافي، وفى المشهد الأكبر فى البلاد.

كنتُ أجلس فى آخر صف، وكان الحضور طاغيًا بالصورة التى جعلت المسافة بينى وبينه تبدو أطول من المساحة الصغيرة للغرفة.

نظرتُ إليه كأننى أنظر إلى نجمة بعيدة: شعره الأشعث المرتفع عن رأسه، عينيه المتقدتين بالذكاء وبيقظة عتيقة خلف نظارة بعدستين مستديرتين.

لا أتذكر إن كان يُدخن أم لا، لكنى لا أستطيع تخيله بلا سيجارة ترتعش بين أصابعه. بدا لى وجهه العجوز طويلاً نسبيًا، صلبًا كدِرع من النحاس، فى ملامحه مسحة احتجاج خافتة لكنك لا تستطيع التغاضى عنها.

اشتريتُ يومها رواية «اللجنة» وحظيتُ بإهدائه الذى بدأه بـ«الصديقة»، وأنهاه بـ«تقدير ومحبة».

لم أكن قد قرأت له من قبل، كنتُ فتاة عشرينية لا تفكر إلا فى العمل وتعلم الكتابة. لكن فى تلك الليلة بدأ شيء يتغير؛ كانت «اللجنة» بكل ما فيها من رمزية وسخرية وقلق بابًا لولوجى عالم السياسة، ليس باعتبارها خطابًا يُقاوم السلطة، بل كقضية شخصية حياتية تُعبر عن حالة نعيشها كل يوم.

تأثرتُ ببطل الرواية الذى كان يقف خانعًا ومُنتهَكًا، تُحاكمه اللجنة دون جُرم واضح كمحاكاة لما يحدث للمثقف العربى فى النظم الشمولية، ويخوض رحلة تطرح العديد من الأسئلة الوجودية والسياسية. 

من ناحية أخرى، وجدتُ فى روايات صنع الله إبراهيم وجهًا آخر للكتابة، حيث جنح إلى التجريب والتوثيق بشكل مغاير، لا ينشغل بالشكل الأدبى بقدر ما يُعنى بأن يكون امتدادًا لموقفه السياسى والأخلاقي، لا يكترث للعناية الأسلوبية أو الجماليات الشكلية المعهودة بقدر ما يهتم ببناء هيكل عام للنص يخدم فكرته أو رسالته التى ربما تكون مباشرة، لأنه أرادها موجهة إلى العالم كطلقة من فوهة مسدس.

فالسخرية اللاذعة الناقدة للسلطة والدولة الأمنية وكل ما يرتبط بها من أخطاء، تخرج فى نصوص سوداوية تُشبه ما يشعر به من الداخل؛ كل الانكسارات التى عاشها وحاول أن يُقاومها، سخرية صادقة وأصيلة وقراءة عميقة للواقع واستشراف واع للمستقبل، يعرضها بمزج فاتن بين الإلماح والإفصاح.

قرأت له بعد ذلك «تلك الرائحة»، «ذات»، «شُرَف» وغيرهم.. وخلصتُ إلى قناعة واضحة؛ أن هذا الرجل ممتلئ بالألم والحب معًا، ممتلئ بالشعور بالانتهاك فى الوقت الذى يبحث فيه عن فرجة أمل.. تلك الضفيرة التى لم تكن تخصه وحده، بل تلمس معظم كتاب جيله الذى قال عنهم فى رواية «اللجنة» أثناء بحثه عن شخصية لامعة: «دونتُ أسماء عدد من الكتاب البارزين، وعندما أخذتُ فى تحليل وضع كل منهم وجدتُ أن ما نالوه من مكانة يعود إلى الأفكار والمبادئ التى دعوا إليها فى وقت ما.

وبمزيد من التحليل تبينتُ أنهم أصبحوا فريقين، الأول التزم الصمت، سواء عن رهبة أو قنوط، رغم أنه يعرف أكثر من غيره حقيقة ما يجري، والفريق الآخر تراجع بسهولة ويُسر عن دعاويه السابقة، بل وتنكر لها».

وأنه حين فكر فى كتابة الرواية، فكر فيها كوسيلة لمساءلة الواقع ومحاكمة السلطة والفاسدين فيها، والكتابة من داخل الجرح.

فروايته الأولى «تلك الرائحة» لم تكن مجرد سرد لمرحلة بعد الخروج من السجن، بل محاولة لفهم الفراغ الذى تتركه القسوة بعد انقضائها، بلغة وأسلوب جافين ظاهريًا -ربما-، لكنهما مشحونان بنوع مختلف من المشاعر كنتيجة طبيعية لتجربة السجن التى خاضها، كأن اللغة نفسها أيضًا خرجت من تلك الزنزانة لتقف على قدمين مرتعشتين، تقاومان السقوط عن طريق ثبات الفكرة والتمسك بمسؤوليته تجاه شرف الكلمة.

كلما مرت صورة صنع الله إبراهيم فى ذاكرتي، تلوح لى تلك الأمسية البعيدة فى «الكابينة» كأنها انعكاس لأنوار على امتداد طريق مبتل بالمطر.

أتذكر وجه ذلك الرجل الذى أزعج الآخرين بصدقه، الرجل الذى لم يكتب يومًا لينال إعجاب السلطة أو الجوائز أو المؤسسات، الذى رفض التكريم حين جاء من الدولة لأنه لم يكن يريد أن يُكرَّس فى نظام يرفضه فكريًا وأخلاقيًا.

كان يكتب لأن عليه أن يكتب، ولأن الكلمة كانت بالنسبة إليه طريقًا للشرف.

فى تلك الليلة، أحببته، أحببت كتابته، أفكاره ومواقفه.

ولم أعد أنظر إليه ككاتب، بل رأيته شاهدًا، ومحاربًا وناجيًا.