فى عام 2003 رفض صنع الله إبراهيم جائزة ملتقى القاهرة للإبداع الروائى العربى كان ذلك موقفا غريبا على الأوساط الثقافية العربية حينها، ولا زال مثار جدل واسع حتى اليوم.
فى نفس العام أتممت ثمانى سنوات، ولم أكن أعرف صنع الله إبراهيم بعد، فلم تتجاوز قراءاتى مجلات الأطفال، والقصص المصورة، وبعض الروايات الموجهة للفتيان.
لكننى كنت مدمنا على مشاهدة التلفاز وأعرف كل من يظهرون على الشاشة. داومت فى النهارات على مشاهدة قنوات الأطفال، وفى المساءات كنا نربض أمام قنوات الأخبار بعد عودة أبى من العمل. أكل الغزو الأمريكى للعراق كثيرا من ليالينا، بينما أكلت الانتفاضة الفلسطينية الثانية، بصور أطفالها القتلى، كل أفكارنا.
منطلقا من ذلك الهم المبثوث فى حياتنا اليومية، رفض صنع الله إبراهيم الجائزة، باعتباره موقفا متسقا مع قناعاته ومعارضته المستمرة. قال فى بيانه الذى وزعه على الحاضرين وقتذاك: «فى هذه اللحظة التى نجتمع فيها هنا تجتاح القوات الإسرائيلية ما تبقى من الأراضى الفلسطينية وتقتل النساء الحوامل والأطفال وتشرد الآلاف وتنفذ بدقة منهجية واضحة إبادة الشعب الفلسطينى وتهجيره من أرضه، لكن العواصم العربية تستقبل زعماء إسرائيل بالأحضان، وعلى بعد خطوات من هنا يقيم السفير الإسرائيلى فى طمأنينة، وعلى بعد خطوات أخرى يحتل السفير الأميركى حيا بأكمله بينما ينتشر جنوده فى كل ركن من أركان الوطن الذى كان عربيا».
اليوم، ونحن نستعيد الموقف الأيقونى لصنع الله إبراهيم، تمارس آلة الحرب الإسرائيلية إبادة عرقية كاملة الأركان على مليونى فلسطيني، فى وضع يتجاوز أضعاف أضعافًا اللحظة التى قدم فيها صنع الله اعتراضه. ومع ذلك فالجوائز العربية تعيش أزهى عصور انتشارها ووفرتها، ففى كل بلد عدة جوائز، وبمقابل دولارى يغرى أى كاتب، وربما يعميه عما سواه.
حالة السيولة تلك مربكة، خاصة مع حالة العوز التى تعيق كثيرا من الكتاب عن إنجاز مشروعاتهم الكبيرة، فتصير الجوائز متنفسا ماديا لهم، إضافة إلى الاعتراف والتحقق اللذين يتحققان مع الجائزة بالتبعية. لكن تظل هناك حالة انفصال ملحوظة بين الجوائز وبين الواقع العربى المٌعيش، بينما تتحطم حيوات كثير من كتاب وشعراء فلسطينيين -ولا أريد استخدام كلمة غزيين- تٌبث الحفلات الأدبية الفارهة عبر شاشات التلفاز ذاتها التى تنقل أخبار الإبادة لحظة بلحظة.
يدفعنا ذلك الانفصام إلى التساؤل عن المنتج الذى نقدمه جميعا - كمجتمع ثقافى عربى- حول ماهيته وجودته وقدرة اشتباكه مع واقعنا المأزوم والمهزوم! بل ويبرز فى الأفق أيضا الصراع الحثيث - والتهافت أحيانا - بين الكتاب حول الجوائز. هل تمنحنا الجوائز حرية مادية وفكرية فعلا! أم أنها تصير فى لحظة ما قيدا فى أيادينا، يمنعنا أن نتبنى آراءنا السياسية الحقيقية، والقدرة على الانتقاد بلا خوف. ربما لأجل ذلك يجدر بنا يوميا استعادة قدرة صنع الله إبراهيم على التخلي، والتحليق خارج السرب، محققا بذلك اتساقا مثاليا بين مشواره الممتد، والمليء بالتضحية والاشتباك الدائم مع واقعه الاجتماعى والسياسى، منذ «إنسان السد العالى»، والذى صدر فى النصف الثانى من الستينيات، وحتى رواية «1970». مسيرة طويلة ودرس حى متواصل، عبر نصف قرن تقريبا، فى كيف أن يكون الكاتب «موقفا» قبل كل شيء.
داروين طنطا: الشخصية بوصفها وعاء الأفكار
كتابى .. شاعر أسود فى مدينة بيضاء
الرجل الذى لا يُقطع لسانه .. رؤية اجتماعية انتقادية وتشكيل جمالى






