انتصار عبد المنعم
الكتاب: جدارية الذكريات الملونة
المؤلف: هيا صالح
الناشر: الآن ناشرون وموزعون
ثمة قصص وروايات عن اللجوء وحياة المخيمات، تختلف فيها الأمكنة، لكنها تتشارك جميعها فى المعاناة والهم الإنساني. «جدارية الذكريات الملونة» رواية للكاتبة الأردنية هيا صالح، تتناول محنة اللجوء والعيش فى المخيمات، لكنها لم تُسم المخيم، ولم تذكر أطراف النزاع الذى يتمحور حوله السرد، ولم تحدد الفضاء الزمانى الذى تدور فيه أحداث الرواية، فالحروب والنزاعات منذ بدء الخليقة، وبإمكان القارئ أن يسقط الأحداث على أى بقعة تتحدث العربية كون شخوص الرواية تحمل وسوما عربية.
«جدارية الذكريات الملونة»، صدرت عن «الآن ناشرون وموزعون». وإن جاء تصنيف الرواية للناشئة، إلا إنها تناسب القراء من مراحل عمرية أوسع لموضوعها الآني، وطزاجة الأحداث واعتمادها على الشعور الإنسانى فى السرد على لسان فتى فى الخامسة عشرة من عمره. فى ثلاثين فصلا يحمل كل منها عنوانا فرعيا، وعبر مجموعة من الاسترجاعات والاستباقات، يسرد «يحيى» مشاهد من حياته فى مخيم لجوء لم يسمه، ومراقبته حياةَ المخيم وهو يتمدد ويكبر ويصبح أشبه بمدينة، لكنها مدينة مؤقتة مصنوعة من الصفيح ، كل فرد فيها يتوق لمغادرتها والعودة إلى بيوتهم الحقيقية، وقصة فقدانه للذاكرة فى رحلة الفرار من الحرب، وامتلاكه لمقدرة خاصة مكنته من عبور ذكريات جدته، وجيرانه فى المخيم، وانتقاء ما يريد منها كى يبنى لنفسه ذاكرة جديدة بجذور ممتدة من الماضى وتزحف به نحو المستقبل.
يبدأ السرد فى مخيم اللجوء، وانهماك يحيى «بلا إرادة منه» فى رسم بيت على كل ما يصادفه من مواد فى المخيم، تارة بالقلم الرصاص، وتارة أخرى بمسمار حديد، يدفعه شعور باطنى دفين بحاجته لما يمثله «بيت» من أمن واستقرار، ملقيا باللوم على يده التى لا يستطيع كفها عن الحفر وإزعاج من حوله بصوت المسمار. جاء الرسم بمثابة تعويض لكل ما يفتقده من مشاعر وذكريات لا تتولد إلا فى بيت/ وطن. فإذا كان الأطفال هم من يدفع الثمن الأكبر لصراعات وحروب لم يبدأوها فى الأساس، وليس بيدهم إنهائها بطبيعة الحال، إلا إنهم يستطيعون تعويض حالات الفقد بطرق متعددة، يتحايلون بها على الواقع المزرى من حولهم، مثل يحيى الذى لا يكف عن رسم ما يفتقده «بيت/ وطن».
يبدأ معمار الرواية المقسم إلى ثلاثين فصلا، بعنوان» اليد ترسم»، جاء فيه السرد بضمير المتكلم على لسان يحيى»رسمت بيتا»، ثم ينطلق منه بناء نفسى للرواية/ الراوي، يقوم على ثلاث حيوات أو ولادات: «ولدتُ فى بلدةٍ صغيرةٍ عام 2006، ولدتُ فى مخيم كبير للاجئين عام 2012، وها أنذا أولد من جديد». وعبر هذا البناء النفسي، يرسم ملامح فقدان البيت/الوطن وما كان يمثله من حزمة شعورية جميعها تُحيل إلى الأمن والأمان والشعور بالاحتواء. ولد يحيى فى بيت من الطوب، لأب يعمل مهندسا زراعيا وأم معلمة، وجدة أمينة مكتبة، فى بلدة صغيرة ، كانت بالنسبة لهم العالم الفسيح. وتحدث الحرب ويضيق العالم، ويفقدوا «البيت» وكل شيء. فى المخيم، بعد تمكنه من الفرار من القصف مع عائلته، أصيب بالحمى وسقط فى غيبوبة، وعندما استيقظ، تكتشف الطبيبة أن الفيرس التهم ست سنوات من ذكرياته المخزنة فى الدماغ ومعها ضاعت صورة البيت/ الوطن، ويفقد مدلول كلمات ليست لها وجود فى المخيم، فبيتهم كان من الطوب، وهو نشأ لا يعرف إلا الخيام والصفيح . كان لديهم بستان يتشاركون فيه زراعة الخضروات وتربية الحيوانات، كل ذلك أصبح ذكريات يحكيها له الآخرون، ست سنوات من عمره أصبحت مرويات لا يعرف الواقع منها والمتخيل ، فى كل الأحوال، جاء المخرج فى تمكنه من السباحة فى ذكريات من حوله، وبناء عالم يخصه يعوض به ماضيه.
فى المخيم، يبدأ ميلاده الثاني، بلا ماض يثقله، وتتشكل هوية جديدة لطفل فى السابعة من عمره، ستتكفل حياة المخيم بتسريع نضجه فى مراجل تفور بلا انقطاع. وتتلبس يحيى حالة من الحنين إلى»البيت»، فيرسمه على كل شيء يصادفه، لكنه لم يتجاوز الشكل الخارجى له، فكما أرجع مسؤولية عملية الرسم إلى يده، بلا إرادة واعية منه، أرجع عجزه عن رسم تفاصيل للبيت إلى قوة غريبة تسيطر على يده وتجعله غير قادر على رسم المزيد من التفاصيل. فالحاضر يفتقر إلى صور ذهنية تضاف إلى الصورة المخزونة فى ذاكرته الكابية، ففى خيمتهم، لا شيء إلا الظلام وأطفال بقصص فقد متشابهة.
فى السابعة من عمره، شهد يحى أول حادثة موت، ويحكى عن نادين الناجية الوحيدة من أسرتها، تعيش مع جدتها «هنية/أم عزيز»، لكن الجدة تصاب بشظية فى صدرها، تحولت إلى خلايا خبيثة زحفت إلى العظام وانتهى عمرها. تتحول طقوس الدفن إلى وداع مسافر، المعزون يرسلون مع أم عزيز الرسائل إلى من سبقهم من أحبة من أمهات وأزواج وأطفال أكلتهم الحروب. المحروم دائما يحلم ويتحدث عما ينقصه ويتوق إليه، فالقبر فى نظر من فقد بيته ووطنه، بيتا ثابتا معلوم العنوان. عندما سمع يحيى أحدهم يقول أن أم عزيز ستذهب إلى بيتها الجديد، الذى لن يجرؤ أحد على إخراجها منه، صدق بالفعل أنها انتقلت إلى بيت جديد فى السماء، وأن النجوم التى يراها هى تلك البيوت.
يتكرر ذكر كلمة «بيت» كثيرا على لسان يحي، تسكنه فكرة البيت وتلح عليه، تدفعه لسؤال جدته عن الكتاب الذى تحتفظ به عن أسطورة «هيستيا»، التى تعيش فى البيوت لتحميها من الدمار وتجعلها آمنة. تتسلل الأسطورة إلى عقله الباطن، تحرره من قيد رسم هيكل البيت لأول مرة، ليرسم وجه هيستيا. فما جدوى وجود بيت إن كان لا يستطيع حمايته من الدمار؟ يحتاج إلى وجود هيستيا أولا كى تحمى البيوت وتدفع الخطر عن ساكنيها. فى عقله الباطن، أدرك الصغير أن البيت/ الوطن يتجاوز البناء المادى من طوب وإسمنت وحديد، ليشمل الشعور بالأمن والاستقرار وسط عائلة فى مكان آمن.
حياة اللجوء، تظل عناوين صالحة للترويج لأعمال أدبية تؤنس الآمنين فى بيوتهم/أوطانهم، لكنها لا تصلح لمن أجبرته الحرب على مغادر بيته/ وطنه، لا يحمل إلا «صرة» ليس فيها إلا فضل متاع . جدة يحيى لم تتمكن من حمل أغراضها بينما تتساقط عليهم حمم النار وتحرق كل ما على الأرض. تفقد الجدة كل شيء، لكنها حرصت على حمل ما تبقى من فكرة البيت/ الوطن معها؛ قطعة من بلاط بيتها، ألبوم صور، كل صورة فيه تمثل حكاية عن الأهل/الوطن، وكتاب أساطير تقرأ فيه أسطورة هيستيا التى تحمى البيوت فتشعر معها بدفء الذكريات، قال الشاعر الفرنسى دوبان «الشعب الذى لا أساطير له يموت من البرد»، وهكذا جاءت أسطورة «هيستيا» تتناسب مع واقع النزوح واللجوء والتعلق بأمل غيبى يحمي/ يرجع به البيت/الوطن.
وقت الحروب والنزاعات، يغادر الناس بيوتهم/ وطنهم يحملون القليل فى صُرر، و»صُرَر الرحيل» المادية خفيفة وصغيرة ليسهل عليهم حملها فى عمليات النزوح، لكنهم دائما ما يكونوا مثقلين بالذكريات، يحملون عاداتهم وتقاليدهم وروائح البكور فى وطنهم، فإن أفقدتهم الحرب وطنهم المادي، فليس أمامهم إلا التمسك بأفكارهم عنه، ويصبح الوطن كيانا خياليا يحملونه معهم فى كل مكان.. هكذا بنى «يحيى» وطنه الخاص وهو يسرد قصة حياته الأولى التى فقد ذكرياته عنها بفقده البيت/الوطن، وميلاد ذاكرة جديدة فى المخيم استطاع مدها إلى الماضى بقدرته الغريبة فى رؤية ذكريات الآخرين، تلك المقدرة التى فقدها فور هجرته إلى بلد أجنبى بعيدا عن جدته ووطنه، ليتحول الوطن إلى مجموعة صور فى ألبوم ورثه عن جدته، ومجموعة لوحات رسمتها يده، ترك أغلبها فى المخيم معلقة على الجدار الذى شيده بالطوب، وحالة شعورية طازجة تربطه بنادين المهاجرة إلى دولة أخرى، وأمل فى مستقبل يجمعهما معا.

كتابى : المقادير.. سيرة سيدات المحروسة فى مطلع القرن العشرين
قصيدة النثر: بحثا عن لغة جديدة
ذلك الطعم البعيد:الجماليات الإدراكية والسرد عن تقلبات الحياة






