ممدوح رزق
يُنظر لسن الأربعين عادة بأنه مرحلة «تقييم الزمن»: التحوّل من «كم عشت؟» إلى «كيف عشت؟»، وكأن قصة «من غير ليه» تجيب بدءًا من عنوانها على تلك الحيرة المختنقة أمام سر ما يبدو فشلًا فى «إدارة العمر»
حكمة شائعة بصوت أب ميت، تضيء حلم الراوى فى قصة قصيرة؛ كيف يمكنها أن تتحوّل إلى «شفرة حِداد» لقصص هذا الراوى؟ «أخذ الحق حرفة، وطولة البال تبلغُ الأمل». ماذا لو كان «الحق» هو «الوجود الغيبي» المناقض لحياة / موت الراوى، و"الحرفة» هى «الحلم» نفسه؟ يمكن لقصة «أنفاس هائمة» أن تفتح «شرفات الأربعين» إذن؛ تتيح للعابر أن يتلصص على «الأمل"؛ ليس التحديق إلى ما نظر إليه حسام الدين فاروق عبر قصص هذه المجموعة، الصادرة عن دار روافد، وإنما ما أراد فى صمت البصيرة أن ينظر إليه.
"على الأقل فى مرحلة المفارق، أنت فى قمة الإثارة والقدرة على التخيّل واتخاذ القرار، بعدها يصبح الأمر كرجع الصدى».
الحلم فى قصة «شرفات الأربعين» يعيد الراوى إلى «مفترق الطرق»، أى إلى اللحظة التى يكون بوسع هذا الراوى خلالها أن «يتخيّل» مسارًا من بين ما يبدو أنها «احتمالات» متاحة للانتقاء. نلاحظ هنا الاتساق المنطقى بين «التخيّل» و"الاحتمال»؛ فالمسار لا يُقصَد، مهما بلغت واقعيته، إلا بوصفه تدبيرًا ذهنيًا متأرجحًا. خلقًا وجدانيًا للمسار نفسه قبل أن يكون خطوًا فعليًا. ما يعود إليه الراوى بالتالى هو ماضى الحلم، حينما كانت هناك لحظة قديمة، مندثرة، تسمح بتكوينها خياليًا، وتُختّبر من خلالها «الاحتمالات». ما الذى يعنيه ذلك؟ إن زمن الحلم «الأربعين» هو وعى الراوى بموت ذلك الماضى، بتبدد الإيهام الذى يرتكز عليه «الخلق". لكن الحلم لا يسترد «مفترق الطرق» فى صورته الزائلة ولو على نحو غائم، وإنما بما يجعله رثاءً لما يسبق «الاحتمالات»، ما يتجاوز لعبة الخيال، الوجود المحصّن للراوى، أو ما يؤكد أنه لم يكن ثمة مسار يمكن انتقاؤه أصلًا.
"لم تكن تلك هى المرة الأولى التى أستقل فيها الطائرة، ولكنها الأولى التى أكون فيها وحدى وباختيارى، كان زملائى يعرفون مدى خوفى من الطيران دون إدراك السبب، فكانوا يلهوننى أثناء الإقلاع والهبوط، أنا اليوم وحدى، مُتحدٍ خوفى، مُولٍ ظهرى شطر العمر الذى مر».
رحلة الراوى فى هذه القصة هى «حلم»، محاولة لـ «أخذ الحق»، لكنه «الحق» الغامض، الأبعد من الرحلة ذاتها. سفر ينسج «الحركة»، لا يؤديها، يرسم «الانتقال» دون إزاحة، هو انتقام من وهم التخطى إذن، كأن معاقبة الأمل هو الأمل نفسه. رحلة إلى «ما لم يكن قابلًا لأن يحدث» استنادًا إلى «ما كان يمكن أن يحدث» خياليًا. إيماءة نحو الذات الغيبية للراوى التى لم يمتلكها، تمر عبر الحلم. تلك «حرفة» الراوى. لا يعود الراوى إلى ما كان قادرًا على إبصاره من «المسارات»، وإنما إلى تمزيق السراب المتنكر فى «مفترق طرق» لكى يوطد ما لم يكن مقدرًا له أن يعيشه. الحق الأصلى فى «الكمال» الذى انتّزع منه لكى يكون، فى المقابل، محض شيء عالق فى الفناء، لا يحدّق إلى ما كان عليه، بقدر ما يختلس عزاءً من العدم.
"لأول مرة أكتشف كيف تسمو الطائرة: تحرُك للأمام ببطء، عودة للخلف ببطء أيضًا، تقدُم للأمام بسرعة، خيوط القلب، صعود الروح، استقرار، توازن، مطبات، يسارًا، يمينًا، ارتطام، هبوط».
الحلم يصنع من «مغامرة» السفر نوعًا من الاستراق لما يتخطى «واقع» الأربعين، نكوص أسطورى، يفكك هذا الواقع دون أن يتوقف عند لحظته الأولى «ولادة المسافر»، وإنما يتجاوز ذلك الجسر القهرى نحو «المطلق» الذى لا يمكن استعادته. لنتأمل اكتشاف الراوى لما أسماه «سمو الطائرة": حركتها واستقرارها وتوازنها. يتقمص الحصانة الغائبة للذات من التأرجح والسقوط بينما ينظر / يطل من السماء، من «التعالى» المستبعد لكينونته. هنا تعمل «الحكمة» الرابضة فى الحلم عبر التماهى / إعادة تكوين «الضآلة"، «الابتسامات العابرة"، «التفاصيل المرئية»، «البراح»، «الكلمات» كأنما يخوض الراوى طقسًا صوفيًا يتقدّم من «الاحتضان» إلى «التطهّر» إلى «التجلى». لكنها حكمة مأتمية؛ ذلك لأنها تتوحد فى جوهرها بالخذلان الاستباقى للأمل، وبكل ما يُحتمل من لذة ناجمة عن هذا التوحد، بعدما كانت محض استغراق فى اليأس من «مرور الزمن». هو طقس صوفى مضاد إذن بفعل الحلم؛ الراوى فى خفاء بصيرته يحتضن الصمت البليد، الكامن فى ما قبل «مفترق الطرق"، يتطهر من «الخلاص»، يتجلى فى روحه «الجدار الكونى» الذى يوحى بـ «الشرفات» ولا يسمح بوجودها.
"سألها: «لماذا أنا؟»
تأخذ نفسًا عميقًا: «لأرانى قوية مثلك حينما أصل لعمرك الجميل، أستمد منك المعافرة والتفاؤل».
يتخذ الحلم فى قصة «بلوك» طبيعة «الكتابة»، ومن ثمّ تكون هى الأخرى «سفرًا» رفقة «قارئة». كأن هذه التجربة الحسية الشاملة بمثابة «فك الحبسة» التى تصل بالكاتب إلى ما يستبق «الاحتمال». الحلم هو الكتابة وبصمتها معًا. الفعل الاستثنائى وأثره الذى يمحو النهاية من قبل أن توجد بداية. يتجرد الانتقاء من أى موت. هنا يتحوّل ما هو محتوم إلى غنيمة. تُعطَّل الاتجاهات. تُرجأ المصائر. يُشهَر «الختام» كمرحٍ ذهنى، كطيف مقوِّض، ينبعث من غضب القيد، ليبلغ الزوال فى ذاته. يُكتشف الرثاء من شهوة «المعافرة والتفاؤل» كى يصبح «الرحيل» شاهدًا على ما لم يكن بوسع المسافات أن تمتد إليه. كتابة تنزع عن الـ «بلوك» الكونى قناع «العدل»، وتحوّله إلى لهو بأشباح الخرائط، وفراغ كفتى الميزان.
كيف ترانى؟
ـ ذكرى الاكتشاف، وبعدها نفقد الدهشة حينما نضعها فى المتحف، بقايا حضارة وفضلات مدن ومسخ قرى».
فى قصة «ألف وجه للذاكرة» يعيد الحلم تمثيل الشغف البدائى، وكأنه يجعل من الذكرى فعل «مقاومة» متعددًا، ومتجاوزًا لنفسه. ما يُقاوَم ليس التبدّل والطمس والفناء وحسب، وإنما ذلك «الإلغاز» الذى يمنع الذكرى من التحوّل إلى «خبرة نجاة لا تعوزها الهيمنة". نلاحظ طبيعة الحوار هنا التى تبدى تحريضًا على مقاربتها كـ «مونولوج» حلمى بين الراوى وذاته «المثالية» المهجورة أكثر من كونها حديثًا بين كهل أربعينى و"بطلة اللحظة الحميمية» فى طفولته. حوار كأنه تبادل بلاغى لـ «أقوال مأثورة» بين «احتمالين» يتجسدان مؤقتًا على مسرح الحلم لكى يتحدث «اليقين"، «السعادة"، «الرغبة»، «الجمال»، «الدهشة» ضمنًا عن أن الحياة تزيّف الحياة. لا وجود هنا يتعدى الاحتيال القسرى على الوجود. الحياة توجد خارج الضجر، أو حتى التهديد به. كان على كل شىء أن يولد أمنًا بلا اندثار، دون أدنى ثغرة فى حمايته من أن يصبح «بقايا» و«فضلات» بطريقة ما.
«تعرفين .. آثر حليم صمت الأربعينيين ولم يغنِها، ليشدو بها عبد الوهاب فى سن البوح، ويروى ذكرى غانيته الوحيدة».
يُنظر لسن الأربعين عادة بأنه مرحلة «تقييم الزمن»: التحوّل من «كم عشت؟» إلى «كيف عشت؟»، وكأن قصة «من غير ليه» تجيب بدءًا من عنوانها على تلك الحيرة المختنقة أمام سر ما يبدو فشلًا فى «إدارة العمر». لكن هذه القصة، وهو ما ينطبق على المجموعة بشكل عام، تحيل «صمت الأربعين» إلى مواجهة أكثر إبهامًا ومشقة. استجواب يخترق «محدودية الوقت» و«حتمية الموت»، ليصل إلى ما وراء «النضج»، وفقًا للتأمل الأرسطى، أو«الرسالة» كما فى الموروث الدينى، أو التنقية الانعزالية من «ورطة الخارج» مثلما تفترض ميثولوجيا التحوّل عن ذلك العُمر، أى إلى حيث لا يُجاب أبدًا على سؤال «الدافع»، فقط، خرس لائق بالرمز الأكثر ابتذالًا من أقدار ضحاياه.
أحوال القراءة
خمس منازل لله وغرفة لجدتى .. رواية البحث عن اليقين
ميشيل ويائيل: هل من سبيل؟






