خمس منازل لله وغرفة لجدتى .. رواية البحث عن اليقين

رواية خمس منازل لله وغرفة لجدتى
رواية خمس منازل لله وغرفة لجدتى


د‭. ‬منير‭ ‬الحايك

فى روايته «خمس منازل لله وغرفة لجدّتى» (دار الساقى 2025) يعود الكاتب اليمنى مروان الغفورى إلى مرحلة محددة من تاريخ اليمن، وفى مدينة تعز تحديدًا والقرى المحيطة، فى مرحلة كانت الحركات الدينية المتنوعة، المتناحرة والمتصادمة تنتشر بين الناس وتنافس بعضها فى الوصول إلى النسبة الأكبر منهم، السلفيون والإخوان والتبليغيون، ومعهم فى الرواية يظهر المتصوفون، ويظهر صوت العقل قليلًا، وجديدًا تقدّمه الرواية هو رياضة الكونغ فو ومن يمارسها ويقتنع بتعاليمها.

فى اليمن تبدأ الرواية مع صوت الرواى، فى حديثه عن القرية وعن الأخ يونس، المؤذّن العارف بالمقامات الموسيقية، الحافظ لها والذى ينوّع فيها بحسب رغبته وحاله النفسية وحال البلاد أحيانًا، صوت الراوى الذى يبدأ ظهوره يقوى بوصفه شخصية، نعرف فيما بعد أنه الشخصية الرئيسة، ونعرف فى صفحات الرواية الأخيرة أنه قرر أن يكنى نفسه بـ"أبو حرب"، وهو المراهق القريب من مرحلة الشباب، وهو الذى يبحث بداية ليعرف، فيعرّفنا بكل الفرق الموجودة، التى قرر مع كل معرفة بشخصية جديدة، أن يتعرف تعاليم الجماعة التى تنتمى إليها هذا الشخصية، ومع ظهور الجدة ومرضها، يصبح التنقّل بين الفرق، التى نعرف من كل واحدة منها طريقة مختلفة للوصول إلى الله، سببه سعى الحفيد لشفاء جدته.

تتنقل الأحداث من القرية إلى المدينة، فى القرية تظهر البساطة والطيبة لدى الجميع، من الجد إلى العم غانم، حتى الأخ يونس الذى تحاول المدينة وفرقته الجديدة أن تقوّض طريقته الفنية فى الأذان، فنراه يعود إلى القرية حيث يؤذّن حرًّا، وفى المدينة تظهر كل فرقة ممثلة بشخصية من الشخصيات الرئيسة، بحيرى، الأستاذ نبيل، شمس الدين، الابن والأب، وآخرون كالشرعبى والبعدانى، كلها، أو كلهم بوصفهم رجالاً يمثلون حال البلاد، وحال الفرق الدينية، أظهرتهم الرواية مختلفين، ولكنها قدمت صورة عن المجتمع قد لا يعرفها الكثيرون، أو قد يرونها خيالية أو طوباوية مثالية، فلا مشاكل كبرى ولا تكفير ولا هدر دماء ولا قتل حصل فى تلك المرحلة، التى تعرّف بها الرواية فى صفحة غلافها الخلفى بأنها مرحلة التسعينيات، وهنا غاية قصدها الكاتب، وهى أن يخبر المتلقى، اليمنى والعربى بشكل عام، بأنّ منازل الله أو الطرق المختلفة إليه، كانت موجودة ومتعايشة، وكانت الأمور مقبولة والحياة مستمرة!

محاولات عديدة قام بها الحفيد، والعمّات والجدّ لتعود الجدة إلى رشدها، فلا تظل تتحدث بالسوء عن «القحبة زوجة على الراعي» وما فعلته بابنها فلذة كبدها، فجاؤوا بمن قرأ لها القرآن من كل الجماعات وكل الفرق وكل الملل، وبأساليب التجويد المختلفة، على الرغم من الخلافات حول التجويد وعدمه، وهذه كلها قضايا ومسائل طرحتها الرواية، وجعلت النقاشات بين تلك الفرق تدور من دون أن يشعر المتلقى، وهنا مكمن القوة والعمق الرئيس فيها، وجعلت من هذا المراهق، الذى مارس مراهقته كما ينبغى، فكان يحبّ، زوجة الأستاذ نبيل أو ابنته، ويكتب لها، ويستمنى، كلها أمور لم تغفل عنها الرواية وكانت دائمًا تعود إليه بوصفه مراهقًا، فى الوقت نفسه الذى حمّلته فيه عبء التجربة لكل الفرق الدينية وغيرها الموجودة فى المدينة، أى فى اليمن فى تلك المرحلة، وحمّلته عبء الاهتمام بالجدة، ولكن عبء الجدة مبرَّر من شابّ متعلق بجدته ومتعلقة به، وهذا من أكثر الحالات إنسانية وردت فى الرواية.

من المآخذ على الرواية الإطالة فى نصفها الأول قبيل ظهور الجدة ومرضها، فكان من الممكن أن يختصر كل السرد والتوضيح والنقاشات فى أثناء بحث المراهق عن الله من خلال الفرق، أو المعسكرات كما أسمتها الجدة نفسها فيما بعد، قد تكون غاية الكاتب من أجل توثيق تلك المرحلة، ولكنها بالنسبة إلى السرد والحكاية حول الجدة، كانت فيها إطالة على حساب ما كان يمكن توظيفه من علاقات وصراعات فيما بعد مع ظهور الجدة ومرضها، أما غاية الكاتب، وبصرف النظر عن الرأى الخاص بمسألة الإطالة أو عدمها، فكانت واضحة ومدروسة، خصوصًا مع نهاية الرواية، وهنا أقول إنها كانت الأعمق، والمعبرة عن رأى الكاتب الصارخ تجاه كل ما حكى عنه فى نصّه.

فى نهاية الرواية، بعد عودة جدته من بيت شمس الدين، وطلب جميع الشخوص، ممثلى الفرق، زيارتها، ونصيحة شمس الدين له بأن يعتذر منهم، يصعد الحفيد إلى جبل صبر، بعدما ترك المدرسة التى تغيّب عنها كثيرًا من أجل جدته، هناك يتجلى له الله كما يزعم، فرآه شديد الشبه بالذى تصفه أمه، بإله القرية الذى يتجلى بين العيدين، وعند الحزن والمطر واكتمال البدر، فنسى كل ما سمعه فى المدينة عن الله!

رواية عن الدين والله والبحث المعمّق، تشتغل فى عمق تفكير المتلقى، وترشده ليتعرف ويبحث فى تفاصيل مبادئ الفرق الدينية المتناحرة مدعية امتلاك الطريق الصحيح إلى الله، لتقول إنّهم كلهم لا يملكون سوى الباطل، والطريق واحدة لا غير، الطيبة والإيمان الفطرى، إيمان الأم والجدة، وروح الجدة التى لم تفكر يومًا بالطريق، ولكن الحفيد سمع من السماء أصواتًا تقول: «افتحوا لها... فتربّعت على الأكتاف من سماء إلى سماء!"

اقرأ  أيضا: