عاطف محمد عبد المجيد
الكتاب: قصيدة النثر
المؤلف: سامى المسلمانى
الناشر: سلسلة كتاب المجلة العربية
«تلك الندوة لفتت انتباهى إلى أشياء كثيرة أبرزها سوء الفهم والخلط فى ما يتصل بتاريخية قصيدة النثر وأصولها وشروطها ومناخاتها المتشعبة، والوعى العميق بجمالياتها ومواطن الشعرية فيها».
هذا ما يكشف عنه سامى المسلمانى فى كتابه «قصيدة النثر» الصادر عن سلسلة كتاب المجلة العربية، معلنًا فيه بدايةً أن اطلاعه على نمط قصيدة النثر كان محدودًا، غير أن مشاركته فى إحدى الندوات الأدبية أتاحت له الفرصة لأن يتعرف على هذا النمط الشعري، وشجعته على مزيد من الاطلاع على أسسه الجمالية والإلمام بمنابعه الأصلية، خاصة من خلال المدونة الفرنسية حيث اطلع على رواد قصيدة النثر كبودلير، رامبو، لوتريامون، مالارمى وغيرهم، مثلما اطلع على المدونة النقدية الفرنسية، وعلى الكتابات العربية المتصلة بموضوع قصيدة النثر، وكذلك أعمال أنسى الحاج، يوسف الخال، قاسم حداد وأدونيس.
هذه الندوة جعلت المسلمانى يوقن أن الشعرية لا تتحقق فقط بالوزن والقافية، وإنما ثمة إمكانات عديدة لتحققها، ورغم اتفاقى معه فى هذا الرأي، إلا إننى أختلف معه فى ما ذهب إليه من أن قانون العروض ساهم فى جمود الشعر العربى لقرون عديدة، ذاكرًا كم ساءته الأحكام المسبقة التى يتشدق بها نقاد كثيرون ويطلقونها جزافًا على قصيدة النثر دون علم أو دراية بعوالمها، دون أن يشك فى أن قصيدة النثر شكل شعرى وفد إلينا من الغرب، مشيرًا إلى أن التحولات التى تطرأ على الواقع تساهم فى بناء آفاق جديدة لمفهوم الشعر وتؤثر على الذات الشاعرة فى علاقتها بذاتها وبمحيطها من ناحية، وفى علاقتها بالشكل الشعرى من ناحية أخرى، مرددًا ما قالته سوزان برنار فى حديثها عن العوامل التى أفرزت قصيدة النثر الفرنسية من أن النثر الشعرى مثّل أول مظهر للتمرد ضد القواعد القائمة والطغيان الشكلى الذى مهد لمجيء قصيدة النثر، وهو تقريبًا، يقول المسلماني، الملمح نفسه الذى نتلمسه متى ما حاولنا الوقوف على الممهدات التى رافقت ميلاد قصيدة النثر فى الشعرية العربية، إذ يُعتبر أمين الريحانى وجبران خليل جبران من أوائل الذين كتبوا النشر الشعري، أو الشعر المنثور، وهما يعتبران الدرجة الأخيرة فى السلم الذى أوصل الشعراء إلى قصيدة النثر كما يقول أدونيس، غير أنى رغم تسليمى واقتناعى بأن قصيدة النثر فن شعرى جديد وقائم لا يمكن إنكاره، إلا إننى لا أتفق تمامًا مع من يقولون بأن قواعد العروض هى التى أدت إلى ظهور قصيدة النثر إذ إن الشاعر الموهوب بحق يمكنه أن يبدع حتى فى أضيق القواعد وأشدها وأعنتها، لذا لا أتفق مع الكاتب وغيره ممن يرون أن الشعر الحر القائم على مبدأ التفعيلة ساعد على زيادة تقريب الشعر من النثر.
أسئلة عديدة
المسلمانى الذى يطرح هنا أسئلة عديدة تدور كلها فى فلك قصيدة النثر منها: هل يعيق النثر شعرية قصيدة النثر؟ فيمَ تتجلى مواطن الشعرية فى قصيدة النثر؟ ما هى حدود العلاقة بين قصيدة النثر والأجناس النثرية خاصة القصة؟ هل تفقد قصيدة النثر شعريتها عندما تقترن بالقص؟ ما هى وضعية القصص فى قصيدة النثر؟ هل يبقى القص كما هو أم يتلون بمنطق الشعر؟ ما الذى يتولد عن التقاء الشعر بالقص فى قصيدة النثر؟ هل هى الفتنة أو هو التآلف؟ يرى أيضًا أن الصورة الشعرية فى الشعر التقليدى قد عولت على البلاغة وما يوفره علم البيان من تشبيه واستعارة ومجاز، مثلما يتوقف أمام الصورة فى قصيدة النثر واصفًا إياها بأنها اتخذت مناحى أخرى جديدة إذ أصبحت، وفق رؤيته، مرتبطة بنفسية الشاعر وأعماقه وغدت أكثر شمولًا من حيث قدرتها على التعبير والإيحاء بالعالم الخارجى والداخلي، مشيرًا إلى أنه مع قصيدة النثر أصبحت الصورة ظاهرة لغوية بامتياز، إذ لم تعد تتولد من الحدود البلاغية الضيقة وهجرت الخطاب البيانى والمنطق الخطابى المؤطر والمحدد وغدت شديدة الارتباط باللغة فى تحررها وانطلاقها وسعيها المحموم إلى أن تقول أكثر مما كانت تقول. المسلمانى الذى يؤيد فكرة أن الشعر التقليدى انطفأ وخبت ناره فى حين أن قصيدة النثر خلخلت المنظومة الشعرية التقليدية بما هى خروج على تكلس قوانين هذه المنظومة، وراحت تشتعل وتتوهج عنفوانًا وجدة، يتبنى كذلك الرأى الذاهب إلى الإطاحة بمركزية الخطابات القديمة التى همشت الجسد وأمعنت فى إذلاله، وأن أهم ما يميز قصيدة النثر عن النثر عمومًا والأشكال الأدبية النثرية هو اللغة، إذ هى أداة قادرة على سد الفراغ الذى قد يتركه الوزن والقافية وهى علامة فارقة ترتقى بقصيدة النثر إلى سدة الشعر، ولعل، يقول الكاتب، من أبرز خصائص اللغة الشعرية فى قصيدة النثر هى النزعة الإيحائية، إذ لم يعد على اللغة أن تبلّغ المعانى المنطقية وأن تنقل الواقع بصورة مباشرة ومفرطة فى العقلانية، بل أصبح يراد منها أن تقول أكثر.
من النثر إلى الشعر
ما يرى الكاتب أنه استنتجه هنا هو أن قصيدة النثر شكل شعرى قُدّ من النثر إلا أنها مسكونة بهاجس التنصل من خصائص النثر حتى تتحول إلى قصيدة، معتبرًا هذه المسألة من أبرز علامات ديناميكية قصيدة النثر وتوترها، إذ تنطلق من النثر لتصل إلى الشعر، معتقدًا أنها شكل شعرى مخصوص يبحث من خلاله الشاعر عن تجديد ذاته واكتمالها وعن ولوج مناخات جديدة، فهى تمنح الشاعر إمكانات متنوعة متيحة له التحليق فى آفاق الشعر لما تتميز به من تمرد وحرية، مرددًا مقولة سوزان برنار: إن قصيدة النثر نوع من التمرد والحرية، هى أكثر من مجرد محاولة بسيطة لتجديد الشكل الشعري، إنها مطالبة للروح، ومظهر للكفاح الذى يستأنفه الإنسان دائمًا من جديد ضد مصيره، مشيرًا إلى أن شعراء قصيدة النثر يسعون إلى تشكيل رؤية فنية، متحررين من أعباء الوزن والقافية، منطلقين إلى آفاقهم، إذ تمنحهم قصيدة النثر هامشًا أكبر من الحرية فى إبداعهم، وبما أن اللغة، يقول، تمثل مادة الرؤيا فإنهم يجعلون عملهم الرئيس داخلها، بحيث يحاولون استعلال قيمها الدلالية الإبداعية لذلك تتراسل وتتواشح اللغة النثرية من جماليات القص والسرد فيغدو الإبداع شهوة عارمة يتقاطع فيه الواقع والحلم عبر تقنية السرد. كذلك يرى المسلمانى هنا أن قصيدة النثر تستلهم من السرد مقوماته وأسسه لتمسك بالأنا والآخر، بالمكان والزمان، بالماضى والحاضر والمستقبل، وبالوجود بأسره فى لحظة شعرية كونية، ومن هنا يتحقق للشعر وجه من أبرز وجوهه وهو ترجمة للحظة الإنسانية الوجودية الشاملة، ذاكرًا أن شعراء قصيدة النثر قد عمدوا إلى تفكيك الجملة عبر حذف نواتها وبعثرة مضامينها وتحطيم أنساقها مما سمح بظهور الجملة الفوضوية التى تخترق الأنساق والنظم وتنأى عن الصبغة النفعية التبادلية، وبذلك حاول شعراء قصيدة النثر إنشاء لغة جديدة هى لغة الروح واللاشعور.

جدارية الذكريات الملونة: تحولات صورة الوطن
كتابى : المقادير.. سيرة سيدات المحروسة فى مطلع القرن العشرين
ذلك الطعم البعيد:الجماليات الإدراكية والسرد عن تقلبات الحياة






