طه عبد المنعم
ملحمة الثعلب رينارد هى واحدة من أعرق الملاحم فى تراث الفولكلور الأوروبي، إذ جابت حكاياتها معظم أرجاء القارة الأوروبية منذ القرون الوسطى، وتُعدّ من أبرز ما أنتجه الخيال الإنسانى فى الأدب الحيوانى والساخر. اعتمدت فى ترجمتى على ترجمة ويليام كاكستون الإنجليزية الشهيرة، أول من أسّس المطبعة فى إنجلترا، والتى تُمثّل النسخة التأسيسية التى نقلت الملحمة إلى العالم الناطق بالإنجليزية منذ القرن الخامس عشر. والتالى هو مقدمة المترجم التى توضح تاريخ الكتاب منذ أول طبعة مطبوعة فى تاريخ انجلترا، وللأسف لن اتطرق فى المقدمة لجذور الملحمة، فلها مقدمة أخرى بقلم المحرر الذى حرر الترجمة الإنجليزية هنرى مورلى طبعة ويليام كاكستون.
فى الأزمنة السحيقة التى سبقت تشكّل الدول القومية وحدودها المرسومة، جابت حكايات رينارد أوروبا عبر فضاء لغوى متحرك من أقاليم وممالك متجاورة، حيث كانت اللغات أشكالاً متقاربة تنتقل عبرها القصص شفاهه وكتابةً. لم تكن تلك اللغات كيانات مستقلة مكتملة كما نعرفها اليوم، والتاريخ اللغوى لا يسير دائماً من الجذوع إلى الفروع؛ قد تتبلور الفروع قبل أن يستقر شكل الجذع. لكن النقطة المفصلية فى تحوّل تلك اللغات نحو صورتها المعيارية كانت بزوغ المطبعة، حين تضافر معها فعل الترجمة وحركة النشر والشغف بجمال الكتب. وفى هذه المرحلة الانتقالية بزغ اسم رجل يرى كثيرون أن اللغة التى كتب بها شكسبير مدينة له أكثر مما يُتصوَّر: ويليام كاكستون، أول من أسّس مطبعة فى إنجلترا.
الحقيقة نحن نعرف عن كاكستون أكثر بكثير مما نعرفه عن شكسبير نفسه. وُلد نحو عام 1422م فى مقاطعة كِنت، وتلقّى تعليماً عملياً موجّهاً لخدمة التجارة: قراءة وكتابة واضحة وحساب ومبادئ من اللاتينية لازمة للعقود. هذا التكوين العملى غير اللاهوتى وغير الأكاديمى سيترك أثره العميق فى اختياراته اللاحقة بوصفه مترجماً وناشراً؛ إذ انحاز إلى لغة مفهومة قابلة للتداول، لا إلى خطاب نخبة مغلقة.
فى سنّ المراهقة انتقل إلى لندن ثم إلى بروج، تلك المدينة التى كانت تُوصف بأنها فينيسيا الشمال، فاحشة الثراء، تعجّ بالفنون والقصور. لم يكتفِ كاكستون بكونه تاجراً ناجحاً فى أفخر منسوجات الحرير والمخمل والصوف، بل صعد فى الهرم الاجتماعى للتجار المغتربين حتى بلغ منصب نقيب جماعة التجار المغامرين الإنجليز. وماذا يعنى هذا المنصب؟ لم يكن شرفياً، بل قضائياً ودبلوماسياً: يفضّ النزاعات بين التجار الإنجليز فى بروج، ويمثّلهم أمام دوق بورغوندي، ويفاوض على الاتفاقيات التجارية نيابةً عن التاج الإنجليزي.
بصفته تلك كان يتعامل مع بلاط دوقية بورغوندى الأكثر بذخاً وثقافةً فى أوروبا، ذلك البلاط الذى كان يُحدد الموضة فى الملابس والفنون وآداب الفروسية لسائر أرجاء القارة. هنا رأى كاكستون كيف يُعامَل الكتاب كتحفة فنية، وكيف يهتم النبلاء بالأدب. وفى يوليو 1468م شهد الزواج الملكى الكبير بين الأميرة مارجريت يورك والدوق تشارلز الجريء — زفاف القرن بكل معنى الكلمة — وشارك فى المفاوضات التجارية التى مهّدت له بحكم منصبه. ولم يكن الأمر مجرد حضور؛ رأى فى احتفالاته الأسطورية الأساطيرَ اليونانية تتجسد فى شكل مسرحى فاخر مستوحى من قصة جاسون والصوف الذهبي، فأدرك بحسّه التجارى أن كتاباً يجمع هذه القصص لن يكون مجرد عمل أدبى بل مشروعاً يضمن مبيعات خيالية.
فى نفس الوقت الذى كان كاكستون يراكم فيه الثروة فى بروج، كانت إنجلترا تحترق بنار حرب الوردتين. وحين هُزم الملك إدوارد الرابع عسكرياً واضطر للهروب من إنجلترا — حتى قيل إنه غادرها بملابس نومه تقريباً! — لجأ إلى أخته مارجريت وزوجها الدوق فى الأراضى المنخفضة. كان كاكستون قريباً من الأحداث، أسهم فى دعم الملك المنفي، فلمّا عاد إدوارد منتصراً عام 1471م غدا كاكستون رجلاً مرضياً عنه ومقرّباً من الدائرة الضيقة للملك المنتصر، وهكذا فُتح له الطريق إلى ما هو آتٍ.
وأين بدأت قصة الكتاب؟ فى تلك الاحتفالات الأسطورية لزفاف مارجريت، رأى كاكستون الأساطير اليونانية تتجسد أمامه على الملأ، فانصرف إلى ترجمة أول كتاب وهو (Recuyell of the Historyes of Troye)، رومانسية قروسطية تحكى أساطير اليونان بنكهة فروسية تناسب ذوق القرن الخامس عشر. وليس هذا الكتاب الإلياذة لهوميروس؛ بل هو عمل كتبه الفرنسى راؤول لوفيفر لدوقية بورغوندى تمجيداً لدوقها ذى النسب المزعوم من هرقل وأبطال طروادة، فكان فى جوهره كتاباً سياسياً دعائياً فى قالب أسطوري، وأكثر المخطوطات رواجاً فى البلاط، أى أن كاكستون كان يضمن جمهوراً متلهفاً له حتى قبل أن يبدأ.
جلس كاكستون ليترجم فى أول مارس 1469م، وبعد حماس أولى توقف بعد ثلاثين صفحة فحسب من الكتاب الضخم. لماذا؟ هو نفسه يشرح ذلك بصدق مؤلم فى مقدمته، ويمكن تلخيص أسبابه فى ثلاثة: أولها اغتراب اللغة، إذ شعر أن إنجليزيته «خشنت وريفت» بعد ثلاثين عاماً فى المهجر مقارنة بالفرنسية الفخمة المصقولة لنسخة لوفيفر. وثانيها صعوبة الأسلوب وعجزه عن إيجاد مرادفات إنجليزية توازى فخامة النص الأصلي. وثالثها اليأس من الحجم، حين نظر إلى سبعمائة صفحة ونظر إلى الثلاثين التى ترجمها بشق الأنفس، فأغلق الصندوق وارتاح.
ظل الكتاب حبيس الصندوق عامين، حتى سألته الدوقة مارجريت ماذا يفعل فى وقت فراغه. فذكر لها القصة، فقرأت الثلاثين صفحة وأثنت لكنها لاحظت عيوباً استدعت التهذيب، ثم أصدرت له أمراً مخيفاً: عليك أن تكمل هذا الكتاب فوراً. لم يعد الأمر خياراً بل تكليفاً ملكياً. فانعزل كاكستون فى مدينة كولونيا بألمانيا يترجم يومياً بلا كلل، وفى كولونيا رأى رهباناً وحرفيين يستخدمون آلات خشبية غريبة تُنتج الكتب بسرعة مذهلة. عاد إلى بروج بالمخطوطة الكاملة، قدّمها للدوقة فكافأته بسخاء، وانتشر الخبر حتى انهالت عليه الطلبات. حاول الاستجابة بالنسخ اليدوى فكتب شكواه الشهيرة: «يدى تعبت، وعينى غشيت وأظلمت من كثرة التحديق فى الورق الأبيض». وفى خضم تلك الشكوى تذكّر ما رآه فى كولونيا، فبحث فى بروج عن شخص يعرف أسرار الطباعة فوجد الخطاط كولارد مانشن وتشاركا: كاكستون يملك المال والنص، ومانشن يملك التقنية. وهكذا وُلد أول كتاب مطبوع باللغة الإنجليزية عام 1473 من ترجمة كاكستون وإنتاجه. تجاوز الخمسين حين أمسك بتلك التحفة بين يديه، وأدرك أن التجارة بالأقمشة انتهت وبدأت التجارة بالمعرفة.
دعنا نتمهل قليلاً لنتعرف على أجواء الطباعة فى أوروبا. كما هو معلوم اخترع الألمانى يوهان غوتنبرغ المطبعة وطبع أول كتاب قرابة عام 1455م، الكتاب المقدس باللاتينية لا بالألمانية، لكنه تعرّض للإفلاس سريعاً حين رفع شريكه الممول دعوى قضائية عليه واستولى على المطبعة وكل النسخ. بيد أن الشرارة اندلعت وتناثرت؛ فأسّس راهبان ألمانيان مطبعة قرب روما عام 1465م، وسرعان ما أصبحت البندقية «هوليوود الكتب» تُنتج نصف كتب أوروبا. ثم باريس مع جامعة السوربون لكنها مطبعة أكاديمية نخبوية للعلماء فحسب، بينما تحوّلت الطباعة الألمانية فى مطابع كمطبعة كوبرى فى نورمبرغ إلى صناعة ثقيلة تبلغ أربعة وعشرين مكبساً ومئة عامل، فى حين كان كاكستون يعيش سنواته الأولى فى ويستمنستر وألمانيا قد سبقت إنجلترا بمراحل.
نعود إلى كاكستون الذى أغراه نجاح طروادة بترجمة كتابه الثاني: (The Game and Play of the Chess)، وهو ليس دليلاً للشطرنج بل كتاب سياسى أخلاقى يستخدم قطع اللعبة رموزاً لطبقات المجتمع ويُبرر نظامه الطبقي، فحقق نجاحاً هائلاً لأنه يُدغدغ غرور النبلاء. ثم وقف أمام لحظة فاصلة وهو فى منتصف الخمسينيات من عمره، تاجر غنى يعمل فى بلجيكا، فاتخذ قراراً جريئاً: العودة إلى الوطن. أدرك أن السوق الحقيقى لكتبه الإنجليزية فى إنجلترا لا فى القارة. كان إدوارد الرابع قد استعاد عرشه بشكل حاسم فأصبحت البلاد آمنة، وكان يطمح لرعاة جدد فى قمة الهرم. علاوة على ذلك، بدأت بوادر أفول نجم بروج مع حروب تشارلز الجريء المدمّرة التى انتهت بمقتله عام 1477م. ففى عام 1476م فكّك مطبعته الثقيلة وشحن قوالب الحروف المصنوعة من الرصاص وأطنان الورق وأبحر عائداً.
عندما وصل لم يفتح دكانه فى حى التجار، بل توجّه إلى ويستمنستر واستأجر متجراً فى حرم الدير فى الطريق بين البرلمان والكنيسة، مستهدفاً اللوردات ورجال الدين والمحامين وموظفى البلاط — هؤلاء وحدهم يملكون المال والقدرة على القراءة. ثم أجرى حركته التجارية الذكية الأولى: طبع صكوك الغفران بالآلاف للحصول على سيولة نقدية سريعة، كما فعل غوتنبرغ قبله، ثم أطلق أول كتاب كبير من ترجمة الأمير أنتونى وودفيل شقيق الملكة، مُثبّتاً اسمه مترجماً لضمان الحماية الملكية للمشروع الوليد.
استمرت المطبعة تحت قيادته خمسة عشر عاماً حتى وفاته (1476-1491)، ترجم فيها نحو أربعة وعشرين كتاباً بنفسه، يُدير المطبعة تجارياً ويُشرف فنياً وفى المساء يترجم نصوصاً ضخمة من الفرنسية واللاتينية والهولندية. وتقلّب العرش الإنجليزى ثلاث مرات دموية، لكنه نجا بذكاء الدبلوماسى القديم.
فى هذه الفترة قام كاكستون بأخطر أدواره: دور المحرر. حين نبّهه أحدهم إلى أن طبعته الأولى من حكايات كانتربرى مليئة بالأخطاء، لم يُكابر بل اعتذر وطلب المخطوطة الأصلية وأعاد الطباعة منقّحةً — وهذا تصرف ينمّ عن أمانة أدبية نادرة. كما استلم مخطوطة توماس مالورى عن أساطير الملك آرثر فى حالة فوضوية بالغة التعقيد، فتولّى تحريرها وتقسيمها وصياغة عناوينها، حتى غدت النسخة التى يقرأها العالم اليوم هى نسخة كاكستون المحررة. ولم يقتصر دوره على ذلك بل امتد إلى اللغة نفسها؛ إذ اختار لهجة لندن/ ويستمنستر معياراً فى طباعته، مما أثّر على توحيد التهجئة الإنجليزية وتطور اللغة الحديثة. وعرفنا معظم تلك التفاصيل لأنه كان يكتب مقدمات وخواتم لكتبه تكشف شخصيته: متواضع، صادق، ساخر أحياناً.
ننتقل الآن إلى الثعلب رينارد الذى يحتل موقعاً مميزاً فى مسيرة الناشر الأول. جاءت ترجمته فى منتصف فترة ويستمنستر عام 1481م، وعلى خلاف معظم كتبه المترجمة عن الفرنسية لغة البلاط الراقي، ترجم هذا الكتاب عن الهولندية الوسطى، مما يعكس حنيناً إلى الثقافة الشعبية فى الأراضى المنخفضة التى أمضى فيها ثلاثين عاماً. كان النجاح ساحقاً لدرجة أنه أعاد طباعته عام 1489م فى عهد هنرى السابع، ليكون الكتاب الوحيد فى منشوراته الذى يحظى بطبعة ثانية خالية من الرسوم الخشبية، مؤكداً أن القيمة الأدبية الخالصة كافية.
لم تمت المطبعة بموته؛ تسلّم الراية مساعده وينكين دى وورد ونقلها من ويستمنستر إلى شارع فليت ستريت، محوّلاً الطباعة من هواية نخبوية إلى صناعة شعبية فى شارع سيغدو مقراً للصحافة البريطانية حتى القرن العشرين. غير أن الملحمة تعرّضت بعدهما للتشويه المتراكم؛ جاءت طبعتا إدوارد ألدى (1600 و1620) لتشكّلا منعطفاً جذرياً: قلّصت الطبعة الثانية الملحمة من ثمانية وخمسين فصلاً إلى خمسة وعشرين، وأضافت هوامش أخلاقية وتفسيرية، وحوّلت أسلوب السرد من الحوار الدرامى المناسب للقراءة الشفهية الجماعية إلى النثر الصامت المناسب للقراءة الفردية. واستمر هذا الانحدار حتى تحوّلت الملحمة طوال القرن الثامن عشر إلى مجرد قصة أطفال وابتعدت عن الدوائر الأدبية.
حتى جاء القرن التاسع عشر الفيكتورى ليُعيدها إلى أصلها. أول من رفع الراية كان العالم ويليام ثومز الذى أصدر عام 1844م طبعة أكاديمية محققة مع مقدمة تاريخية مطوّلة تؤكد أن ترجمة كاكستون كانت أول عرض كامل متصل لمغامرات رينارد للقراء الإنجليز وأن أثر ذلك كان فورياً وعميقاً. وقد أصبحت نسخة كاكستون نادرة لدرجة أن إحداها بيعت فى مزاد بمبلغ يعادل — لو قارنّاه بمتوسط الدخل اليوم فى بريطانيا — ما يتجاوز مئة وخمسين ألف جنيه إسترليني. لكن طبعة ثومز ظلت للمتخصصين ولم يعرفها الجمهور العام، على عكس طبعة هنرى مورلى عام 1889م ضمن مكتبة كاريسبروك التى كانت مشروعاً شعبياً للقراءة الجماهيرية. فمورلى كان رائداً فى نشر الكتاب الرخيص — أصدر مئات المجلدات بأسعار فى متناول الجميع — وكان فى الأصل طبيباً تحوّل إلى أستاذ للأدب فى كلية جامعة لندن، ومن بين طلابه رابندرانات طاغور. ضمّت المكتبة الملحمةَ فى مجلدها الرابع مع مقدمة تحليلية مطوّلة فى تاريخ القصة وجذورها.
ما بين الطبعتين كان ثمة ما يستحق الرواية. فى معرض 1851م الكبير عرض محنّط حيوانات ألمانى يُدعى هيرمان بلوكيه مجموعة من حيوانات فورتمبيرغ فى وضعيات بشرية ساخرة تجسّد مشاهد من ملحمة رينارد؛ ثعالب وذئاب وأرانب فى ملابس بشرية تمارس القضاء وتتصارع وتعزف الموسيقى. أحدثت ضجة كبيرة فى لندن، واستغلالاً للترند وقتها، صدر ملخص للقصة فى مجلة ديكنز (Household Words)، لتُعيد إشعال الاهتمام الشعبى بالملحمة بعد سنوات من النسيان.
فى تسعينيات القرن التاسع عشر تفرّعت طبعات الملحمة إلى ثلاثة مسارات: مسار فنى فاخر على يد الفنان ويليام موريس عبر مطبعته الخاصة كلمسكوت بخطوط قوطية تحاكى المخطوطات القديمة، لكنها نسخة للأثرياء لا للقارئ العادي. ومسار شعرى مهذّب على يد الناشر فريدريك إليس الذى حوّل نثر كاكستون إلى أبيات مقفاة فى طبعتين عام 1894م و1897م. ومسار شعبى على يد جوزيف جاكوبس عام 1895م، ذلك الفلكلورى العملاق الملقّب أحياناً بأخوين غريم الإنجليز، الذى جسّر الفجوة بين النص الأكاديمى وقصص الأطفال. ثم جاءت نسخة توماس كارترايت عام 1908م لتمثّل الانتقال النهائى للقصة من الصالونات الأدبية إلى حقيبة المدرسة وغرف الأطفال، إذ صوّرت رينارد لا كشيطان ماكر بل كحيوان شقى يثير الضحك أكثر مما يثير الرعب، مما مهّد الطريق لشخصيات كرتونية لاحقة.
لم تخرج الطبعات حتى يومنا هذا من تلك المسارات الثلاثة، لكن شاعر ألمانيا العظيم يوهان فولفغانغ فون جوتة كان له رأى آخر. وكيف أتت الملحمة إليه أصلاً؟ كان الفيلسوف هردر يُحاضره فى أحد لقاءاتهما الشهيرة حين قال له: أتدرك أن عندنا نحن الألمان ملحمة بحكمة وأصالة لا تقلّ عن الأوديسة؟ فأخرج كتاباً قديماً وقدّمه إلى الشاب جوتة — وعلى الأغلب كانت نسخة لوبيك الشهيرة (Reinke de Vos 1498) المكتوبة بالألمانية الدنيا الوسطى بروح فقدتها النسخة النثرية التى صنعها جوتشيد عام 1752م. وحين كان جوتة يشارك مضطراً فى الحملة العسكرية ضد فرنسا الثورية ويشهد فظائع الحرب وفوضى الثورة، وجد فى قصة الثعلب القديمة مهرباً من الواقع الدموى ومرآةً يعكس فيها ما يراه: رأى فى رينارد تجسيداً للسياسى الديماغوجى المتلاعب، وفى الملك الأسد الحاكم الضعيف، وفى الحيوانات الغوغاء. فكتب عام 1793م (Reineke Fuchs) بالوزن الملحمى السداسي، نفس وزن الإلياذة والأوديسة، ووصف عمله بأنه «إنجيل دنيوى غير مقدس». رينارد ينجو بجرائمه ويكذب ويقتل وفى النهاية يصبح مستشاراً للملك، فكانت الرسالة الواقعية الميكافيلية أن العالم لا يحكمه الأخيار بل الأكثر دهاءً وقدرة على التلاعب. بهذا نقل جوتة الملحمة من الفولكلور الشعبى إلى مصاف الأدب العالمى الخالد، وجعل الثعلب رمزاً عالمياً للدهاء السياسى يتجاوز حدود أدب الأطفال.
وحول المصادر يقع خلاف أدبى كبير؛ فالشجرة تفرّعت لجذعين متمايزين: كاكستون اعتمد على الفرع الهولندى النثرى (Historie van Reynaert die Vos 1479)، وجوتشيد ومن بعده جوتة اعتمدا على الفرع الألمانى الشعرى (Reinke de Vos 1498). كلاهما يروى قصة نفس الثعلب الماكر، لكن من نسيج ثقافى ولغوى مختلف تماماً، وهو ما يجعل التناول الألمانى للملحمة هو ما يُثير شهية النقاد للنقاش والجدال أكثر من سواه.
لم تتوقف جهود التحقيق الأكاديمي، وكان آخرها وأبرزها التحقيق الذى أنجزه عالم اللغويات نورمان فرانسيس بليك عام 1970م صادراً عن مطبعة جامعة أكسفورد ضمن سلسلة جمعية النصوص الإنجليزية المبكرة، وقد قدّم فيه أدلة تُثبت أن كاكستون كان فى المقام الأول رجل أعمال براغماتياً يوجّه اختياراته فى الترجمة لاختراق السوق المحلية، وليس مجرد حرفى طباعة تقليدي. وبعد نجاح مؤتمر لوفان الدولى عام 1972م المخصص لأدب الحيوان فى القرون الوسطى، تأسست الجمعية الدولية للرينارديين رسمياً عام 1975م، تعقد مؤتمراتها الدولية كل عامين — كان آخرها فى جامعة ترينتو بإيطاليا عام 2024م وسيليه مؤتمر 2026م فى مدينة بو الفرنسية — وتُصدر مجلة (Reinardus) الأكاديمية المحكّمة المرجع الأول لأى بحث حديث حول الملحمة، وهى المجلة الوحيدة فى العالم المكرّسة كلياً لدراسة الحيوانات فى الأدب الوسيط.

ما بين خطوة ومركب
محاولات للهرب
رفيق العراف





