على الشعالى
« ما دمتُ قد قبلتُ أن أقطع القارات والمحيطات وأبقى لأشهر بعيدا عن حياتي، فلأكتب شيئا مختلفًا وطازجا، وليكن قِصصًا قصيرة هذه المرة » ، هكذا قلت لنفسى ما إن ابتدأ برنامج أيوا الدولى للكتابة، القائم على إثراء المشاركين بالأنشطة النوعية، وعلى خلاف كثير من برامج الزمالة، لا يقوم على تفريغ الكاتب للاشتغال على نصوصه فى المقام الأول، بل على منحه وجبة دسمة من المواد الأدبية والثقافية، ويضمن تفاعله مع كتّاب من مشارب متنوعة من مختلف أنحاء العالم .
وقد انتابـتنى وقتها حالة لم أستطع تفسيرها؛ رغبة صادقة فى الكتابة والإنتاج مصحوبة برهبة وقلق من إنتاج ما لا يليق برحلة مثل تلك أما وقد انقضت سنوات على تلك التجربة، ونشأت مسافة تسمح لى بالنظر إليها من الخارج .. فيمكننى القول إن تلك الحالة كان فى لبّها الخوف من التكرار، والعزم على كسر الرتابة والانعتاق من العادات الأدبية؛ تلقيًا وإنتاجًا .
كيف أتلافى هدر الوقت والعودة خالى الوفاض؟ أيوا مدينة الشباب والخضرة، يتخلّلها نهر هادئ ومسالم، مدينة لا تتعالى على ضيوفها؛ حيث يمكن تغطية جزء كبير منها على الأرجل، وتحيط بها الحقول بامتدادات شاسعة، وبهذه المواصفات فقد كان لها وقع السحر عَليّ، أنا القادم من دبى العصرية والسريعة، المشغولة بالتطوير والبناء، دائما، بل أبدًا .
طالما كان الصوت الداخلى للكاتب مشحونًا بالتردد، إلّا أننى لم أسمح لذلك أن يثنـينى عن المضيّ فى مشروعى القصصى كما أن التأمّل فيما قام به الزملاء من مغامرات أدبية ومحاولات جريئة بعث فيّ الطاقة للاستمرار، فالساردون منهم اقتحموا مضمار الشعر، وسعى الروائيّـون لخلق نصوص هجينة أو عصيّة على التجنيس، والشعراء كتبوا نصوصا مفتوحة بأصوات جديدة .
التجريب للمبدع ضرورة لا رفاهية، وقد كنت أكتب مستمتعا بتحريك قلمى فى مساحات بكر تشعل جذوته، وذلك بعد أن صدرت لى خمس مجموعات شعرية وكتب ونصوص أخرى .
نعم .. أردتُ أن أولد من جديد، كائنا يكتشف ما حوله، ويتعرّف على الأشياء ويختبر الدهشة، أليست هى الأم كما قال أرسطو؟ أردتُ أن ألتذّ بطزاجة اللغة والمعانى فى تجلياتها المختلفة، أردت أن أمارس طفولة أدبية فى نسجِ قصص تشبهني، قصص مَعينُها تجاربى ومشاهداتى وشواغلي، قصص تراوح بين الخاص والعام فى ديالكتيك خفيّ .
كما هى البدايات، كانت ثمّة عثرات وصعوبات على صعيد توليد الأفكار وصياغتها، إلا أننى سرعان ما وجدت نفسى منسجما مع ذلك الفن الأدبى القائم على التكثيف دون إفلات الخيط السردى، تجعلك محدّداتُه حذرًا من أى إفراط يُفقد النص عنفوانه وتدفّقه، أو تفريط يُسقط أحد عناصره فيختلّ معماره، إنه فن الدقة والقَصدية، وللتاريخ فإننى لم أشعر بغربة فى كوكب القصة القصيرة، فهى صِنو الشعر من جانب أو آخر .
بالتوازى مع كل ما مررت به وأنا أشتغل على النصوص فى جوانبه الفنية .. وجدت نفسى أمام مرآة شديدة الوضوح، مرآة لنفسى وتاريخى وشواغلى، أمتح من قعر القلب، وأجول فى ذكرياتي، ومواقف حياتى، لا الفاقعة فى فرحها ومأساويّتها فحسب، بل باستدعاء ما بدا فى وقته أكثر الأحداث عاديةً وعبورًا أيضا. يا لها من مرآة صريحة للذات، فباكتمال النصوص وقراءتها رأيت كيف أن الزمن يفعل فعله بتشكيل الذاكرة؛ يخطّ فيها، ويضرب بأزاميله بحنكة العارف، ناحتًا إيّاها بأخاديد ونتوءات تمنحها ملامحها، ومُكسِبًا صاحبها شخصيته بانزياحاتها، بحمولاتها وتشوّهاتها وجمالها، بمواقفها الصارخة كما بآرائها الخجولة، بإشراقاتها وانكساراتها .
وبالنسبة لشخص قضى عقودا فى تعاطى وإنتاج الأشعار المقتصِدة فى كلماتها ومحاورها، وجدت نفسى فى بحر هائج، منهمكًا فى التجديف لا همّ لى سوى الوصول لبرّ الأمان، وأظنه إمتاع القارئ بنصوص فريدة ومشوّقة. لم يكن الأمر كالشعر فى إيلائه مساحة معتبرة من الفردانية، ولا فى قبوله للتطويع والخروج عن المألوف، بل كلّما أخذت فنجان قهوتى فى أحد مقاهى أيوا، وفتحت حاسبى مواجهًا الورقة المضيئة .. أدركت أن علىّ أن أسعى لأبدع وأغترف من خيالى إنما وفق معمار فنى واشتراطات، أن أرقص إنما بانضباط، إن جاز التعبير، أن أتحرك بسرعة وخفّة فى غابة المعنى معتـنيًا بعناصر عديدة فى وقت واحد؛ الشخصيات والأحداث، الزمان والمكان، والمدلولات الثقافية والأعماق الفلسفية، وجوانب أخرى كثيرة جعلت الكتابة بالمقارنة بالشعر كالمشى على حبل رفيع، وأحالت المراجعة عملية مربكة ومضنية، وقتها .
صدرتْ المجموعة القصصية بعد عودتى من الولايات المتحدة بأشهر قليلة، اخترت لها عنوانا يتضمّن الرمّان بصورته البهية، ونكهته المخاتلة التى يشاكسها قومى بإضافة الفلفل أو الملح، كأنما ليقولوا إن الرمّان يستأهل معالجة خاصة لأنه مختلف عن الفواكه كلها، بلونه الشجاع، وحضوره القوى غذاء ودواء فى حياتنا فى الشرق، وما يقدمه من وفرة .
ما زلت أتذكر جيدا كيف كانت جدتى كلما تناثرت حباته أو سقطت من يدى وأنا صغير تحذّرنى أن ثمة حبّة تحوى سرّا أو بَرَكةً ما؛ حبة من جنة عدن، كما أتذكر: « فيها فاكهة ونخل ورمّان» ، الرحمن 68، حيث يُذكر الرمّان وحده، مقابل الفاكهة كلها، والنخل بأنواعه .
حازت المجموعة فرصة أن تناقشها أندية قراءة عديدة فى مدن الإمارات، يعرّفوننى فى المقدمة بالشاعر والناشر، فى تصرّف غير مبرّر يضع حاجزًا بينى وبين فنّ القصة من الدقائق الأولى، مع علمى أنه يحدث بنيّة حسنة أساسها الإشادة بقدرتى على التنويع والتجريب، ثم يشرعون فى مناقشة القصص بفضاءاتها المتباعدة أحيانا، والمتقاطعة أحيانا أخرى، بتنويعاتها المعمارية وأحلامها وكوابيسها، بمكرها وبراءتها ومضامينها العميقة، فأجدنى منساقا إلى حوارات منعشة، فالبعض يناقش الأفكار من حيث هى، وآخرون مشغولون بالظواهر الاجتماعية الواردة فى المجموعة لنقدها وتحليلها، من احتكار تجارى وتسارع الحياة المدنية والخيانة الزوجية واجتماعات الأصدقاء، وخيوط أخرى أكثر عمقا فى النفس البشرية، كثنائية الوهم والحقيقة، والذهان والحسرة والطموح والحزن، وغيرها.
وصنف آخر من القراء يهتم بالقضايا الكونية من ثيمات بيئية وتوجس من العلوم والمخترعات وأثر الحروب وقضايا الملكية الفكرية والذكاء الاصطناعى وغيرها، والبعض الآخر يعمد إلى اكتشاف الخوافى والأسرار الفلسفية، مزهوا باستخراجها من بواطن النص، وآخرون همهم إيجاد إلماحات وإضاءات يُسقطونها على واقع قريب منهم، وفى الحالات كلها أجدنى ألج عوالم لم يتسنّ لى دخولها من قبل، حيث يمسكنى قارئ تلو آخر من يدى لنجول معًا فى دهاليز التأويل ومخارجه المنيرة، نشاهد على طول الطريق تجليات الحياة بحلوها ومرها؛ « حيوات بنكهة الرمان » .
داروين طنطا: الشخصية بوصفها وعاء الأفكار
كتابى .. شاعر أسود فى مدينة بيضاء
الرجل الذى لا يُقطع لسانه .. رؤية اجتماعية انتقادية وتشكيل جمالى







