فهد العتيق
حققت بعض الروايات العربية التى صدرت فى السنوات العشر الأخيرة، نقلة نوعية فى مستوياتها الفنية، تجاوزت فى بعض نماذجها القليلة النمط التقليدى الآلى المتكرر، الذى يبالغ فى الاعتماد على الوصف والانشاء الطويل والحبكات الصارمة والمغزى والرسالة والهدف المحدد، روايات متجددة بروح الفن الأصيل، دون قصدية موضوعية مباشرة ودون تكلف أو مبالغات ودون نبرات صوت عالية، كل هذه صارت عناصر أقل أهمية، عند رواية فنية حديثة منتبهة لقارئ جديد، وتسعى لأفق واسع وحيوى ومتحرك، ومفتوح الرحاب على أساليب وطرائق حديثة وجديدة، روايات بلغة وأسلوب مكثف ومقطر وأصيل، فيه جمال العمل الأدبى الرفيع والممتع والمشوق، خصوصا ونحن نعيش تواصل مرحلة ازدهار ونهضة فى فن كتابة الرواية العربية، بدأت ملامح تطورها المتصاعد من العام 2000 تقريباً، وذلك بعد ظهور جيل عربى جديد يكتب الرواية فى الغالب، بلغة ممتعة فيها رصد لليومى بلغة وأسلوب ورؤية عفوية وبسيطة وعميقة، وهى روايات التخلى عن عناصر الرواية التقليدية الصارمة، جيل عربى جديد راكم قراءات متنوعة على مدى سنوات طويلة، وكتب لنا رواية الصوت الخاص وبصمة فن الكتابة، وهذه الروايات المتقدمة، لم تعد مجرد حكايات تقليدية آلية محبوكة، أصبحت قيمة فنية وموضوعية وأداة بحث جادة فى الحياة بشكل عام وفى ظروف الواقع وأسئلته. وهنا يمكن الإشارة الى أن صدور حوالى ألف رواية عربية فى العام الواحد ليس كثيرا، لأن فن الكتابة مفتوح للجميع والبقاء للأفضل، وهذا الكم فى الانتاج الأدبى الروائى هو الطريق، الى الكيف القليل المبدع والمتميز، لأنه فى كل مكتبة من مكتباتنا العربية سوف تجد كتب عربية أو مترجمة، فى مستويات تتراوح ما بين رفيع وجيد ومتوسط وضعيف، فى كل أنواع الأدب، وهذا طبيعى وموجود أيضا فى أدب كل أمة وفى كل مرحلة من مراحلها، وسوف تستمر هذه المستويات متجاورة الى الأبد، لأن الكتابة الأدبية النوعية والرفيعة قليلة، ولا يمكن عمل نسخ كثيرة منها.
وفى السنوات الأخيرة قرأنا روايات سعودية، حققت نقلة فنية نوعية مهمة، كسرت سيطرة الرواية التقليدية الانشائية الجيدة والمحكمة الحبكة، وقدمت لنا روايات حيوية متجددة فى رؤيتها وحرة فى تنوع طرائق وأساليب تعبيرها، منها على سبيل المثال، رواية حجرة للكاتبة أمل الفاران، ورواية الأفق الأعلى للكاتبة فاطمة عبد الحميد، ورواية ساق الغراب للكاتب يحى سبعي، ورواية رف اليوم للكاتبة نجوى العتيبي، ورواية قلب الوردة للكاتبة وفاء العمير، ورواية الصريم للكاتب أحمد السماري.
وغيرها من رواياتنا المتجددة بالإضافة الى هذه الرواية التى نتناولها فى هذه المراجعة النقدية الموجزة، وهى رواية القبيلة التى تضحك ليلا للكاتب سالم الصقور، والتى صدرت عام 2024 عن دار مسكيلياني، وهى واحدة من الروايات العربية الجديدة التى تعطينا انطباعا عن التقدم خطوة فنية الى الأمام للرواية العربية.
أسرار فن الكتابة
هذه الرواية لم تكن بحاجة إلى وعى اجتماعى أو سياسى أو ثقافى حاد وصارخ ومبالغ فيه، حتى تكون بهذا العمق وهذا الجمال، وحتى تحقق هذه النقلة النوعية الفنية الواضحة، كانت بحاجة إلى الوعى ببعض أسرار فن الكتابة الحديثة، وإلى شجاعة التخلى والحذف، حتى تصل بموضوعاتها ومشاهدها وأفكارها المبدعة، الى هذه الدرجة الأدبية الرفيعة من الصدق الفنى والبساطة والعمق، فن البساطة الذى يصل إلى العمق بأقصر الطرق، وحتى تبتعد عن نمطية كثير من رواياتنا المتكررة، فى حبكاتها الصارمة، التى تحد من انطلاق الرواية وحريتها، وحتى تبتعد عن مغزى وهدف ورسالة تقليدية، وعن تلك الانشائيات الطويلة المملة والحماس المبالغ فيه والتكلف والافتعال ونبرات الصوت العالية على سبيل المثال، هذه رواية فن التجديد والتكثيف والايجاز، والتخلى عن الانشاء والوصف، والارتفاع بقيمة ومعنى واسئلة مشاهد الحياة ومواقفها وحواراتها، التى تجلت واضحة فى فصولها ولحظاتها الساحرة والساخرة، مشاهد تكشف لنا معنى فن الكتابة وكيف نكتب دون تكلف ودون مبالغات، الكيف الفنى الرفيع والطويل يسحبك معه حتى نهاية الرواية، بداية من عنوان الرواية وحتى السطر الأخير، ويتجلى هذا فى مشاهد حكى ومواقف متتالية، مشاهد تحكى لك بهدوء وبساطة، وسخرية تلمع مثل ضحكة وسط كل مشهد، وكل فصل هو متصل ومنفصل عن ما قبله وما بعده فى مشاهد متحركة، تحكى دون تكلف ودون محاولات اثارة مفتعلة، حكايات داخل حكاية، متوالية قصصية تبدع لنا رواية حديثة، فيها أسئلة وملاحظات ورصد عميق للمشاعر، وهذه العوالم المتعددة والصراعات والمشاهد والحكايات والمواقف والأسئلة فى الرواية، تناولها الكاتب بلغته الممتعة وأسلوبه الفنى العالي، وبطريقة فكاهية ساخرة، طريقة تسخر من الموقف ومن الحال، لتؤكد لى كقارئ، أن الرواية هى فن كتابة لأدب معاش فى واقع حياتنا اليومية، وليست مجرد موضوع أو حكايات محبوكة بصرامة لموضوع جيد ومغلق على ذاته، وهذا ما أعطى هذه الرواية حرية حركة فى التعبير عن ذاتها بتلقائية فنية، ليقدم لنا رواية مختلفة ومتميزة ومغايرة عن السائد، لتؤكد قدرات الكاتب والوعى بأسرار فن الكتابة.
الفن وقدراته المدهشة وليس الموضوع
بالفن الرفيع وقدراته المدهشة وليس الموضوع، الكاتب سالم الصقور ينقل الرواية السعودية والعربية إلى مكان جديد، حين انطلقت الرواية بأداء فنى عالى المستوي، من لحظة ميلاد غير مكتمل لابنة بطل الرواية على بن مانع، بعد 15 عام من المحاولات الفاشلة لإنجاب طفل، فى مجتمع وقبيلة تراقب وتختبر قدرة بطل الرواية على الانجاب، وتميزت الرواية بحالات ومشاهد وحوارات سخرية عالية، أعطت الرواية روح فكاهية مشوقة وممتعة، سخريات متتالية تشبه احتجاج على الحال والأحوال، وعلى كل العيون الاجتماعية القبلية المتلصصة وهى تراقب الحالة، التى وصل لها بطل الرواية على بن مانع وزوجته أروى بنت صالح، باستمتاع وألم مصطنع: (القبيلة بنك اجتماعى تمول أفرادها بما يفيض عن حاجتهم لتأخذ فى المقابل كل ما يحتاجون إليه من حرية واستقلالية).
رواية فى يوم واحد من التوتر والقلق والانتظار، بعد ولادة بنت غير مكتملة، لم تعش سوى ساعات، كان خلالها علي، يعيش فى قبضة شكلتها كلمة الحرمان هاجسا مقلقا، مثل دائرة لا يستطيع الخروج منها إلا بأسئلته وخوفه، يحكى لنا حكايته وذكرياته مع الذات والأهل والأقارب والأصدقاء خلال 24 ساعة، من لحظة ولادة الطفلة حنا، فى الساعة الثامنة مساء فى شهر أغسطس 2022، إلى الساعة السابعة مساء، لحظة تسجيل وفاتها، تدور الأحداث بين مستشفى الولادة فى مدينة نجران، وبين الطريق إلى العاصمة الرياض. وقد أدار الكاتب سالم الصقور روايته بمقدرة كاتب فنان، تجاوز النمط التقليدى فى الرواية، وقدم مشاهد روايته بطريقته الحديثة الخاصة ولغته الخاصة وقيمته الفنية الخاصة وبصمته الخاصة التى لا تشبه أحدا سواه، وهذا التخلى النسبى عن تلك العناصر التقليدية، حرر الرواية ومشاهدها وجعلها حيوية مفتوحة الأفق ومنطلقة ومبدعة وممتعة بلا قيود صارمة، والبصمة الخاصة فى عمله كانت شخصيتها الخاصة التى لم تقلد ولم تتكلف ولم تفتعل.
روح فكاهية ساخرة عمقت مشاهد الرواية
يحكى بهدوء وقلق وتوتر ودون نبرة صوت عالية، يروى لنا مشاهد وحوارات الرواية بصياغاته الفنية الرفيعة، تحولت الى أجواء رثاء فكرية عميقة وشاعرية الهوي، ينقل لنا بمهارة هواجسه بأسلوب موحي، يبعد عنها اجواء ما قد يبدو نوعا من الانفعال والتصنع، وأحيانا بأسئلة عميقة تقترب بنا من الوجود وما وراءه فى سفر نفسى وعقلى على طريقة من أنا وماذا أريد، وكأنه يريد الهرب من أرض واقع شديد الغموض والقسوة والارتباك، كما واجهت الرواية المحاذير بجرأة وشجاعة تجعلها على مسافة كبيرة من الجوائز العربية المحافظة والحذرة.
البطل يرثى حالة ويرثى مآله، وينتقد ثقافة حولت مجرد حالة صحية، الى موضوع درامى واجتماعى وأسطورى وسحرى كبير، ولهذا لم نجد فى الرواية رثاء أو هجاء للقبيلة بشكل تقليدى مباشر، وكان من أبرز ما كشف القدرات الفنية والأسلوبية واللغوية للكاتب المبدع سالم الصقور، هو تلك الروح الفكاهية الساخرة، التى عمقت مشاهد الرواية وفصولها وحولتها الى فيلم بديع على وشك حياة حقيقية، ومنح كثير من مشاهدها روحا متجددة، مع كل لحظة ومع كل فصل ومع كل موقف، فيها عمق وجمال ومتعة ورؤية فلسفية تثير الأسئلة.
حالات التأمل العميقة
(عندما يخسر الانسان نفسه قد يحصل فى المقابل على أمنياته ورغباته لكنه لن يكون هو ذاته موجودا فى انتظارها) وهذه العبارة المكثفة تصلح أن تكون مدخلا مهما فى قراءة موجزة لرواية مكثفة، عبارة تكثف الحالة الروائية الثقيلة وتضغطها، باعتبار الشخصية الأساس فى الرواية شخصية سارحة ولها مزاجها الخاص، هذا إذا اعتبرنا أنه لا يوجد قبيلة فى العالم بلا تقاليد صارمة تمنحها فرصة وحق التلصص على أفرادها، ولا يوجد قرية أو مدينة صغيرة فى العالم بلا عادات سيئة مثل القيل والقال، وتدخل الناس فى الحياة الشخصية لبعضهم بجسارة مؤلمة، واذا انتبهنا إلى أن العالم مليء بأناس يواجهون الان مشكلة فى الإنجاب لم تستطع حلها كل وسائل التكنولوجيا الطبية فى العالم، فإنه يمكن اعتبار موضوع الرواية عاديا ومألوفا وليس كبيرا أو نادرا، لتأتى النقلة النوعية البارعة التى حققتها هذه الرواية، فى الفن العالى وفى الكيفية الفنية، التى حولت موضوعات ومشاهد وتفاصيل عادية الى موضوعات ومشاهد وتفاصيل رفيعة وغير عادية وغير مألوفة، حين يتدخل الفن العالى بقيمه الراسخة وأسراره الدقيقة والصغيرة، يتدخل بمشاهد ومواقف جادة، تحولت بكيفية مدهشة وفريدة إلى حالات فكاهية ساخرة، والى حالات تأمل عميقة فى مشاعرنا وفى حياتنا وفى طريقة تفكيرنا، وهذا الفن المدهش هو الذى حول الرواية من كتابة تقليدية تصف لى المشهد، إلى كتابة حديثة ومتجددة ومختلفة تدخل عميقا فى المشاعر والهواجس والمواقف والأسئلة، فى محاولة معرفة معنى كل ما حدث له.
وتتواصل فصول ومشاهد الرواية، التى تؤكد قدرات الكاتب فى الكشف عن مشاعر عميقة لبطل يبحث عن علاج: (ثمة قطعة ناقصة وغامضة دوما فى هذه الحياة وعلينا البحث عنها بشرط ألا نعثر عليها).
وهو فى هذا المقطع يؤكد أن رواية التجديد، هى رواية فن التخلى النسبى عن النمط التقليدى المتكرر، لم نجد رثاء أو هجاء للقبيلة بشكل تقليدى مباشر، التخلى عن الحذر والمحافظة ،وهذا حول موضوعات عادية إلى رواية غير عادية، رواية فارقة ومتميزة وعميقة ومختلفة فى مشاعرها وأسئلتها الفكرية، وهذا ما تبقى لنا كقراء، متعة وقيمة ومعنى فن الكتابة ،بعد أن تحول الموضوع الى مجرد راية بيضاء رفعها البطل فى النهاية، بعد معركة خاسرة مع حلول مقترحة من القبيلة بالسحر والأساطير، من طريق شخصية أم الصبيان والفقيه عزي، حين أدخلوا بطل الرواية فى عالم جديد ومثير ومخيف يستحق القراءة.
سنوات طويلة والتجربة النقدية لدينا لا ترى فى النص السردى سوى الموضوع، بمبالغات نقدية فى تأويل النص وتفسير موضوعاته الواضحة والوعى الذى كتبه، دون اعتبار لإمكانات وقدرات وأسرار فن الكتابة ولغتها، التى تستطيع تحويل موضوعات عادية ومألوفة الى موضوعات غير عادية، ودون اهتمام بالأسلوب المتجدد والقدرات الفنية التى تغنى النص وترفع مستواه الفني، من نص موضوعى تقليدي، يدعى الفهم والمعرفة ويصف ما حدث ويفسر ما حدث، الى نص أدبى رفيع يطرح علينا الأسئلة، ولا يفهم ما يحدث حوله.
سى دى هات المواطن: بين إدهاش المتلقى والتأويل المحتمل
صورة مع غرباء من العائلة: سمكة وحيدة فى حوض مزدحم
كتابى تحت سطح العالم.. ستون يومًا فى أستراليا







