أسامة ريان
فى روايته «ميشيل ويائيل»، الصادرة عن دار العين للنشر، يواصل الكاتب محمد على إبراهيم نهجه فى العصف بذهن قارئه فى ما يطرح من قضايا وبصياغات عميقة متجددة، ولا تأخذه به رحمة، فهو متأكد من صعوبة مِراس قارئه، فيبادئه بما يُحيره ويقض مِضجعه! فمن يصدق أن واقعة إلحاق المهانة بسيدة صعيدية «سعاد ثابت» فى سوقٍ ببلدتها فى المنيا تسوق إلينا هذا النص «المؤلم»؟
ولعل للواقعة أصلًا تاريخيًا (فى أسواق يثرب) حول إمكانية التسلط على الآخر – هنا الصعيدى بمقوماته العصبية والدينية- خاصة لو كانت امرأة فتتاشبك ردود الفعل وتتضارب، فى فتن هى كامنة أصلاً وأججها زمن الجماعات الإرهابية. وكما جاء بصدد هذه الواقعة فإن بعض أفراد جماعة إرهابية قاموا بتعرية جسد السيدة –المسيحية- العجوز فى السوق (بملوى بمحافظة المنيا) بين مظاهرمهانة وسخرية ليست من الدين فقط بل من عادات وتقاليد المكان، وهذا ما أثار تساؤلات حول تغير ما أصاب الهوية نفسها فى الزمان والمكان، فتبدوالظروف الحياتية هادئة، بينما تمورُ بالغليان فى باطنها. تتسبب هذه الواقعة المهينة فى بعث ذكرى مهينة أخرى كامنة فى وعى مدرس الألعاب (التربية البدنية) الشاب ميشيل، وهو المؤهل كملاكم بطل تستبعده المحافظة من البطولات، لأسباب توافق عليها المجتمع مستسلماً فى «المسكوت عنه»، فلم يعد يندهش عندما يطلق عليه الزملاء لقب الخواجة! والدلالة هنا واضحة، كأنها «أنت لستَ مِنّا!»، لكن تتسبب هذه المهانات المتلاحقة –صمتاً- فى بعث المهانة المبكرة الأولى فى وعيه الطفولى، فيحكيها فى مستهل النص «بفانلة وكيلوت ماركة جيل، أبيضين أقف خلف الباب الموارب، جسدى الضئيل – وقتها - يناسب ولداً لم يتجاوزعمره خمس سنوات» محقِقاً حالة خاطفة من التطلع المتشوق لدى المتلقى، يستكمل وصف بقيتها بصراخ ولطم أمه «الست إيفون» على حال والده – جيد عبدالمسيح - المُلقى أرضاً وقد هاجمه ثلاثة من ذوى الجلابيب البيضاء القصيرة لضربه وسبه، بينما رابع يحرس المشهد على الباب من الخارج وفى يده جنزير، وأنهوا هذه «المأمورية» ليلحقوا بصلاة الجمعة!
ينطق هنا راوٍ عليم – لعله الوعى الجمعي- يخبرنا بأن هذه «الغزوة» كانت لتأديب الأستاذ جيد – مفتش التموين المجتهد - وقد رفع محضراً بمخالفة مخبز الحاج خميس فى وزن الرغيف. يذكر الصغير أيضا مهاتفة بين أمه الست إيفون وصديقة لها تطمئن عليهم – كما لو كان حادثاً عادياً- تحمد الله أنهم لم يكسروا التليفزيون التليمصر الجديد وأن ابنتها كارولين –شقيقة الصغير ميشيل- لم تكن بالمنزل لتشهد هذه المهانة.
تتضاعف العبثية فى وصف راوٍ عليم بمعونة ميشيل – وقد كبر ونضج- لكيفية «لمّ» هذه المهانات عُرفياً (كما لو كان تمهيداً لتقبل تكرارها)، فيتبين أن هؤلاء المعتدين كانوا فى مهمة تأديبية لعائلة الأستاذ جيد لتربيته لكلب أسود ضخم (أشاعوا أنه يطلق عليه اسماً مقدساً)، ولا سيرة لقضية التموين (وغضب الحاج خميس)! يتواطأ الجمع مشايخ وقساوسة بمعرفة السلطة لتهدئة الحال (فى مشهد للعرفية نعرفه!)، ولمزيد من «نعومة» العرض والتبرير يتطرق حديث الأب مكاريوس إلى ضرورة زواج ميشيل لحمايته من عوامل انحراف تتزايد مع زمن الاتصالات وأساليب الغواية (للخطيئة). وبالطبع لا يعرفون بإقدام ميشيل الفتيْ على عدة مغامرات –جنسية- خلال سفراته إلى المدينة، لكنه يُطلع شقيقته المهاجرة «كارولين» عليها هناك عبر الأطلنطى، وقد هاجرتْ وزوجها إلى الولايات المتحدة فى ظروف اضطرابات يناير، ويسّر لهما الأمر فى الإجراءات المعقدة فى السفارة واقعة الست سعاد (والإشارة هنا إلى تأثير سياسى لواقعة «اضطهاد"). يقرّ قرار الجمع على ضرورة «تغيير جو» لميشيل العصبى المزاج، وأيضاً لتنفيس شحنة غضبية مما يدور حوله ويأباه عقله وجسده القوى، فيقبل بمكرٍ مقترحهم بحجز رحلة لعدة أيام إلى المنتجع فى نويبع، وخلسة يتخيل مغامرات ساخنة، لكن أيضاً يزوغ من مشروعات زواج تدبرها له أمه الست إيفون بمعونة عبر الأطلنطى من شقيقته، تغريه باستعداد للحاقِ بها وأسرتها بالمهجر، وهو أمر لا يتخيله.
وبالمقابل تطلعنا الشابة الجميلة يائيل – المثيرة المنطلقة - على ظروفها المجتمعية المناقضة لما يمر به الصعيدى ميشيل. فهى وحيدة زوج من المهاجرين، فأبيها ميشيتنير المحاسب فى شركة شيكولاتة «شتراوس» ببلدتهم نتسيريت عيليت «بشمال تل أبيب»، وقد أتاح لها ذلك وظيفة معه فى الشركة، وهو ابن لمدرس رياضيات ليتوانى هرب من مذابح النازى، وأمها استير يهودية مغربية تحتفظ بجمالها ولغتها العربية ولباقتها كخياطة لأهالى القرى المجاورة. تصف لنا يائيل رحلتها معهما فى السيارة «الفيات» إلى منتجع نويبع الجميل لقضاء إجازة وقد حجزوا لهذه الفترة على شبكة التواصل. ويتبين فى الرحلة بعض من طبيعة حياة هذه الأسرة وحرصهما على ابنتهما (تنتقد الأم بخفة عرى ملابسها) وتنوع أذواقهم فى الموسيقى والأغنيات أثناء الرحلة، ولا يفوت يائيل أن تخبر القارئ باصطحابها لعلب شيكولاتة كترويج لمنتجها مع «تى-شيرتات» عليها كتابات لمختلف المناسبات بين قطع ملابس مغوية. درست يائيل إدارة الأعمال وأنهت فترة خدمتها العسكرية وترى أنها – وجيلها- لاعلاقة لهم بمتاعب مرّت بها أجيالهم السابقة، فلهم حياتهم ومتاعبهم. ويبدو هذا فى متابعتها الناقدة لحياتهم، توجزها فى ملاحظتها لأزرار ياقة قميص أبيها المقفل دائما، خانقاً لرقبته (كما لو كانت تستحضر الصورة الذهنية لليهودى فى الأدبيات والسينما).
يبدو هنا تمام التمهيد لصدفة لقاء فى المكان (المتوتر أصلاً) قام بها الراوى العليم بمعونة رواة من شخوص الرواية من رواد المكان، كلٌ يعرف القارئ بنفسه، بدءًا من غموض مريب لأصحاب المنتجع من أثرياء يدركون مزايا التواجد فى حدود رخوة جغرافياً وثرية بجمالها الطبيعى البدوى، مع الأخذ فى الاعتبارحذر الحالة الأمنية شديدة الرقابة. ويتوالى رسم الشخوص فى خدمة المكان أثناء تجهيزات الإقامة، واستخدام السيارة –الدوبل كابينة- فى رحلات الأماكن الطبيعية القريبة على البحر والجُزُر بمناظرها الخلابة وقد توفر الكاتب على دراسة معالم المكان والمسافات بدقة وبمسميات ذات جذور تاريخية/دينية /سياسية(قلعة الزمان، ياميت)، وأيضا إمداد المكان بالأطعمة والمشروبات المتنوعة، حيث يتفنن الراوى العليم فى إبراز براعة الطهاة، وطرق التقديم غير التقليدية مع ضبط التوقيتات. قاد الكاتب برواته المتعددين هذا الحشد من رواد المكان بخفة ودقة يخدمان هدفه المضمر حول «ماذا سيكون سلوك هؤلاء البشر المتنافرين لأسباب غامضة إذا توافرت لهم حياة رغدة يحوطها الجمال والراحة؟» ودفع بكل هذا إلى اتجاه قصة حب ساخنة آثر أن يجعلها أقرب إلى حُلم جميل (يصعب تحققه)، لذلك سادت الجمل الإسمية النص ربما لتمنع أى تصور يقينى لتقارب حقيقى ممكن!
وجاء التعارف بحرفية يسرتها الرمزية كسبيل لاختصار وتكثيف، فيائيل طبعت –ضمن ما طبعتْ- طلبها للتعارف على الـ«تى-شيرت «الساخن، لمحتهُ - ميشيل - بسلسلته الذهبية يتدلى منها السيد المسيح على صليبه «يسبقنا جارنا المصرى الأسمر إلى طبلية العشاء، فى رقبته سلسلة ذهبية يتدلى منها حروف اسمه، بل لعله خنجر عربى غادر جرابه! يرتدى ملابس الملاكم الهاوى، بلون أزرق كلون ملابسى الداخلية.. أشعر برغبة مباغتة لكأس أو كأسين من النبيذ الأحمر". ولم يفُت الراوى إبراز حالة التوتر الخفى بين الرواد، تصور الخنجر فى طيات الملابس، وتوجس من مجرد المصافحة، ومن الشيكولاته التى ستوزعها يائيل عليهم كدعاية لشركتها «مسمومة أو ملغومة».
ومنذ مشهد مرورهما إلى غرفتيهما المتجاورتين بفاصل يسمح بتلصص ما، وقد بدا توهج شوقٍ إلى لقاء، توالت أحلام – مشتركة!- بينهما «دخل كل واحد منّا غرفته، لنخرج من باب العالم الخفى، طاولة صغيرة وحيدة تتوسط حديقة لم نتبين أسوارها، شجرٌ عجوز يتناثر حولنا، كل شجرة يتدلى من فرعها الأعلى جسد مات مشنوقاً، حاخامات، رهبان وقسيسون، شيوخ مساجد، وناس عاديون يقبض كل واحد منهم على كتاب مختلف..» ويبدوان فيها معا فى لقاءات ساخنة حميمة يرسمها البخار المتصاعد من جسديهما فى مرآة حجرته –منفصلاً- و تدور خلالها حوارات غير مكتملة من طرف واحد، حول أحوالهما وتصورات مستحيلة حول التقارب، تدخلت فيها ملاحظات خفية من أبويها كتحذير من الانزلاق فى علاقة «ونلحظ هنا تكثفًا ما لرمزية أن ميشيتنير هو صيغة ألمانية لاسم الملاك التوراتى ميشيل أيضا..»، وعلى الجانب الآخر يكون ظهورأسرتيهما محبطاً بعد الحلم الممتع –المتكرر- المؤكد للاستحالة فتسود بينهما حالة التجنب بين رقابة أصحاب المنتجع. وقد عبر عن هذه الحالة بحلم آخر يتبادلانه فيراها هو بصحبته على نيل ملوى ذاهبين للقاء أمه الست إيفون وتطبع هى قبلة على جبين الأستاذ جيد. بينما تراه هى بصحبتها يتسابقان إلى الجبل فى نتسيريت عيليت حيث تقع شركة الشيكولاتة «شتراوس» على قمته، ثم يهبطان للغداء فى بيت والديها شقة السيد ميشتينير والدها والست إستيرأمها التى أعدت لهما «الكسكس» المغربى اللذيذ، وساعدها الوالد فى إعداد «السخينة» اليهودية. تسترسل حالة الحلم هذه لتضم أطرافاً أخرى كشهود على هذه العلاقة المرتقبة كحل لمشاكل أزلية، فيأتى على لسانه الحالم «أخذتُ يائيل وانطلقنا نحو كارولين، كارولين قاومت الوهم لدقائق حتى تنتهى من تفحص يائيل جيداً، كارو قالت إن يائيل أجمل من العروس المرشحة لى من القوصية.. وفى رحلة العودة مررنا فوق رأس تمثال الحرية، رقصنا التانجو بينما نتنقل بين مسامير التاج السبعة.. ونلحظ اختفاء المشنوقين". يبدو هنا بوضوح دور كارولين «الأمريكية النفوذ والتصور» فى إمكانية تحقق «الحلم». وببراعة يواصل ميشيل حالة الحلم التى فرضها عليه راوٍ عليم ليحكى كيف خرج منها، وترك يائيل «يائيل غادرت كفها كفى، عدنا إلى غرفنا فى الكامب، استيقظنا ليجد كل واحد منّا كفه غارقة فى عرقٍ أبيض سميك". نلحظ هنا حالة واقع داخل الحلم وربما العكس، بما يدفع القارئ لتصورات متعددة حول مسار هذه العلاقة. دعمها خيال خصب استغل وجود «أمريكا» فى السياق ليحدث تقارباً – يبدو عالمياً- للقاء الأسرتين فى برنامج هوليوودى عالمى America’s Got Talent على شبكة NBC العالمية –كما لو كان يُشهِد العالم على هذا اللقاء. ومشهد آخر –سينمائى- تصفه هى يبدو فيه ميشيل منطلقاً بها فى سيارة فيرارى حمراء –تشبه سيارات أفلام الأمريكى إلفيس بريسلى فى الخمسينات- عقب إرساله لها رسالة بالعبرية –على موبايل طبعاً!- ينطلقان فى فيافى أمريكا ويستمتعان معاً بأغانى هى خليط من عربية وعبرية حول الحرية والحب (بوب مارلى)، ويبدو فى وصفها لهذا المصرى المغرى معها «حملنى عارية ووضعنى فوق الكابوت الذى يشغل مساحة كبيرة من السيارة، مساحة تليق باحتواء موتور ضخم يقدم أداءات أسطورية «. تتوالى سياقات خيالاتهما الطامحة للتقارب، فيكون لمشهد الاسترابة من تعارف أو لعب مباراة «بنج بونج» دلالة حول صعوبة هذا التقارب كما بدا فى أعين القائمين على المكان صالح الجعفرى ومحمد الخانكة ومروان، فتبدو لهم مهام إضافية كما بدا فى محاولة الجعفرى إلهاء ميشيل عن جمال يائيل بالزج بالفتاة سلمى –المساعدة فى الكامب- فى طريقه فى رحلات المناطق الخلوية. يأتى مشهد محاولة التقارب الوحيدة فى يوم الكيبور كما يؤكد الراوى العليم: «شاهدتْ ميشيل يخرج من مياه البحر وأمامه تقف سلمى، وجدتْ نفسها تنطلق نحوه يهتز صدرها حاملاً كلمات قميصها الجديد: Don’t wait for logical ending سقط كوب القهوة من صالح الجعفرى، بينما يائيل تمنح ميشيل علبة شوكولاتة عليها قلب أحمر.. ظل ممسكاً بأطراف أناملها، وأخرج بيده الأخرى خاتماً له فص جعران أزرق، وقبل أن يستقر الخاتم فى إصبعها، وفمها يأخذ طريقه فى الاستدارة كقمر يضحك، أيقظت إستير نويبع كلها.. « والإشارة هنا لصراخ أمها عندما وجدت أباها ميشيتنر غارقاً فى دمه.
تفتح المشهدية هنا -مع الصراخ- آفاق أرحب ZOOM حول قصة الحب البازغة (بين مواقف الخاص والعام) عندما يهرع أهل الكامب جميعاً لإسعافه، ما يكثف هنا تأويلات لا حدود لها حول هذه «القضية» التى لا تهدأ.
خمس منازل لله وغرفة لجدتى .. رواية البحث عن اليقين
انخدعنا
اكتمال مشروع «بالادات» لـكريم عبد السلام





