صدوق نورالدين
1 يتأسس القول النقدى فى هذه الكتابة انطلاقا من شهادة «تجربتى الروائية» (وكان «صنع الله إبراهيم» ألقاها فى ملتقى فاس للرواية العربية الجديدة/ 1979)، بغاية الوقوف على التصور الممتلك لجنس الرواية، إلى إبراز الموقف من الكتابة التقليدية التى سادت مرحلة، وبالتالى تبيان نوعية الاختيار ومبرراته وهو ما يمثل رافد تعضيد للمنجز المكتوب إبداعيا.
إذ يرى بعض الدارسين بأن كفاية النص الأدبى تغنى عن اعتماد شهادة، تدخل، أو حوار فى المجال ذاته.
والواقع أن صدور النظر النقدى عن الكاتب المؤلف والروائي، تجسيد للإضافة كما للصيغة التى يحق بالانبناء عليها الموازاة بين النظر والتطبيق أو التطبيق والنظر.
ذلك أن أى منجز روائى يجلو تفكيرا وتخييلا الصورة والهيئة المفترض أن يعلن النص وفقها ذاته كصيغة ومادة مفتوحة على التلقي، التداول والتأويل.
فالروائى يمتلك مرجعية توازى بين قراءة الإبداع والنقد، وهو ما يجعله _أساسا _ أول ناقد لما يقدم على إبداعه وإنجازه ليتحقق فى اللاحق توضيح البياضات من خلال الشهادة أو الحوارات.
2
إن قراءة هذه الشهادة المركزة والدقيقة، يقتضى إعادة التفكير وفق بنائها لما يحق إدراجه فى الصيغة، وبالتالى المادة، علما بأن «صنع الله إبراهيم» يوضح بأن المشترك يتمثل فى الوحدة بين الشكل والواقع.
أولا:
أ _ يتحدد مفهوم الرواية بالنسبة ل «صنع الله إبراهيم»، بإثارة مسألة شكل الكتابة بما هى اختيار هدفه إنتاج معنى. بيد أن اللافت تعدد صيغ الكتابة وتنوعها، مما يوقع شخص الروائى _ إذا جاز _ أمام «قلق» الاختيار، كما أمام حرية تدفع به إلى ممارسة «اللعب الروائي» وفق التركيب الأدبى الذى يقتضى الدمج والمزج بين أكثر من جنس، دون الإخلال بالهوية الأصل المتمثلة فى التحديد « رواية». إذ الروائى بما يمتلك من كفاءة
واقتدار يسعى تفريد صيغته التى تميزه ضدا على المتداول والسائد، وهو فى الجوهر ما نزع إليه الروائى «صنع الله إبراهيم»:
« .. ومنذ البداية كانت لعبة الشكل تستهويني. فالحرية التى يتعامل بها الكتاب المعاصرون مع مادة الرواية كانت تثيرنى للغاية. كل رواية تصبح مفاجأة تامة ومغامرة مثيرة جديدة لا تكرار فيها أو ابتذال»(1)
بيد أن الاختيار بما هو التمثيل عن خصوصية ذاتية شخصية تفرض قراءة وتأويل منجز الرواية، وفى ضوئها لا يمكن النظر إليه فى استقلالية عن المصوغ كمادة، وإنما يتوافق الاختيار وما يلزم التعبير عنه كمادة وواقع إذ الشكل يخدم وظيفيا المعنى ويسهم فى نقله وترجمته وتسهيل عملية إدراكه وفهمه فى بعده الرمزى الاستعاري، وبالتالى فى استجلاء موقف الروائي:
« لم يكن الأمر متعلقا بالحرفة، بالتكنيك وحسب، وإنما كان يشمل أساسا وجهة النظر، الرؤية، ما تريد أن تقوله.» (2)
ب _ إن ما ينم عن التفرد الروائى من حيث الشكل، اللغة الأدبية المعتمدة ذلك أن قناعة إكساب خصوصية يستلزم البحث عن طريقة فى الكتابة مغايرة لا تنتج وعيا بالمتداول كتقليد إبداعى سائد، وإنما تخلخل صورة التلقى وتدفع إلى إثارة الأسئلة حول الدوافع المؤدية لما يعد جديدا، وبالتالى نقلة فى الإبداع والكتابة.

من ثم فإن بلاغة الكتابة الروائية لدى «صنع الله إبراهيم»، انبنت على خاصات تسم نثره الروائى نذكر منها:
التركيز، الإيحاء، الربط والحذف فالجملة الروائية فى نتاجاته لا تقرر على منوال السائد من كتابات تقليدية وإنما تقتضى التفكير فى اللاحق، كما تفرض التنوع اللغوي:
«.. ألا أكتب إلا ما أعرفه جيدا أن يكون النثر واقعيا محددا للغاية ذا أبعاد متعددة (جبل الثلج) فى مواجهة السيولة العربية التقليدية التركيز والاعتماد على الإيحاءات والارتباطات الداخلية للنثر وحذف كل ما هو زائد أى ما يمكن الاستغناء عنه.» (3)
ت _ إن إقرار اختيار وفق هذه الصيغة، تغيير فى نمط الإبداع وقراءته إذ المعتاد كون الروائى يهب مفاتيح القراءة كاملة للقارئ فيقصيه من وعن فعل المشاركة فى الإنجاز الروائي وهى المشاركة التى تتأسس على القراءة غير العادية، حيث تتحول إلى تلق ينهض على التفكير الناقد الموازى للتفكير المبدع، سواء من حيث التأهيل أو سد البياضات والثقوب وثم _ إذا حق _ تتحاور ثقافتان وتتصادى مخيلتان: ثقافة المبدع الخالق وثقافة المتلقى المخلوق أو المختلق.
«..لكن «جملتي» ولدت نابضة بتيارات ومسارب خفية، تستكمل هذا النقص، وتخاطب فى القارئ كلا من وعيه و لاوعيه وفى بعض الأحيان كنت أجدها غير كافية، فأستكمل الموقف بمعارضة انفعالية وفى أحيان أخرى أجدها مكرورة وزائدة عن الحاجة فأحذفها. هكذا ولدت تلك الرائحة.» (4)
إن ما يفضى إليه هذا التصور للشكل الروائي، الإبدال المتعلق بالشخصية، وبالبطل تحديدا، إذ تتمثل صورة حضوره فى قلقه واغترابه، وبالتالى إحساسه باللايقين فى سياق واقع لا يساير طموحاته وأحلامه إنه الشخصية المثقفة التى تتماهى والمؤلف، وتجعل النص الروائى يوازى بين كونه سيرة/رواية، ولئن كان «صنع الله إبراهيم « باعتباره الروائي/المؤلف، يحدد منجزه فى «رواية» وليس «سيرة ذاتية». يقول عن بطل روايته «تلك الرائحة»، وهو ما يمكن أن ينسحب على بطل مجمل رواياته:
« ..فقد أكدت غربة بطلها عما يجرى حوله ورفضه ما هو مبتذل وبورجوازى وغير إنساني»( 5)
ثانيا:
إن تحقق الشكل وفق الصيغة المستخلصة من هذه الشهادة الروائية، يقتضى التطرق للمادة إذ أن ما من نص أدبى إبداعى إلا ويتغيا إنتاج معنى يتم إيصاله فى نوع من التدرج والتوسيع الأدبيين.
بيد أن الرافد الأساس لإنتاج المعنى الروائى فى تجربة «صنع الله إبراهيم»، يتمثل فى «البئر الأولى» (بلغة الراحل «جبرا إبراهيم جبرا»)، والقصد مرحلة الطفولة وما تمثله من رواسب يتحقق استدعاؤها بغاية التثبيت على الورق، وبالتالى جعلها النواة/ المنطلق لتشكل المعنى. ذلك أن كتابة الطفولة، كتابة الذاكرة كماض وتعويض عن المفتقد فى الحاضر بما هو قيمة الحرية. وفى وضعية «صنع الله إبراهيم»، فإن المدة الممضاة فى السجن تجد تعويضها البديل نفسيا وإبداعيا فى مرحلة الطفولة. ولذلك تتوازى عملية البحث عن حرية إبداعية على مستوى الشكل، والحرية فى الحياة.
على أننا لا نغفل بصدد المادة كون أية كتابة أدبية إبداعية سردية تلفى منطلقاتها فى رواسب الماضى الموعى وغير الموعى بها، والتى تتدفق تباعا لتحتل وتنتج المعنى المراد إيصاله:
« وكان من الطبيعى أن تتحول الطفولة التى استيقظت أدق لحظاتها فى أيام السجن ولياليه الطويلة على منجم غنى بالنسبة للعمل الأول.» ( 6)
« وكان من الطبيعى أن أتحول إلى منجم الطفولة. فقررت أن أقتطع منها لحظات يمكننى فى حدود وعى الأدبى أن أسيطر عليها.» ( 7)
إن استدعاء الطفولة تمكن من آلية الكتابة والتعبير، إذا ما ألمحنا لكون قوة المرحلة وما تطبعه من أثر في/ وعلى الشخصية، يفسح لانتقاء (اقتطاع) ما يلائم طبيعة المعنى.
وبذلك يجد الروائى ذاته أمام تمكن والمتلقى حيال الملاءمة على أن الثابت كون رافد الطفولة ليس سوى النواة التى تقدح شراة الكتابة، إذ وبمجرد استعادة الحرية، تتم مواجهة الواقع فى تحولاته وتبدلاته التى تفرض المقارنة بين ما كان وما أنتهى إليه:
«..وخرجت إلى الحرية بعد خمس سنوات ونصف من السجن، لأواجه عالما مختلفا بحكم ما تعرضت له أنا شخصيا من تغيرات بالغة (دخلته فى الواحدة والعشرين، وغادرته فى السادسة والعشرين)..» (8)
ثالثا:
إن الاختيار المحدد فى الصيغة وطبيعة المادة، يتحقق فى سياق وضعية يجد فيها الروائى ذاته أمام فيض الأشكال والتجارب اللامتناهية والمطروقة، وليس عليه حيال هذه الوضعية إلا إفراد وفرض تميزه وخلق شخصية نصه كما هويته الأدبية التى يتلقى، يفسر ويؤول فى ضوئها، علما بأن الروائى مثقف يتفاعل والتجارب الروائية العالمية والعربية (لم يذكر منها «صنع الله إبراهيم سوى «نجيب محفوظ») أقول إنه أول ناقد لمنجزه الأدبى الإبداعي.
« أى طريق بين عشرات الطرق؟ الأساليب والأشكال والمدارس؟ تشيكوف وجوركى وجويس وبروست فضلا عن زولا وبلزاك ونجيب محفوظ ثم الآن روب جرييه وأصحاب الرواية العربية الجديدة فى فرنسا الذين كانوا يحدثون ضجة كبرى فى ذلك الوقت (بداية الستينيات)» ( 9)
على أن الاختيار يوقع _ كما سلف _ أمام (حيرة) لا يتحقق تبديد ضبابها إلا بتوظيف التفكير الروائى الذى يرفض الجاهز كتقليد، سواء أكان مذهبا متداولا أو صيغة لم تعد تمتلك فاعلية حضورها من ثم يؤثر الروائى «صنع الله إبراهيم» تركيب شكله الإبداعى وتطعيمه، علما بأن ضبط مفهوم للكتابة الروائية غير متوافر، والرواية يتعامل معها كرواية فى الحالة التى يحدد فيها مبدعها التجنيس المضبوط فى «رواية»:
« كنت قد بدأت حركتى من موقع التمرد على ما كان يعرف فى ذلك الحين بالواقعية الاشتراكية فقد شعرت وكثيرون غيرى أنها تزيف الواقع وتزوقه. وقدرت أنها هذا الخداع لا يساعد الإنسان بل يضلله.» (10)
بيد أن التأثير الذى يعتبر مرجعية أدبية، يكمن فى كتابات «همنجواي» الروائية، سواء كإبداع، أو ككتابة نظرية نقدية عن الابداع. ويحق حال المقارنة بين منجز «همنجواى « و» صنع الله إبراهيم» صيغة، الوقوف على ما أدعوه ب «المشترك البلاغي» المتجسد لغويا فى التكثيف والومضة الروائية الموحية والدالة:
« ووقع فى يدى كتابان عن همنجواى لهما بالغ الأثر فى مسيرتي: الأول للناقد الأميركى كارلوس بيكر والثاني
للناقد السوفيتى كاشين أو كاشكين إن لم تخنى الذاكرة.» ( 11 )
3
إن الوارد فى الشهادة الروائية، إجابة دقيقة عن سؤالين سبق للروائى « صنع الله إبراهيم» طرحهما: «ماذا أكتب؟ وكيف أكتب؟ « (12) وهو ما يطابق الكلمة/البيان المعبرة عن جيل الستينيات، والموقعة من طرف كتاب وأدباء يمتلكون التصور ذاته والقناعة ذاتها، وأشير إلى «عبد الحكيم قاسم»، «رءوف مسعد»،» كمال القلش» إذ نجد ضمن الوارد فى هذا البيان الدفاع عن خصوصية الكتابة الجديدة كما جسدتها «تلك الرائحة» (1966) إلى التجارب الإبداعية التى أصدرها كل من «رءوف مسعد» (بيضة النعامة/ 1993 ) و»عبد الحكيم قاسم» (أيام الإنسان السبعة/ 1969 ) كأمثلة ونماذج مناهضة لصيغ التقليد الإبداعى التى خلقت فضاءات تداولها.
« « إذا لم تعجبك هذه الرواية التى بين يديك، فالذنب ليس ذنبنا، وإنما العيب فى الجو الثقافى والفنى الذى نعيش فيه، والذى سادته طوال الأعوام الماضية الأعمال التقليدية والأشياء الساذجة السطحية ومن أجل كسر المناخ الفنى السائد الذى تجمد، نصمم على هذا النوع من الكتابة الصادقة المؤلمة أحيانا.» ( 13)
ويعدد الدكتور «جابر عصفور» الخاصات اللغوية والبلاغية التى ميزت الكتابة الجديدة، وهو ما أشير إلى جانب منه ضمن ما دعوته ب «المشترك البلاغي» فى سياق المقارنة بين «صنع الله» و «همنجواي»:
« وكان من الطبيعي، والأمر كذلك، أن يتجمع جيل الستينيات فى مجموعات متقاربة، القاسم المشترك بينها السعى إلى الاقتصاد فى الآداء اللغوي، والتعبير المشكوم المضاد للطرطشة العاطفية والانفعالية، والوصف المحايد يقرن بين تقنية كتابة همنجواى المعروفة بتقنية «جبل الثلج» العائم، وتقنيات الرواية الجديدة التى تنقض العاطفية بتشييء المدركات.» (14)
وبذلك فالمعبر عنه فى الكلمة / البيان كما أدرجه الدكتور «جابر»، يطابق تمام المطابقة المتضمن فى الشهادة الروائية، وهو ما يعكس:
أ / وعى الرغبة فى تجديد أساليب الكتابة الروائية.
ب / رفض المتداول من صيغ التقليد.
ت / التأثر بالتجارب الإبداعية العالمية.
ث / الرهان على خلق المتلقى الجديد.
4
على أن ما يطبع كل جديد تباين فى المواقف واختلافها، وهو ما دعاه الدكتور «جابر» ب «التشجيع و»النفور».
ويحق إيراد أمثلة مستقاة من كتاب « المقاومة بالكتابة»:
1/ الموقف المساند: ودلت عليه مقدمة القاص والروائى «يوسف إدريس».
2/ الموقف الرافض: وعكسه رأى الأديب «يحى حقي».
3/ الموقف المتذبذب: وعبر عنه الناقد «محمود أمين العام».
ف»يوسف إدريس» من خلال مقدمته المعتمدة للطبعة الأولى من «تلك الرائحة» (1966)، علما بأن الطبعة الكاملة صدرت فى ثلاث عواصم عربية (1986): (القاهرة/الخرطوم/ الدار البيضاء)، اعتبر المنجز «ثورة» فى الكتابة والإبداع والموقف على السواء:
« إن «تلك الرائحة» ليست مجرد قصة، ولكنها ثورة، وأولها ثورة فنان على نفسه، وهى ليست نهاية، ولكنها بداية لموهبة أصيلة، بداية فيها كل ميزات البداية ولكنها تكاد تخلو من عيوب البدايات لأنها أيضا موهبة ناضجة.»
بيد أن الموقف الموازى لرأى «يوسف إدريس»، عكسه رأى الكاتب «صلاح مرسي» الذى لامس الخاصات التى تفردت بها «تلك الرائحة» صيغة ومادة:
« فى سطور قليلة يحكى «صنع الله إبراهيم» روايته. بلا تزويق ولا تنميق ولا حتى محاولة بسيطة لفرض أبسط قواعد الجمال الفنى المصطلح عليه، فهو يريد أن يقول شيئا، فقاله فى أبسط الكلمات وأحدها وأشدها قسوة إن استطاع. ليس المجال الفنى عند هذا الكاتب المر كالعلقم سوى الحقيقة كما يراها وكما يجب أن يريها لك.» ( ١٦)
وجاء موقف «يحى حقي» الرافض ليكشف بأن المنجز المتمثل فى رواية «تلك الرائحة»، يدل عن سوء تلق للتجديدات المعاصرة فى الفن والكتابة، وكأن المكتوب كإبداع يباين المقروء كأثر ومرجعية:
« هى مثل مخيف لسوء معنى المعاصرة فى الفن ومعنى التجديد» (١٧ )
واتضح تذبذب موقف «محمود أمين العالم» فى كونه من ناحية يساند جدة الصيغة والتعبير، لولا أنه يرفض المحتوى أو المعنى الذى تنتجه هذه الصيغة:
«.. إن بها محاولة جديدة فى التعبير، وإن غلبت عليها بعض الصور الجنسية المكشوفة.» (١٨)
على أن ما يحق تثبيته _ وبكل موضوعية_ إعادة النظر النقدى التى رسخها «محمود أمين العالم» فى كتابه «ثلاثية الرفض والهزيمة»، والذى يعد أول كتاب يصدر عن تجربة «صنع الله إبراهيم» الروائية (1985) _كما سلف_ حيث نجده يدرس الروايات («تلك الرائحة»، «نجمة أغسطس» و»اللجنة»)، دراسة حديثة دلت على نقلة فى كتاباته النقدية وتحول فى الرأى والموقف، إذ يقول عن «تلك الرائحة»:
«.. ورواية «تلك الرائحة» قد استطاعت ببنيتها الصياغية المتنامية الموحدة المتسقة أن تبرز بحق دلالتها الموحدة كذلك بشكل مؤثر فعال.» (١٩)
ويربط فى ختام الكتاب بين «تلك الرائحة»، «نجمة أغسطس» و»اللجنة» فى نوع من المقارنة وحرص أكيد على البداية والامتداد، النواة والتفريع، وهو ما أكد عليه القاص والروائى «يوسف إدريس» الذى اعتبر بأن ل «تلك الرائحة» امتداداتها كبداية (يا ترى لو طال به العمر ماذا كان سيقول عن رواية «67»). يرى «العالم»:
«.. إن رواية «اللجنة» بما بينها وبين الروايتين الأخريين من اختلافات ومشابهات، سواء من الناحية البنيوية التكوينية أو الدلالية، هى امتداد عضوى لهاتين الروايتين مما يجعل هذه الروايات الثلاث _ كما أشرت فى المقدمة _ رواية واحدة ذات أجزاء ثلاثة إن «اللجنة» لم تخرج فحسب من أحشاء «تلك الرائحة» و «نجمة أغسطس»، بل هى تتويج لهما من الناحية البنيوية والدلالية، مما يستكمل بها ثلاثية روائية ذات معمارية مستقلة ومتطورة معا.» ( ٢٠)
والواقع أن تشكيل تصور نقدى عن روائى ما، يستلزم الإلمام بحصيلة تجاربه فى الكتابة والإبداع، من منطلق كون وجوده الحياتى علامة على الإنتاج والمزيد من العطاء، الشيء الذى يجعل استصدار رأى عن تجربة مفردة ينطبع بالنسبية (أو ينبغى أن يكون)، وإلا فما القول بخصوص التجربة الروائية ل «الطيب صالح» التى اختزلت فى روايته «موسم الهجرة إلى الشمال» دون إيلاء الأهمية لبقية نتاجاته المتميزة صيغة ومادة. وبذلك، فإن حكما نقديا موضوعيا عن تجربة الروائى «صنع الله إبراهيم»، لا يجدر أن يتأسس بالغفل عن ثلاثية ( «67» ، «برلين 69» و «1970»)، والتى حالت ظروف الرقابة دون صدور بعضها فى الوقت المحدد وأشير بالتحديد إلى رواية «67» ( الطبعة الأولى/ 2015) وكتبت في(1968)، من حيث كونها الرواية الثانية بعد «تلك الرائحة» (1966).
داروين طنطا: الشخصية بوصفها وعاء الأفكار
كتابى .. شاعر أسود فى مدينة بيضاء
الرجل الذى لا يُقطع لسانه .. رؤية اجتماعية انتقادية وتشكيل جمالى






