عرفت تانيس خدعة قديمة ساعدتها مراراً على النجاة: اقتفاء أثر الصعاليك.
هم كانوا يجمعون الكلأ فى جرار صلصال، والماء العذب فى قِرب من جلد الماعز أو الغزلان، يعلّمونها بعلامات لا يعرفها سواهم. وبما أنّ تانيس كانت صعلوكة بطريقة ما، فقد وصلت إلى تلك العلامات وعثرت على قِرب الماء وجرار البذور والجذور والتين الجافّ والتمر.
ساعدها هذا، لكنّه لم يكن كافياً. توجّب عليها أن تعثر على موارد إضافيّة.
بسبب ترحالها مع حفيدتها، أثاليا، تعذّر عليها أن تزرع، لذا آثرت تدجين الماعز البرّى والبقر الوحشى وبعض النعام، ما صار لاحقاً قطيعاً صغيراً تُقايض بلبنه ولحومه وريشه فى أطراف البوادى على أمور أخرى تحتاج إليها.
كما عادت الحروب المتزايدة عليها بكسب لم تتوقّعه، إذ ارتفع الطلب على الضمادات صنعت الجدّة وحفيدتها الكثير منها امتصّت دماء الجرحى وأوقفت النزف وربطت العظام المشروخة مبقّعة بدماء المتحاربين، أنقذت أنسجة تانيس وأثاليا حيوات كثيرة.
«حين يُشفون قد يقتلوننا»، قالت تانيس مرّة.
لم تعلّق أثاليا تابعت النسج هذا مصير كلّ حى على هذه الأرض مصيرٌ ظالمٌ لا يروق لها لكنّها لا تشتكى لا تريد أن تُعطى دروساً لأحد، يكفى أنّها تعلّمت درسها.
تنقّلتا هرباً من بطش الطغاة.
لم تعرف تانيس أنّ الآخرين هربوا منها أيضاً كثيرون خافوا من أن تكون «الهولة»، قرينة التائه فى الصحراء، ذاك المخلوق المشعوذ المفترس والذى يعتمد فى سحره على السراب نفسه، إذ يظهر لمن يراه على شكل أقربِ امرأة إليه: أمّه أو ابنته أو جدّته... خوف الآخرين منها وابتعادهم عن طريقها ساعدها، كذلك خبرتها الطويلة فى النجاة والصعلكة والعثور على ما يسدّ الرمق واسترضاء الضوارى واستئناس ذوات الحوافر البرّية.
إن شوهدت فى تلك السهوب والفيافى امرأة صموتة تهتدى بعصا توجّه بها قطيع مواشٍ برّية، وتتعلّق بأذيال ثوبها المغبّر صبيّة لها جدائل متراخية لشدّة نعومتها، فهذا يعنى حلول السراب، لأنّ هذا المشهد يأتى من عهود أبعد من الزمن المقدّر.
تابعت تانيس الفرار من بطش الكاهن الجديد، وكلّ كاهن حلّ مكانه، حتّى تغيّر اسمه وصار ملكاً أو سلطاناً أو قيصراً أو امبراطوراً.
لم تكن تلك الأسماء سوى لعبة لإيقاع الرعب فى الأسماع، وتانيس امتلكت أن تسمع ما تريد أن تسمعه وتصمّ عمّا تأنف سماعه وقد علّمت حفيدتها أثاليا هذه الصنعة، كما علّمتها رعاية الماشية الوحشيّة وترويضها وغزل صوفها وحياكته واستئناس الضوارى الصغيرة الحجم.
بكلّ سهولة وصلها أنّ ليلان دُفنت فى الوادي.
كان ذلك فخّاً لم تقع فيه. لم تذهب رغم أنّ أثاليا توسّلت أن تأخذها.
بدل الذهاب والوقوع فى الكمين، حكت تانيس لحفيدتها كلّ شيء عن القصر والوادى والصدع، حتّى شعرت الصغيرة بأنّها عاشت هناك مع جدّتها وأمّها.
آلم أثاليا أن تكون بلاد الصدع كلّها لها عدا القصر لكنّ قلبها أخبرها أنّها ستزوره ذات يوم وتصلّى لراحة نفس أمّها.
استسلمت للانتظار، وراحت تثمّن كلّ يوم تعيشه وكلّ مِصر تنزل فيه، رغم صعوبة الطرق التى شقّتها تانيس هل تعمّدت جدّتها التنقّل من شرق الصدع إلى غربه ثمّ نحو جنوبه، ومن جنوبه إلى شماله، وكأنّها تتبع خطى العناكب فى حبك بيوتها؟
راقت تلك الطرق لآثاليا، حتّى أنّها لم تُذعر حين اهتزّت الأرض بها وبجدّتها ذات يوم، وزُلزلت تحت أقدامهما لقد أفهمتها تانيس أنّ الصدع نفسه هو زلزال، وأنّ الزلزال قد يحدث فى أى لحظة كانت مستعدّة له، بل إنّها استمتعت به.
حين هدأ الزلزال، وسكنت الغزلان والثعالب، شعرت أثاليا بأنّها عاشت للتوّ لحظة شبيهة بولادة الصدع لا يُعرف متى كانت تلك الولادة، ولكنّها كانت مباغتة ومجنونة من دون شكّ.
فى الليل، تروح أثاليا تتأمّل قبّة السماء، وتلاحق وميض النجوم، وتترقّب مرور الشهب تتدثّر جيّداً بأوبار الوعول التى حاكتها، وتستمع إلى جدّتها تحكى حكاية الصدع مرّة بعد مرّة.
«قبل زمن لا يُحصى، انشقّت السماء، ووجّهت مديةً عظيمة طعنت الأرض هنا، فتصدّع مكان الطعنة ولا يزال أم لعلّه الرعد؟ رعدة جبّارة شقّت القشرة الأرضيّة، وتركت ما يبدو للسماء كندبة طوليّة جميلة، كشقٍّ أسفلَ سرّةِ الكرة الأرضيّة.
ثمّ أتى البرد. برد قارص جلب الجليد لدهور.
ومع انحسار أحد العهود الجليديّة، ذابت الثلوج وتدفّق السيل بكلّ كرمِ أجواف الأرض الفاغرة، وصار نهراً عظيماً نبت الوادى حوله وراح يتمدّد فوق السفوح المتصدّعة.
صحيح أنّ القحط حلّ وجفّف النهر ومحا ضفافه، لكنّ أثر جريانه بقى، كأثر العمر والغيب فى كفّ اليد تزايدت تجاعيدُ أثرِ النهر، لشدّة ما عبرته الكائنات الباحثة عنه من دون جدوى تابعت سيرها حتّى فقدت الأمل فى عودة النهر.
بقى الوادى جافّاً وعطِشاً. لكنّه لم يكن دائماً هناك بالتحديد يؤمن مُريدوه من جامعى أعشابه ورُعاة ماشيته وغازلى كتّانه وقطنه وأصوافه وحائكيها أنّه قطع رحلة صعبة ليستقرّ حيث هو الآن.
دهراً بعد آخر، وزلزالاً إثر آخر، وبعد انحسار الطوفان الكبير، تحرّك الوادى مع القارّات المتبدّلة، وزحف من شمال شرق حوض البحر الذى كان يسمّى «الأخضر الكبير»- بسبب برّه المكتظّ بالأشجار الخضراء من زيتون وتوت وصنوبر– ووصل إلى خاصرته الغربيّة هذه حيث استطاب المكوث قيل إنّ مقام النبى الذى لفظه البحر- ويعتبر نقطة حدوديّة فى خريطة الوادى- كان فى الشمال أوّلاً ثمّ هبط جنوباً.
لا تنتهى حكاية الصدع، لكنّ أثاليا تستسلم للنوم أخيراً وتكمل تانيس حكايتها للكون المنصت كطفل وديع.
ذات مساء حارّ، عقصت تانيس شعر حفيدتها الطويل المتماوج بين حمرة قلوب الأصداف وشُقرة الرمال أشعلت مصابيح الشحم تحت الخيمة التى حاكتاها من شعر الماعز والجواميس وجلودها، وقالت: «أثاليا! سأذهب لأغتسل فى النهر. اتركى المغزل وأريحى نظرك! كلّ الحائكات ينتهين عمياوات».
ردّت من دون أن ترفع رأسها: «قلتِ إنّ راوى قصّة الملكة التى تحوك فى انتظار زوجها أعمى. الرواة عميان».
«نعم وقلت إن الحكّائين بدأوا حائكين».
«لا تخافى على نظرى، أنا مثلك ومثل بنات آوى، لا يضايقنى الظلام».
«إن تأخّرتُ نامى. الجوّ حارّ وقد يطيب لى البقاء فى الماء».
«لو لم أكن حائضاً لرافقتك».
«لا بأس. هانت. سيولد القمر الليلة».
نظرتا معاً إلى حيث يشرق القمر عادة افتقدتاه كما تفتقده ماشيتهما التى باتت تعرف أنّ أطيب أوقات الرعى هى الليالى المقمرة التى ترحمها من غضب الشمس.
رفعت تانيس قبّة ثوبها عن كتفيها وغطّت شعرها الذى خضّبه شيب بلون الرمال قبل أن تخرج من الخيمة، قالت لها أثاليا وهى تتابع الغزل: «سلّمى عليها!»
جفلت تانيس، ولكنّها لم تُظهر هذا لحفيدتها ولم تسألها عمّن تقصد، بل اعتبرت أنّها تقصد المياه، فلمّت حواشى ثوبها المرقّشة بما لا ينتهى من نقوش وخرجت من الخيمة.
غادرت تانيس، ابنة الإلهة تانيت ومثالُها على الأرض.
لم ترها أثاليا بعد تلك الليلة.
لم تبحث عنها كثيراً، توصّلت إلى أنّها حيّة فى مكان ما، ولن تموت إلّا حين تقرّر روحُها أن ترتاح.
تترك قطيعها يقودها إن كان لأحد أن يهتدى إلى أثر حواشى تانيس فهى ذوات الخطم الجميل هذه.
لكنّ أثر تانيس ما عُثِر عليه يوماً أعتى العتاة وأقوى المتفرّسين لم يقتفوه.
حواشى أرديَتها كانت تمحو الأثر وتزرع مكانه نبتات هندباء وخردل وبيوت عناكب.
الخرافات ستلاحق تانيس، وستقول إنها تحوّلت إلى حصاة فى قاع النهر، الذى ربّما جرفها مع الطمى إلى بيادر الكتّان والقطن والليف والقنّب والقرّاص، أو لعلّها انتهت فى البحر ولم يرسل الربّ أمره ليقذفها على شاطئ أو يتقيّأها حوت حتّى الآن.
الهوى هوانٌ
ممر أخير
قبل المونتاج





