محاولات للهرب

محاولات للهرب
محاولات للهرب


إبراهيم المطولى

 تنتهى ورديّة الليل، فأنزل لأوقّع فى دفتر الانصراف، أخرج من باب المستشفى لعالم الأصحاء، فيؤذى ضوء النهار عينىَّ، فى حالة ليست بنومٍ ولا يقظة، يوترنى صوت أبواق السيارات والباعة، أفكر أن كوبًا من القهوة سيجعلنى أصمد حتى الظهيرة، لو ذهبتُ إلى البيت لن أصنع شيئًا، لذا اخترت أن أشرب قهوتى هنا.
أترك كل المقاهى القريبة من المستشفى، وأمشى حتى أهرب من صفير سيارات إسعافٍ لا ينتهى، أترك المقاهى القريبة وأمشى لمقهًى صغير، أفضله فى الأوقات التى أفكر فيها بالتماس الهدوء، روّاده من كبار السن، أصل فأجلس بالخارج، تحديدًا أسفل ظلِّ شجرة فيكسٍ، اثنان يلعبان الطاولة، وشيخٌ يقرأ الجريدة، ورجل يلبس جلبابًا بلديًا يمسك بحافظة أوراق فى حرص وهو يتأمل المارة. 
 أتحين فرصةَ أن يلتفت الرجل الواقف وراء النصبة هناك، وعندما يفعل أشير وقد جعلت اثنين من أصابعى على هيئة نصف دائرة، طالبًا القهوة، أحرك شفتى دون أن أخرج صوتًا بكلمة: «سادة» فيهز رأسه فهما لما أريد. 
 بعد انتهاء فنجانى أغمض عينى للحظات، اتقاءً لشعاع شمسٍ سقط على وجهى، عندما اهتزت الشجرة فوقى، ثم أغمضتها مرارًا رغمًا عنى، وإذ إن القهوة خذلتنى؛ ولم تفعل ما هو المتوقع منها، إغماضة أخرى طالت، وفيها خلط عقلى الحاضر بالماضى، وفيها تنبثق أخيلة من ليالى فائتة سرعان ما تزول لتولد غيرها.
 صورٌ للمرضى والمصابين الوافدين إلى قسم الطوارئ، حوادث طرق ومعارك ومحاولات لقتل النفس، قىء وسعال ونزيف، أتخيل أحيانًا أن العالم ينهار بالخارج، أحاول أن أهرب من كل هذا فى أوقات الراحة بالتحدث مع عايدة، فوجهها الجميل يمحو كل ما حوله، طالبة التمريض التى تأتى لتتمرن على الولوج إلى هذا العالم القاسى بالتدريج، فى أول الأمر يُصبن بالإغماء نتيجة لمرأى الدماء والأعضاء المبتورة، ثم يعتدن ويشاركن وهن يفكرن فى أمور أخرى، لكنها اليوم لم تأت، طالبات التمريض ينظرن إلى بعضهن حين يرَيْنَنى، أسألهن:
 - لماذا لا تأتى عايدة؟ 
يجبْن وعلى شفاههن ابتسامات مكبوتة:
 - التوزيعة اتغيرت. 
 إذن فقد ذهبت لقسم آخر من أقسام المستشفى، ولماذا هى تحديدًا وبقيت الأخريات؟ أتساءل بينى وبين نفسى، ربما واحدة منهن وشت بحديثها المتكرر معى لإدارة المستشفى، لا بدّ من القيام عن مقعد المقهى إذن، أدفع ما علىَّ وأمشى. 
 عيناى نصف مفتوحتين، أرى بهما المعالم الأساسية للطريق، لقد حان موعد إعادة قياس مدى قدرتى على الإبصار، والاذعان لأوامر طبيب الرمد فى وضع نظارة أمام عينى.
 الضوضاء القادمة تنبئ عن اقترابى من موقف السيارات، مزيج من أصوات الأولاد وهم يقفون خلف سياراتهم، ويُنادون بأسماء البلاد التى سيمرون عليها، وسبابهم وضحكهم، السائقون ينتظرون الدور بجوار بائع الشاى، الذى يتحرك سريعًا، ليضع المقادير ويصب الماء الذى يتصاعد منه بخار أبيض، ويعطى لكل واحد ما سأل، يشربون ويدخنون، يتضاحكون بكلام وقح دونما خجل. أسأل واحدًا منهم عن تلك السيارة التى عليها الدور فى التحميل، يشير لى وهو يصيح بلا داعٍ:
 - خش يا باشا.. شرحة وبرحة وفيها تكييف.
 أنحنى كى أَمُرّ من الباب الخلفى، أتخذ مكانى فى الصندوق الصاج، المزين من الخارج بكلمات لدرء الحسد، وحِكمُ المجرّبين فى الحياة.
 داخلها، انزويت فى الركن الأخير، ربما أخذتنى سِنة أخرى من النوم فى انتظار أن يكتمل العدد، فأسند رأسى على الجانب المعدنى بدلاً من تركه يميل على مَن بجوارى، أفعلها تجريبيًا، أقرب رأسى وأصطنع النوم، الصندوق ما يزال باردًا من صقيع الليل.
 على جدار الصندوق أشتم رائحة الطلاء القديم، أعدل من وضع رقبتى، فتجول عيناى تلقائيًا على الملصقات: دعاء السفر، قائمة بمنتجات المقاطعة، صور لأطفال الانتفاضة، صور المرشحين لمجلس النواب. 
 الصبيان أيام الجمعة يغسلون سيارتهم، يحاولون إزالة كل هذه الصور، تتآكل من أطرافها وتبهت، ولكن لا تنمحى بالكلية، تبدو لى رغم قبحها ذات فائدة، ففى الأماكن التى تخلو منها يظهر الصاج على حقيقته كالحًا.
يصعد الكثيرون للسيارة، لا أتذكر العدد ولا حتى الوجوه، ما حدث بعد ذلك لم يترك إلا خيالات باهتة كتلك الخيالات من أثر السهر، رجل كبير يستند على شمسيته، نسوة عائدات من السوق، شاب وفتاة يتناجيان، ربما كانت الفتاة جميلة ربما لم تكن، ولكننى تذكرت عايدة.
 النسوة يتكلمن بصوتٍ عالٍ، يحملن معهن ضجيج الأسواق أينما رحلن، يتحدثن عن مناكفات الشرطة وارتفاع تكلفة الاستمرار فى الحياة، يحصين نقودهن، يحملنها فى أكياس من قماش يحفظنها داخل صدورهن.
 وفجأة انطلقت - لا أعرف من أين تحديدًا - كلمة: «الظابط»! ربما نطق بها صبى من الصبيان، أو واحد من السائقين، لكنها تتكرر بلهجات ودرجات صوت متفاوتة من اتجاهات عدة.
 لا أرى هذا الذى يتحدثون عنه، ولكن أرى تأثير الكلمة واضحًا: السائقون يتركون ما بأيديهم من أكواب على الأرض، يفلتون بالسجائر من بين أصابعهم، انمحت الابتسامات من فوق وجوههم، وحل محلها تحفز وتوتر، يجرون على مقاعدهم الأمامية، بينما الصبيان يزيحون الناس وهم يصيحون:
 - ضهرك... ضهرك. حتى بائع الشاى يُلملم أكوابه فى توجس، المكان الذى يملأه الضجيج والنداءات يصير فارغًا فى ثوانٍ. 
 شرح لنا أحد الركاب تطوعًا: تأتى سيارة المرور لهذا (الموقف) غير القانونى، يراها أحد السائقين من بعيد، ينبه الآخرين، فيفرون جميعًا، هذا هو المعتاد. ارتجَّ صندوق سيارتنا بعنف، وانطلق السائق بسرعة، وبعدما تفرقت سيارات الأجرة فى شوارع شتى، صارت سيارة الشرطة وراءَنا، من الواضح الآن أن الضابط اختار سيارتنا ليطاردها إلى النهاية، والسائق فيما يبدو يحاول الخروج من المدينة، جاء النداء من مكبر الصوت فوق سيارة الشرطى آمرًا إياه بالتوقف، لكن لم يمنحه النداء إلا مزيدًا من الجنون.
 فى الخارج أرى الناس يفرون من أمام الوحوش الجامحة هذه إلى جوانب الطريق، أسمع صرير الفرامل وقرقعة الصاج، أشتم رائحة وقود محروق، ومطاط العجلات وهو يحتك بالأرض.
 فى الداخل تصرخ النسوة، يضربن بشدة الزجاج الفاصل بيننا وبين السائق، يطالبنه بالتوقف، لكنه لا يلتفت، لا يهدأ، فتضرعن إلى الله طلبًا للسلامة. هذا النوع من السيارات يأتى من بلد المنشأ وقد صُممت لنقل البضائع، ثم أُلبست هذا الصندوق لتنقل البشر، خليط من الصاج والزجاج والخشب، العقول كلها تحتفظ بحكايات عن هذا الصندوق الذى يتحطم أو ينبعج أو حتى يطير بمن فيه للحقول القريبة عند حدوث الصدام.
 تعبت الأيدى من دق الزجاج فاستسلمت للمصير، الصبى الأسمر من فعل الشمس يقف بالباب ليُخفى لوحة الأرقام بجسده، كما أوصاه السائق سابقًا. اقتربت السيارة بحيث لم يعد بيننا وبينها حاجز، الضابط يبدو فى جلسته وسيمًا مهيبًا، يضع على عينيه نظارة شمس سوداء، تمنحه بعض الغموض، يستند بذراعه على باب السيارة، ويده تمسك بجهاز الإرسال، من الجالسين بجوارى من ينظر إليه بحقد وغضب، ولكنى لم أكرهه، لم أحبه كذلك، فقط رغبة خفية فى تحديه.
 هدأت الأصوات إلا من الدعاء، على الطريق الدائرى زاد كلٌ منهما سرعته. فى كل مطب وفرملة، نستند على بعضنا، نتلاحم، نسير ككتلة بشرية واحدة، جسد واحد له قلب كبير، ربما لم نفهم مشاعرنا تمامًا، ربما الرغبة فى التحدى على شىء ما غير عادى. سعادتنا فى أن شخصًا يرتدى نظارة سوداء ويمسك اللاسلكى يلهث وراءنا. 
 شقّ خيوط الخوف حولنا صوت: «أنا بربى يتامى»، وبكاء بدأ عاليًا، لم يحاول أحدنا تهدئته، ثم هدأ حتى ضاع تدريجيًا فى زحمة الأفكار. 
 هؤلاء يستيقظن مع الفجر، يحملن أحمالهن الثقيلة: أسماك أو فواكه أو حتى بيض الدجاج. يأتى رجال البلدية يسكبون ما أمامهن، يبعثرونه، يخطفونه ممن يحاولن الفرار، يمرون عليه بأحذيتهم كى لا يصلح للبيع مرة أخرى.
الآن أُتيح لنا فرصة الهرب ولو لثوانٍ، دون تدبير، نتمرد، نجرى فى اتجاه عكس ما يريده الذين فوقنا، كل القلوب هنا - رغم الخوف - تتحرك بالسيارة أسرع قليلًا للأمام، كل الأفكار جماعية فلا داعى لطرحها والكلام فيها. أعرف كما يعرف الباقون خطة السائق. 
 حكى لى أحدهم وأنا إلى جواره فى المقعد الأمامى من قبل، يحاول الهرب بأن يجرى بأقصى سرعته حتى أقرب قرية، وهناك يدخل من الحوارى والبيوت التى تُشبه لعبة المتاهة، بينما الضابط الذى لا دراية له بجغرافيا المكان سيعود مهزومًا. ولكن واضح أيضًا أن الضابط كان يعرف ما نعرفه نحن كذلك، ربما شعر بتحدٍ شخصى، ربما كان لديه فائض من الوقت، ربما كان يحاول الهروب من همٍّ يعانيه، أيًّا تكن دوافعُ الشرطى، فقد وجّه كلماتٍ إلى السائق الذى بجواره، بدت لى من خلال النظر إلى ملامحه أنها قاسية، ليلحق بنا، بل ويتجاوزنا.
 بالفعل بدأت سيارة الشرطة - التى يُفْسِح لها الجميع بفضل صوتها المحذِّر – تسبقنا. القرى لم تظهر بعد، ليس غير الحقول حولنا، انحرف سائقنا بشدة نحو إحدى الجنائن، دخلت الأغصان الصغيرة من النوافذ ضربتنا على وجوهنا وأقفيتنا، لم يتحسس أحدنا ظهره ولم نتذمر.
 امرأة من بين النسوة ظهر على ملامحها الشعور بالغثيان، حاولت إخراج رأسها من النافذة ولكن معدتها سبقتها، تطايرت محتوياتها فى كل اتجاه، فى عينيها دموع ووجهها بلا دماء، وبحياءٍ امتدت الأيدى لتمسح ما تناثر فوقها، أحسستُ بطعم مر فى فمى، مررت عليه بطرف كمى كما كنت أفعل صغيرًا. 
 توقف سائقنا تدريجيًا، فقد انتهى الطريق أمامه وصار مجرد أشجار متشابكة، توقفت سيارة الشرطة مثيرةً عَفَرةً من ترابٍ، طار واستقر بعضها على وجوهنا.
 نزل الضابط من سيارته، حبات عرقٍ تلمع على جبينه، وجنوده يتبعونه فى توتر، يبدو مجهدًا، كأنما كان يجرى على قدميه، مشى نحو كابينة السائق على مهل، حاول الأخير الخروج من مكانه، قابله الضابط بقبضته فى وجهه، ارتد مكانه ثانية وخيط رفيع من الدماء سال من أنفه نحو أسفل، تعالت صرخةُ بعض النسوة وهن يتابعن المشهد. 
 بكى الصبى الذى بالباب، بينما مد كل منا - نحن الرجال- يده إلى وجهه، يمسح عن وجهه عرقًا أو ربما خوفًا، ثم شملنا الصمت جميعًا. تطلعت من الزجاج الأمامى، حيث البيوت هناك تفتح ذراعيها تنتظر القادمين.