ممدوح فرّاج النابى
العشق هو عمى الحس
عن إدراك عيوب المحبوب»
(أرسطو)
الحبُّ ظاهرة إنسانية وعاطفة لا دخل فيها لإرادة الإنسان، والحبُّ من الموضوعات التى اعتنت بها الآداب الإنسانية جمعاء، ولاقت اهتمامًا كبيرًا فى التراث العربى (والغربي)، فصنّف فيه كتب، ورسائل ترجمت لأشهر العشاق، وأخرى اعتنت بماهية الحب وأحواله، وأعراضه، ومن أشهر الكتب التى اعتنت بموضوع الحبّ، وأخبار العشاق كتاب «الزهرة» لمحمد بن داود الظاهرى، وفيه اعتنى المؤلف بالحب مظاهره، وأحكامه، وأحواله، وتصاريفه، والكتاب جاء فى خمسين بابًا، وهناك كتاب «الموشى» لأبى الطيب الوشاء، والكتاب يدور حول الحبّ العفيف، ونقض لكل ما هو مخالِف له، و«طوق الحمامة» للإمام ابن حزم، وكذلك كتاب «مصارع العشّاق» للسرّاج القارئ، «وروضة المحبين ونزهة المشتاقين» للإمام الجوزى، فى الكتاب الأول اعتنى ابن حزم بمفهوم العشق ومعانيه وعلاماته، وأسبابه وأعراضه، وأحوال العشاق، أما كتاب السرّاج القارئ فقد اعتنى بأخبار العشاق الذين صرعهم العشق، وقدّم ضروبًا مختلفة لهؤلاء العشاق، كالعاشق التقى، والعاشق الشهيد، والعاشق المجنون، وغيرهم. ولا ننسى أن أبا الفرج الأصفهانى قدّم فى مصنفه «الأغانى» أخبار الكثير مِن العشاق كجميل بثينة، وكثيّر عزة وقيس بن الملوح، وعمر بن أبى ربيعة وعروة وعفراء، وقصة عشق امرئ القيس لفاطم وغيرهم.
ومثلما اعتنى المؤلفون بالحب، اعتنوا أيضًا بشطره الثانى (الفراق) وفقًا لنظرية الأنصاف المشطورة، فالفراق عندهم سابق على الحب، فالافتراق أو الانفصال والقطيعة والهجر؛ أى نهاية الحب لا يمكن فهم الحب من دونها، فسقراط مثلاً يضع صيغة للشكل المثالى للفراق هكذا:» أنا لست بشىء / ستكون أسعد مع شخص آخر» .
مكابدات العشق
مِن العشاق الذين أهملهم المؤرخون وأصحاب التراجم، الشاعر نويب، فقصة حبّه لسعدى واحدة من قصص العشق، التى جرّت على صاحبها المحنّ والهوان، كما إنها تكسر القاعدة التى تقول: «إن العشق لا يقع إلا بين متجانسيْن» ، فالاختلاف واضح بين نويب ومعشوقته، ومع هذا فما ورد عن سيرته ضئيل، لدرجة أنه يكاد يكون مجهولاً بين الشعراء، لكن قصة حبه لسُعدى، وما أبدته من صدود هى التى ارتبطت به وشاعت عند القلة ممن ترجموا له. وردت ترجمته فى الأغانى للأصفهانى فى الجزء (23)، وهى لا تتجاوز كلمات معدودة، فلم يجد ما يكتبه عنه، إلا ما ورد عنه من أشعار.
فى الأغانى عُرف بـ «تويت» بالتاء، فى حين عند الزركلى فى «الأعلام» ، وكذلك عند عمر فروخ فى تاريخ الأدب العربي: الأعصر العباسيَّة. جاء بالنون «نُويب» لكن اتفق الجميع على اسم محبوبته بأنها سُعدى بنت أزهر اليماميّة، وأيًّا كان نُويب أو تويب فهو عندهم جميعًا «عبد الملك بن عبد العزيز السلولي» ، ولد فى بادية اليمامة، لكن تاريخ ميلاده مجهول، وإن أجمعوا على أنه توفى فى خلافة هارون الرشيد فى القرن الثانى الهجرى.
يترجم له صاحب الأغانى هكذا: «تويب أحد الشعراء اليماميين من طبقة يحيى بن طالب وبنى أى حفصة، وذويهم، ولم يفد إلى خليفة، ولا وجدت له مديحًا فى الأكابر والرؤساء، فأخمل ذكره، وكان شاعر فصيحًا، نشأ باليمامة وتوفى بها» (الأصفهانى، الأغانى، ج 23، ص 169)
فسّر الأصفهانى إهمال أخباره، لأنه لم يمدح الأكابر ولم يتقرّب للخلفاء والأمراء، وكأن هذا عقاب له، رغم ما اتفق عليه من فصاحته. وهذا الإهمال المقصود يفسّر علاقة الشعراء بالأمراء، فالقرب يُعلى الذكر، لما ينالونه من عطايا وهبات، مقابل مدائحهم أو قصائد الهجاء والذم، وأبو الطيب المتنبى خير مثال على ذلك قربه من الأمراء ومدائحه فيهم، جعلته ذائع الصيت، فصار «شاعر الأمير» بسبب التصاقه بسيف الدولة الحمدانى. أمّا نويب فكان عفيفًا، لم يقرب الأمراء ولم يتكسب من شعره فى مدحهم وهجاء أعدائهم، وعفته هذه سوف تظهر فى قصة حبّه الأحادية، فهو أحبّ، ولكن من طرف واحد، حبه كامن فى صدره كمون النار فى الحجر، اكتوى بنار الحب، ولم يجد سبيلاً إلا أن يقول فيها شعرًا، فكما يقول عمر بن أبى ربيعة «إن القلب إذا هوى نطق اللسان بما يهوى» .
العاشق المكروب
فى الأعلام للزركلى، يترجم له هكذا: «عبد الملك بن عبد العزيز السلولى، المعروف بنويب: من الشعراء الفصحاء الذين لم يفدوا على الخلفاء ولا مدحوا الأمراء والرؤساء. نشأ فى اليمامة، وأحب فتاة اسمها سعدى بنت أزهر، كان يتغزل بها، وله معها أخبار» (الأعلام، ج 4، ص 160)
وقصة حبه لسُعدى من الغرائب لما حدث بينهما من شجار وصل إلى ضربه.
قال عبد الله بن سبيب: «كان تويب يهوى امرأة من أهل اليمامة، يقال لها: سُعْدَى بنت أزهر، وكان يقول فيها الشعر، فبلغها شعره من وراء وراء، ولم تره، فمرّ بها يومًا، وهى مع أتراب لها، فقلن: هذا صاحبك، وكان دميمًا، فقامت إليه وقمن معها، فضربنه، وخرّقن ثيابه، فاستعدى عليهن فلم يُعدِه الوالى، فأنشأ يقول:
إن الغوانى جرحن فى جسدى
من بعد ما قد فرغن فى كــــبدى
وقد شققن الــــــــــرداء ثمت لم
بعد عليهن صاحب البـــــــــلد
لم يعدنى الأحول المشوم وقد
أبصر ما قد صنعن فى جسدى
ما جريرة نُويب التى استوجبت هذا العقاب القاسى من محبوبته وأترابها «ضربنه وخرقن ثيابه» ؟ فى الحقيقة لم يرتكب جريرة سوى أنه داهمه الحب دون انتظار، هل كان اختياره خاطئًا؟ لا، فالقلوب كما يقول ابن حزم: «بيد الله»، الغريب أن الخبر يشير إلى أنها لم تكن تعلم، فلم تره مطلقًا، إذن هو حب أحادى، من طرف واحد، لم يلتقيا، أو يتودد إليها، لم تعرفه إلا بعد أن أشارت إليه صديقاتها، وهذا دليل على عفته، حبّه مُعقّلن دون اندفاع، فالطرف الثانى لا يعرف عنه شيئًا، ولا نقول إنه غير مهتم بهذا الحب، لكن كيف ذاع هذا الحب المكتوم؟ هل أرسل رسله للفتيات، وأعترض طرقاتهن على نحو ما كان يفعل عمر بن أبى ربيعة الذى كان يستوقف النساء وينشد فيهن شعرًا، على نحو ما استوقف ليلى بنت الحارث بن عوف، وشاع عنه أنه كان يذهب إلى موسم الحج يتصيّد لكل فتاة جميلة بمكة، وينزل فى المدينة يتعرض بلسانه لربات الحجال القرشيّات (شوقى ضيف، تاريخ الأدب العربى، ج 2، ص 350)، وهو ما كان يتباهى به شعرًا حسب قوله:
يقصد الناس للطواف احتسابًا
وذنوبى مجموعة فى الطواف
ومن شدة تعرضه للنساء لامته سُعدى بنت عبد الرحمن بن عوف؛ لما رأته فى الطواف، فأرسلت فى طلبه، وقالت له تنهره عن فعله «ويحك يا بن أبى ربيعة ما تزال سادرًا فى حرم الله منهكًا، تتناول بلسانك ربات الحجال من قريش، وعندما أنشدها من شعره فيها الذى أوله: أحن إذا رأيت جمال سعدى ... فقالت له: آمرك بتقوى الله، وترك ما أنت فيه» (الأغانى، ج 17، ص 157)، أو حتى لم يجرؤ على التلصص عليها كما كان يفعل امرؤ القيس مع ابنة عمه التى اقتحم من أجلها الأهوال والأحراس للوصول إليه حتى انتحى بها؟ (شوقى ضيف، تاريخ الأدب العربى، ج 1، ص 249). لا، رسوله كان شعره الذى وصلها وأبان العاشق، لكن غير معلوم أنه كان يُرسل لها شعره، وهنا السؤال: لماذا لم يُرسله إليها أو يتقرب إليها، وكان يكتفى بتتبع أخبارها، وينتظرها فى الطرقات ،التى تمر بها فى مجيئها وذهابها؟ السفير كما يقول ابن حزم، يقع فى الحب بعد حلول الثقة، وحدوث الاستئناس» (ابن حزم، طوق الحمامة، ص 91). وهنا لم تتحقق الثقة، ومن ثم، فالرسول غير مجدٍ، أضف إلى ذلك عفته التى حالت دون أن يتعرض لها.
إذن ما مشكلته التى جعلته عازفًا عن القرب، ومدّ أواصر المحبّة بينه وبين محبوبته؟ لماذا لم يطلب، ويأمل ويتضرع، ويرجو العطف والحنان كعادة العشاق؟ هل لأنه كان دميمًا، لم يرق لها؟ ربما، ولكن الحقيقة هذا مستبعد، فالنفور كان لعدم الامتزاج الروحانى والنفسانى، هنا المحبة غير متكافئة، أحدهما عاشق، والآخر لا يعلَم شيئًا عن هذا المحبّ الولِِه، وعندما يحدث اللقاء الأول بينهما تحدث الفاجعة لها وله، بالنسبة لها، رأت حقيقته التى لم يُبن عنها شعره، كان دميمًا، صفة تُنفِّر المرأة من الرجل، أما إذا حدث العكس، فالرجل إذا عشق، لا ينظر إلى الشكل الخارجى، فلم تكن علّة الحب الصُّورة الجسديّة، فكثيرون يفضّلون مَن هم أدنى كما يقول ابن حزم، فقوام الحبّ هو خلق عالم مشترك بين ذاتين لا دخل فيها للشكل الخارجى، وإنما هى أرواح متعانقة. وقصة مجنون ليلى تؤكّد ذلك، فالمعروف أن ليلى العامرية التى تشبّب بها قيس بن الملوح لم تكن جميلة، لدرجة أن الخليفة العباسى هارون الرشيد عندما سمع أن شاعرًا بدويًّا يُدعى قيس قد هام فى حبّ ليلى وجنّ من أجلها، وأطلق عليه «المجنون» ، أصبح الخليفة مُتلهفًا للتعرّف على المرأة، التى أوصلته إلى هذه الدرجة من التعاسة، ودار فى خلده ما دام الأمر وصل بالعاشق إلى الجنون، فلا بدّ أن ليلى مخلوقة خاصّة جدًّا، قال لنفسه، امرأة تفوق النساء الأخريات جميعهن. ربما كانت ساحرة لا توازيها امرأة فى جمالها وفتنتها، ومارس كل الحيل المذكورة فى الكتب ليرى ليلى بعينه هو، وذات ليلة أحضروا ليلى الى قصر الخليفة، وعندما نزعت حجابها ورأى وجهها، شعر بخيبة شديدة. فلم تكن ليلى عاجزة او عجوزا أو قبيحة، لكنها لم تكن فى الوقت نفسه على تلك الدرجة من الجاذبية والفتنة، بل مجرد امرأة عادية لها عيوبها امرأة بسيطة، مثل النساء الأخريات التى لا يعددن ولا يحصين. لم يُخفِ الخليفة شعوره بالإحباط وسألها: هل أنتِ هى المرأة التى هام بها المجنون؟ إنى أتساءل: ما الذى يجعلك يهيم فيها المجنون، فى حين أنك مجرد امرأة عادية؟ فافترّت شفتا ليلى عن ابتسامة، وقالت: «نعم أنا ليلى، لكنك لست المجنون يجب أن ترانى يعينيّ المجنون» .
ما لم أفهمه، لماذا اعترضته هى وأترابها؟! المعروف أن الرجلَ هو الذى يعترض المرأة، وتكاد تكون هى السابقة الأولى فى حكايات العشاق، المحبوبة تختبئ ويطاردها العاشق، الحياء يمنعها أن تظهر أو تواجه المحبوب، وكذلك الأعراف الاجتماعيّة، لكن هنا يبدو الوضع مقلوبًا، فهى التى بادرت باعتراضه، والسؤال: هل رأت ضعفًا فيه أم كانت مستقوية بجمالها؟ الضعف الذى رأته فيه هو دمامته. هل هذا سبب كاف لرفضه؟ الخبر يكشف عن طبيعة المرأة العربية، أنها لا تخرج بمفردها، وإنما مع أترابها، وهى ثقافة شائعة فى البيئة العربية، وكأن المرأة تحتمى بقريناتها من المتربصين والعشاق، والأمثلة كثيرة، امرؤ القيس، وعمر بن أبى ربيعة لم ينفردا بمحبوباتهما إلا بالحيلة، ووصلت إلى اقتحام الخلوة والخيمة، وهو ما لم يفعله نويب لأنه كان عفيفًا، فالرجل لم يعترض طريق سعدى، كان محبًا وكاتمًا فى نفسه، اكتفى باسترقاق النظر إليها، ومن شعره ذاع سره، لكن طريقة تعدى سُعدى عليه وأترابها، كأنها أرادت أن تقطع الطريق عليه بألا يوهم نفسه بأكثر من هذا، وبالأحرى أن تردعه كى لا يمنّى نفسه بأكثر من هذا. الغريب فى الأمر أن بعد الاعتداء عليه وتقطيع ملابسه، حدث التحوّل لا من جانبه هو، بل من جانبها هى، فالضرب كان بغرض التبعيد، وإعلان القطيعة، وحبال الأمل عنده، لكن حدث العكس، رقّت له، صار الإعراض والصدود قَبولاً، دون إفراط، فكما يقول صاحب الخبر: «فلما جرى هذا بينه وبينها عقد له فى قلبها رقة، وكانت تتعرض له إذا مرّ بها، واجتاز يومًا بفنائها فلم تتوارَ عنه، وأرته أنها لم تره، فلما وقف مليًّا سترت وجهها بخمارها» (الأغانى، ج 23، ص 169).
اللافت فى هذه الحكاية، أن الحب لم يكن متبادلًا، هو أحبها، أما هى، فلا، فابن حزم يبرِّر هذا الإعراض بقوله: «إن المحبة ربما لا تتساوى عند المتحابين؛ لأن بعض النفوس، قد تكتنفها أعراض ساترة، وحُجب محيطة، فلا تحسّ بالجزء الذى كان متصلًا بها قبل حلولها فى هذا الجسم، ولو تخلصت لتساويا فى الاتصال والحب، ونفس المحب متخلصة عالمة بمكان ما، كان يشركها فى المجاورة، طالبة له، قاصدة إليه، باحثة عنه، مشتهية لملاقاته، جاذبة له» (ابن حزم، ص: 7). ربما، وربما لأنها لم تجد فيه مثلها الأعلى، فلم يكن على هواها، وهو ما كشفته ردة فعلها، عندما التقته، كانت عنيفة، قاسية، والتغير من ناحيته، جاء لاحقًا، ثم حدث العدول كلية بوجود المثل الأعلى، الذى ارتبطت به، وفضَّلت الرحيل معه. فالمرأة لا ترحل، وتهجر وطنها، ومرتع صباها، إلا إذا وجدت البديل، وهو ما لم يُدركه نويب. فكان الفراق، الذى لم يطقه، فالقربُ هو الذى يحيى الحبَّ، سواء أكان باللقاء، أو الأمل فى اللقاء، لكن الرحيل معناه الفراق، وعدم تحقُّق الرؤية، التى كانت تُغنى المحب عن الوصل والودّ.
العاشق الهجَّاء
تبدّل الحال، ورقّت له، بل صارت تتمنّع فى إباء «لم تتوار عنه» ، وإمعانًا فى الدلال «أرته أنها لم تره» ، وزيادة فى إشعال النار فى داخله «سترت وجهها بخمارها» ، بدأت تمارِسُ عليه الإغواء، وهو ما يؤكّد أن الأمر استطاب لها، وأعجبها شعره فيها، بغض النظر عن دمامته، لم يخبرنا راوى الحكاية عن أسباب سرعة التحول، ولماذا غضت الطرف عن عيبه الذى عايرته به، وستعايره به لاحقًا بالدمامة. الشىء المحقّق أن سعدى استطاب لها أن يذكرها فى شعره، ها هو يكرر اسمها ثانية ويقول بعد رؤيتها، وستر وجهها بالخمار:
ألا أيها الثار الذى ليس نائمًا
على ترةٍ إن مُتّ من حبها غدًا
خذوا بدمى سُعدى فسعدى منيتها
غداة النقا صادت فؤادًا مُقصَّدا
بآيةٍ ما ردت غداة لقيتها
على طرف عينيها الرداء المورّدا
فى هذه المرة تمّ الاكتفاء باللقاء ثمّ الحجب عن الرؤية دون الحديث المباشر، كان ثمة إصرار من وصلها، فالوصل كما يقول ابن حزم «من وجوه العشق، الوصل، هو حظ رفيع، ومرتبة سرية، ودرجة عالية، وسعد طالع، بل هو العيش السني» (ص: 139)، لم يصلها عبر رسول كما يفعل العشاق، وإنما تمادى فى ملاحقتها، وكثر ذكرها فى شعره، وهو ما كانت نتيجته سريعًا، رقّت له، وتحوّل الفتور إلى رضا، فبعد اللقاءات الصّامتة يتحقق اللقاء والكلام، فعندما علم بذهابها إلى الحج، لحق بها، وأخذ بخِطام بعيرها وأنشد قائلًا:
قل للتى بكرتْ تريد رحيلاً
للحجّ إذا وجدت إليه سبيلا
ما تصنعين بحجّةٍ أو عمرةٍ
لا تُقبلان وقد قتلتِ قتيلا
أحيى قتيلك ثم حجّى وانسكى
فيكون حجك طاهرًا مقبولًا
ما إن سمعت إنشاده حتى تحدثت إليه مباشرة، ليس مهمًا طبيعة الكلام، المهم تكلمت، وكان الكلام فيه تجريح، ونهر عن فعله، فقالت آمرة: «أرسل الخِطام، خيبك اللهُ، وقبحك» ، استجاب لها، وليته ما استجاب، لأنه كان آخر لقاء وآخر كلام منها يسمعه، فعلى الفور: «أَرسلَه وسارتْ» ، وبعد هذه الحادثة حدث الانفصال التام، تزوجت من «أبو الجنوب يحيى بن أبى حفصة» فحجبها، وانقطع ما كان بينها وبين تويب، زاده الحجب ولهًا بها، فأنشد قائلاً:
عناءٌ سيق للقلب الطروب
فقد حُجبت معذبة القلوب
أقول وقد عرفت له محلاً
ففاضت عبرة العين السكوب
ألا يا دار سُعدى كلمينا
وما دار سُعدى من مجيب
صار كل شعره بعد ما فارقته لوعة وشجن، فيقول:
أرّق العين من الشوق السهر
وصبا القلب إلى أمِّ عمر
واعترتنى فكرة من حبها
ويح هذا القلب من طُول الفكر
قدر سبق فمن يملكه
أين من يملك أسباب القدر
كل شىء نالنى من حبها
إن نجت نفسى من الموت هدر
ومرة أخرى يقول:
سرقتِ قلبى ثم لا ترجعينه
وبعض الغوانى للقلوب سروق
عصيت بك الناهين حتى لو أننى
أموت لما أرعى عليّ شفيق
ومع إظهار الرجل للوعته على الحجب والفراق المميت، لم ينسَ العذول الذى حال بينه وبين محبوبته، فراح يهجو «أبو الجنوب» ، تحوّل العاشق إلى هجّاء، كيف تحوّل الحبّ الذى كنّه لها إلى نقيضه؛ أى إلى ضغينة وسواد وهجاء، الحقيقة لم يتحوّل أو تبدّل حبّه لها، بل على العكس صار أكثر ولهًا بها، وإنما فى المقابل كره مَن فرّق بينهما، أى العزول الذى كان سببًا فى الفراق، وأوصله إلى الحالة التى صار عليها، ومن قوله فى هجائه:
فما لك مثل لـمّـته تدرَّى
ومالك مثل بخل أبى الجنوب
إذا فقَدَ الرغيف بكى عليه
وأتبع ذلك تشقيق الجيوب
يعذب أهله فى القرض
حتى يظلوا منه فى يوم عصيب
الحب الذى كنّه فى قلبه لسُعدى تحول فى لحظة إلى ضغينة إلى زوجها الذى كان عزولا بينهما، حل الغضب محل السكينة، استوطن الغضب القلب، على عكس ما ردد رولان بارت بأن «الفنان الحقيقى لا يعرف الضغينة» ، ملأت قلبه الضغينة، ونفس عن غضبه بقصائد هجاء لزوج سعدى، ظلّ هجو كلما تذكّر لوعة حبّه لسُعدى، وفراقها له، وحاله بعد هذا الفراق، ظل يتغزل بها رغم تركها له، حكايته تستعيد قصص الحبّ فى العصور الوسطى حيث كان الرجل يكرّس حياته لعبادة امرأة تمتد لردح طويل من الزمن بعد وفاتها، كما فى قصة دانتى وبياترايشى، وبيترارخوس ولورا، لكن لم تخبرنا الروايات عما حدث له فيما بعد. الشيء المؤكد أنه تحوّل إلى هجّاء بعدما كان يعفّ عن الهجاء والمدح من قبل، فصار هجّاء حتى ولو كان الهجاء انتقامًا لمن سلبه حبّه. الشيء المهم الذى اكتسبه الشاعر من هذه التجربة المريرة أنه تحوّل من مُهمّش، ومستبعَد، ومقموع من حبيبته ثم من العزول زوجها الذى انتزعها منه، إلى سُلطة قاهرة، على الأقل فى أن يكتب ذاته ويحوّلها إلى سلطة مُؤثِّرة تُعبّر عن توترها الداخليّ وأزمتها النفسيّة فى مواجهة القامعين لها، فصار صوته الشعرى المدافع الأول له، أمام سطوة الحب وقهر الفراق. استمراره فى العتاب والهجاء، كان تأكيدًا على أنه لم يتوقف عن حبها رغم وجود العزول، ومُسبِّب الفراق، فكما يقال «إن التوقف عن الحب ليس بحب» ، فالتوقُّف عن الحب ينفى الحب أصلًا، وكأنه لم يكن. الخلاصة أن مأساة الحب الحقيقيّة، ليست فى انتهائه، وإنما فى كونه لا ينتهى. ألم يقولوا: «إن الحب مرهف على نحو ممض، وقوى على نحو مدهش، أشبه بالحرير» .
ممر أخير
قبل المونتاج
قمر الرابع عشر من يونيو






