تتعدد أنماط القراءة وأحوالها، بل لا تكاد قراءة تشبه أخرى، حتى فى حالة الكتاب الواحد؛ فتفاعلنا معه يتباين باختلاف المراحل الزمنية والظروف الحياتية. بعض القراءات أشبه بآلة زمن، تحملنا إلى زمن مغاير، فتعيدنا إلى لحظة ماضية من حياتنا، وتأخذ بأيدينا إلى ذواتنا كما عرفناها قديمًا. يحدث هذا عادة حين نعود إلى قراءات الطفولة بعد عقود، فنغرق فيها مستعيدين ذكرياتنا عنها وتفاصيل حياتنا حين التقينا بها أول مرة، يوم كانت القراءة لذة لا تضاهى.
ومن تلك القراءات القديمة ما لا يصمد أمام قراءات لاحقة، فنقرأه مندهشين كيف استخلصنا منه متعة قصوى سابقًا، ونحاول استرجاع ما شعرنا به حينذاك، مشفقين على ذاتنا الطفلة إشفاقًا يشوبه شىء من الحسد.
لكن ثمة قراءات أخرى تنجو من تبدل الذائقة ومكرها، إما لأنها تصبح جزءًا من حياتنا ومن علاقتنا بالعالم نفسه، بمعنى آخر تصبح ملكنا، وتنفصل عن مبدعيها. أو لأنها أعمال استثنائية، وهذا النوع لديه دومًا الجديد الذى يخبرنا به مهما تعددت القراءات.
تتنوع القراءات الشبيهة بآلة الزمن باختلاف القراء وتباين ما قرأوه فى صباهم. بالنسبة لى يمكننى مثلًا إدراج أعمال الروائيين الروس الذى تعرفت على عوالمهم الأدبية باكرًا مثل تشيخوف وتورجينيف، وكذلك أعمال تشارلز ديكنز وألكسندر دوماس وإدجار آلان بو وغيرهم. مثل تلك القراءات شكلت حيواتنا وصارت جزءًا منها، بل ربما كانت هى حياتنا ذاتها وما عشناه على هامشها مجرد هامش، لا أكثر ولا أقل.
قراءات البدايات بريئة فى الغالب ولا تبتغى سوى المتعة، لكن ثمة أحوال أخرى نعيد القراءة فيها بالورقة والقلم ونُخضِع النصوص للفحص والتمحيص، فلا يصمد بعضها، فى حين يفاجئنا بعضها الآخر، مع كل قراءة، بجديد كان غائبًا عنا.
هناك نمط من القراءة يمكن تسميته «القراءة الآمنة»، أى الأعمال التى ننظر إليها كملجأ آمن نثق بأننا سنجد فيها دائماً منبعاً للمتعة والتساؤل والتأمل، لذا نعود إليها كلما خذلتنا تجاربنا القرائية الحديثة، وعلى رأس هذه الأعمال تأتى الكلاسيكيات وكتب الكتّاب المفضلين.
ومع ذلك، ومهما بلغ تعلقنا بهذه القراءات، لا مفر من المغامرة من وقت لآخر لاكتشاف آفاق جديدة، بل من المفيد العودة إلى كتب لم نكملها سابقًا لسببٍ أو لآخر، فأحيانًا نفاجأ بتفاعلنا العميق مع عملٍ لم نتحمس له فى محاولتنا الأولى لقراءته. فقد نبدأ رواية ما فى ظرفٍ معين، فتبدو مؤلمة لدرجة تمنعنا من إكمالها، لكن حين نمنحها فرصة ثانية فى ظرفٍ مغاير، نتساءل بدهشة: لماذا اعتبرناها كئيبة أو جارحة فى محاولتنا الأولى معها؟ متناسين أن حالتنا النفسية ومشاعرنا تؤثر بشكل مباشر على حكمنا على ما نقرأ.
غير أنه لا ضمانة على حدوث هذا مع كل ما لم يرق لنا فى القراءة الأولى، فكما تكفى قضمة واحدة لإخبارك أن الثمرة فاسدة، ينطبق الأمر على الكتب كذلك، لكن فى حالتها، مهما كانت القضمة الأولى لذيذة، لا ينبغى التسرع فى الحكم على أى عمل قبل الوصول إلى كلمته الأخيرة.
شرفات الأربعين: الحلم
خمس منازل لله وغرفة لجدتى .. رواية البحث عن اليقين
ميشيل ويائيل: هل من سبيل؟






