ذلك الطعم البعيد:الجماليات الإدراكية والسرد عن تقلبات الحياة

ذلك الطعم البعيد
ذلك الطعم البعيد


د. محمد سليم شوشة

الكتاب: ذلك الطعم البعيد
المؤلف: تيسير النجار
الناشر: صفصافة

تقدم تيسير النجار فى مجموعتها القصصية الأحدث «ذلك الطعم البعيد» الصادرة عن دار صفصافة تجربة سردية مميزة تؤكد تطور تجربتها الإبداعية وأنها بلغت حدا بعيدا من النضج والعمق والسلاسة التى تجعلها واحدة من الأصوات القصصية المتفردة. والأهم أن هذا الاختلاف والتفرد ينبع من سرد على أعلى درجة من العفوية ويمثل أحد أشكال السهل الممتنع فى السرد. 
فى هذه التجربة نلمح عددا من الملامح والسمات الخاصة أولها ارتباطها بموضوع واحد أو محور أساسى يجعل من المجموعة شكلا متماسكا يختلف عن القصص القصيرة المتباعدة فى موضوعها ومضمامينها، فالمجموعة كلها ترتكز عل محور أساسى ليس هو المرض أو السكر، بل هو ذلك الترابط الحتمى والتلازم الطبيعى بين الطعام والمرض، بين اللذة والألم. هذا هو الثنائى الذى يشكل الخريطة الدلالية لسرد هذه المجموعة ويرسم حدود هذا العالم القصصى ويؤطره. الطعام والمرض فى رؤية هذه المجموعة ليس مجرد ثنائى موضوعاتى بل هو أشبه بمعادلة كيميائية لمركب طبيعى فى الوجود ربما لا يمكن فكه أو تكسيره، ومن المحتمل أن السرد وحده هو القادر على فحص هذا المركب واكتشافه وليس هدمه أو تفكيكه. وبين عنصرى هذا الثنائى المرتبط بتلازم يوجد الحزن قابعا فى الخلفية، فالحزن يدفع البشر لمداواة أنفسهم أو التخفيف عنهم قليلا بالطعام ولذته، ليجدوا أنفسهم من جديد فرائس للمرض والألم وحزن من نوع جديد. 
لكن الحقيقة أن قصص المجموعة برغم هذا النسق الدلالى الذى ينتظمها لا يمكن وصفها بأنها عن الضعف الإنساني، بل على العكس من ذلك هى عن مقاومة الضعف والعجز، وعن إرادة الحياة والإصرار عليها والتمسك بها، عن شكل جديد من تأمل تناقضات الحياة وغرابتها الناتجة عن تقلباتها بين الحلو والمرّ، بين اللذة والألم، والطريف الذى ربما لم يخطط له الخطاب القصصى ولكنه أنتجه بعفوية أن ثنائية (الطعام-المرض) هذه، المتلازمة والمتناقضة فى الوقت نفسه، فتحت مجالا لتناقضات عنصرى الزمان والمكان على نحو غير نمطى فى السرد، فشكلت هذه الثنائية ثنائية الماضى فى مقابل الحاضر، الطفولة بانطلاقها فى الطعام والتلذذ بالأشياء حتى وإن كانت شحيحة، والحاضر أو اللحظة الراهنة بعدما سيطر عليها المرض بما يجلب من القلق والحرمان. وعلى مستوى المكان كذلك تصبح القرية فى مقابل القاهرة بالنسبة لبطلة القصص، والإسكندرية فى مقابل الصعيد بالنسبة لأمها. 
فى هذه القصص جرعة كبيرة من التجديد فى السرد عبر أشكال من التجريب الذى يحافظ على قدر كبير من العفوية، وهذه معادلة جمالية مهمة، أن يكون السرد تجريبيا ويحافظ على عفويته وتدفقه ومحاكاته للحياة كما هى دون افتعال أو أنماط من التغريب والمبالغة فى الانحراف عن الواقع الذى يقوم السرد على تمثيله ومحاكاته. وأول ملامح التجريب تأتى عبر الكتابة عن الكتابة، وهو ما يحدث فى أكثر من قصة، من البداية تتحدث القصة الأولى عن ضحى التى تعرف تيسير النجار صديقتها على الفيس بوك، وضحى مبتدئة فى كتابة القصص القصيرة، وتقرأ لتيسير، والطريف أنها تقرأ هذا الكتاب الذى يتضمن القصة نفسها التى تحكى عن ضحى. أى أن الكتاب (المجموعة القصصية) يحكى عن حياته التى ستحدث، أو تضمن شيئا عن إحدى القارئات، فى نوع من تكسير الخط الزمنى التقليدى والإعلان عن ضحى بوصفه تمثيلا فنيا أو إسقاطا أو نموذجا تخيليا صريحا. وفى موضع آخر تتحدث عن الكتابة كذلك فى إحدى القصص وتسرد اسم قصة أخرى من المجموعة نفسها. وفى مواضع أخرى تتحدث عن الكتابة بالنسبة لتيسير المؤلفة نفسها، فى نمط محسوب بميزان دقيق لا ينزلق إلى الغرابة ولا ينفلت بصورة تامة من قوانين فن القصة القصيرة نحو شكل عبثى تقليدى من أنماط العبث الأدبي.
هنا ننتقل إلى ملمح آخر مهم من ملامح التجريب لديها وهو تماسّها مع شكل السيرة الذاتية، والحقيقة أن هذا الأمر قد يشكّل حالة من التداخل واللخبطة لدى بعض القراء أو النقاد، فهذا الارتباط النسقى الذى يصل القصص ببعضها سواء فى مستوى التيمة أو الموضوع الخاص بمرض السكر، أو مستوى وحدة الشخصية التى هى المؤلفة نفسها حين تحضر باسمها وبكثير من محددات حياتها الحقيقية المعروفة، أقول إن هذا الارتباط النسقى يدّعم الشكل الجمالى ولا يسلبه أو يقلل منه أو يبعد القصص عن النوع الأدبي. وهنا أذكّر بتجربة الروائية الفرنسية الفائزة بنوبل آنى إرنو حين أثارت حالة من الجدل حول رواياتها، وهل هى روايات تنتمى صراحة لفن الرواية بتخييله ومجازاته أم أنها تنتمى للسيرة الذاتية. وقد كتبت حينها عن آنى إرنو بعد قراءة متمعنة وأدركت أن هذا محض شكل فنى يدعم الإيهام وإقناع المتلقى وجعله أكثر اندماجا فى عوالم هذا السرد، وبالمثل يحدث الأمر نفسه فى تجربة تيسير النجار فى هذه المجموعة القصصية، حيث نجد هذا الشكل داعما لتحقيق هذه العوالم القصصية والإقناع بأنها كلها عوالم حقيقية بكل ما حملت من لحظات القلق والأمل والحراك نحو النجاح والطموح وغيرها، وأننا أمام هذا الشكل السردى الذى يستعير من السيرة الذاتية بعض أركانها يجب ألا نحاسب الكاتب على أن كل ما يقول أو يسرد محض واقع نقله فقط من الحياة إلى الأوراق، فهذه مسألة فرعية، لأننا فى النهاية يجب أن نركز فى الخطاب الذى أمامنا، وإذا كان هناك من يعرف تيسير ويدرك حقيقة بعض المعلومات التى تسردها عن نفسها، فربما لن يتمكن قراء آخرون من التحقق من هذه التفاصيل، وسيظل الرابط بين القارئ وهذا الخطاب القصصى هو الميثاق الأدبى الخاص بنوع القصة القصيرة الشكل الذى أعلنت عنه تيسير النجار صراحة على خلاف كتابها، أو بنوع الراوية كما أعلنت آنى إرنو وأصرت على تقديم عملها تحت هذا العنوان. القارئ ليس محققا يتتبع ما طرح الكاتب فى قصصه ويتأكد إذا ما كان حقيقيا أم خياليا. 
لا يتوقف التجريب عند هذا الأمر، ولكن هناك جوانب أخرى فى سردها فى غاية الأهمية وبخاصة هذا المزج الطريف بين الأبعاد الحسية المرتبطة بالذائقة أو الطعام بكل تمثيلاته من الحواس من الطعم والرائحة والصورة البصرية، وبين الأبعاد النفسية والعاطفية وتلك النوافذ الخفية بين الجسد والعاطفة، فهذه القصص تعد تمثيلا دقيقا للمزج بين الحسى والعاطفي، بين ما يشغل الجسد وما أو يمثل تجليا له سواء الطعم والرائحة والجوع والعطش والشبع والارتواء بما هو سلبى منها أو إيجابي، وما ينتمى للعاطفة من الرغبة والاشتياق والصبر والأمل والألم والحزن والرضا والتطلع أو الاحتياج أو الاستغناء، لنكون فى النهاية أمام خطاب سردى يعمل على إنتاج تشكيلات دلالية عديدة بصورة آلية أو عبر ارتباط طبيعى بين الجسد والعاطفة، وتصوير الإنسان فى بعديه اللذين يبدوان متناقضين وهما فى الأصل فى غاية الالتحام وبينهما نوافذ خفية وحتمية يصبح السرد البصير قادرا على كشف هذا الارتباط بصورة سلسة، فهذه القصص تعدّ نموذجا مثاليا للفن فى تعبيره عن الأبعاد الإدراكية للإنسان. فالذاكرة تصبح شيئا محددا، ليست مجرد فكرة ترتبط بالمشاعر والحنين والرغبة فى تذكر الماضي، بل تتجسد مثلا لدى الأم فى طعم البطاطا الحلوة التى أحبتها فى الإسكندرية وتقسم فى كل مرة تأكلها فيها فى الصعيدة أنها تختلف عن تلك التى أكلتها فى طفولتها، وكأن الطعم والذاكرة أصبحت مجرد مواقف من الحياة الراهنة. لكن المهم هو أن المعانى والأفكار المجردة أضحت متجسدة فى شيء محسوس وملموس وله صلة وثيقة بالطعام والحواس، وهذه مساحة إدراكية مشتركة بين البشر كافة، وبخاصة تلك المساحة بين البطل والتلقي، ولهذا فإن كثيرا من هذه القصص المؤثرة التى تنتقل بين اللذة والألم من نافذة واحدة هى نافذة الطعام مندمجا فى المرض، يصبح المتلقى منفتحا على الإحساس بها والشعور بأنه شريك فيها لأنها تتحدث عن اليومى والمعتاد والمألوف فى الحياة من ممارسات الطعام ولحظاته الحلوة ثم تحولا إلى لحظاته المرة متمثلة فى المرض بعد هيمنته على حياة بطلة هذه القصص.
من ملامح الثراء الدلالى فى قصص هذه المجموعة أن الطعام ليس مجرد شيء استهلاكى أو تتم ترجمته فى الأبعاد الحسية فقط، بل ينفتح دلاليا على أبعاد اجتماعية واقتصادية مهمة، فيرتبط هذا النسق الدلالى الأحادى المركز برحلة كفاح بطلة القصص من أجل تحقيق ذاتها وتحقيق كفايتها واستقلالها وحريتها، يتنقل السرد بين تموجات وتحولات من كيس الوجبة المدرسية لجيل فقير فى أواخر التسعينيات وأول الألفية وجيل أفضل حالا يمكن تسميته بجيل اللانش بوكس، لتكون هذه النافذة الواحدة والوحيدة نفسها قد أتاحت لنا مستويات من التعدد على مستوى الطبقة والزمن وتطور الأجيال وحالات نفسية كذلك من الاحتياج إلى الاكتفاء المادي، لكنه يبدو فى النهاية بلا جدوى، لأنها كفاية مادية فى وقت المرض.