حوار : أسامة فاروق
يميل الروائى السودانى حمور زيادة إلى التمهل فى تناول الأحداث الكبرى، انطلاقًا من انحيازه للفن. ففى لحظات الثورات والتوترات، يصبح من الصعب على الكاتب الانفصال عن الاشتباك الدائر أو اتخاذ موقف محايد، بينما لحظة الكتابة، كما يرى، لا تحتمل الانحيازات الحادة. يفضّل أن يكون الكاتب، وكذلك القارئ، قد تجاوزا مرحلة «مع أو ضد»، ليتعاملا مع العمل بوصفه فنًا خالصًا، لا مرافعة فى قضية.
لكنه منحاز للإنسان أيضا، وللقدرة العميقة التى تمتلكها الحكاية على الإنصات لمآسى البشر والانتصار لهم، كما أن الحرب الأخيرة كانت أكبر من قدرته على التجاوز والانتظار، من هذا المنطلق انحرف قليلا عن مساره، واقترب -لأول مرة تقريبا- من التاريخ القريب، من هنا يمكن اعتبار عمله الأحدث «حادثة عيش السرايا وما يتعلق بها من وقائع مسلية» استجابة فنية للحظة حرجة من تاريخ السودان المعاصر لكن حمور لا يسير فى الطريق السهل والمتوقع، بل يسجل حكاية تزخر بالمفارقات واللطائف، دون أن تغيب عنها العِبر، كما يؤكد راويها، فى ظاهرها ملهاة عن تحقيق عبثى عمن قدمت الحلوى للرئيس السابق، وفى باطنها حكاية مأساوية ورحلة عكسية إلى الأرض والجذور، تنبش طبقات الذاكرة، وتكشف كيف تزرع نبتة الفتنة، وكيف يغذيها الوهم لتنمو وتتفرع حتى داخل البيت الواحد.
يؤمن حمور بأن من يعيش واقعا كابوسيا لا يكتب عادة رواية ديستوبيا، وأنه إن فعل فإنما هى استشراف للمحرقة القادمة، وهو ما فعله تماما؛ لا يتناول الحرب السودانية الأخيرة مباشرة، لكنه يقف على أعتابها، ويسلط الضوء على ما مهّد لها، وعلى البدايات التى غالبا ما تنسى ولا ينتبه إليها أحد، فنحن دائما ما «نذهل عن الشرر إن رأيناه. ونفاجأ بالنار كأن مقدمتها ما أنذرتنا».
فى هذا الحوار يتحدث صاحب «الغرق» و «شوق الدرويش» و«الكونج» و«سيرة أم درمانية» و«النوم عند قدمى الجبل» عن أسباب الغياب، وعن الحرب التى أطفأت مشروعًا روائيًا آخر، وخياره الساخر فى مقاربة واقع بالغ القسوة. عن الكتابة بوصفها مقاومة، والذاكرة كغنيمة مهددة، وعن الخطر الكامن فى التوثيق حين ينفصل عن الخيال..
-تصدر «حادثة عيش السرايا» بعد 7 سنوات تقريبا من آخر أعمالك «الغرق» هل يجوز أن نصف ذلك بالتوقف الطويل، فربما هو الفاصل الأطول قياسا للفواصل الزمنية بين أعمالك السابقة.. وهل كان التوقف عن النشر فقط أم الكتابة أيضا؟
يبدو التوقف طويلاً من ناحية، لكن من ناحية أخرى فالكتابة – وإن أصبحت مهنة – فإنها ليست عملية تجارية أو صناعية كل توقف هو توقف مناسب، إلى أن تجد ما تقوله وتعرف كيف تحكيه، لكن هذا التوقف كان له ظروف خاصة ففى السنوات الست الماضية تغيرت أوضاع السودان ما بين التغيير السياسى ورحيل نظام عمر البشير والإسلاميين، ثم الحرب وما تبعها فى 2023 عندما اندلعت الحرب كنت قد قطعت شوطاً فى كتابة عمل آخر، بردت أحداثه عندما تغيرت البلاد مات هذا العمل بين يدى، ولم أجد قدرة على إكماله، وتنقلت بين أكثر من فكرة حتى أتت نوفيلا «عيش السرايا» قبل ذلك لم أكن أهتم كثيراً بالواقع السياسى عند النشر، لأن ما يحدث فى مكان لا يؤثر على القراء فى مكان آخر. لكن واقع الحرب أكبر من تجاوزه للأسف. لذلك جاءت هذه الرواية، التى لم تتحدث عن الحرب، لكنها بالتأكيد تقف على أول طريقها وتشير إليها.
«حادثة عيش السرايا وما يتعلق بها من وقائع مسلية» عنوان لا يمكن تجاوزه فى الحقيقة. ألم تقلق من طوله، ومن الانطباعات التى يمكن أن يولدها، خصوصا الإيحاء بالخفة؟
كنت قلقاً منه جداً، وفوجئت بأنه راق للناشر ولعدد من الأصدقاء أنا عموماً لا أظن أنى أجيد صياغة العناوين لذلك تبدو العناوين الطويلة من شاكلة «حكاية عن كذا وكذا» مناسبة لذوقى ولمقدراتى.
الرواية قد تكون عملك الأول الذى يتناول تاريخا قريبا. لماذا هذا التغيير؟
كما أسلفت فإن واقع الحرب فى السودان أصبح أكبر من أن أحاول تجاوزه كما أفعل عادة مع الأحداث السياسية فكان لا بد من الاشتباك مع هذا الواقع، خاصة أن الذاكرة كانت هى غنيمة الحرب الأولى. تحاول أكثر من جهة إعادة كتابة التاريخ القريب المعاصر، لصالحها لذلك ربما كان مناسباً ألا نسمح للبنادق أن تصنع ذكرياتنا فى هذه الرواية، رغم أنها عمل خيالى وليست بحثاً توثيقياً، لكنها تحاول بالخيال أن تحرس الذاكرة من تغول الحرب.
يجرنا هذا للحديث عن العلاقة بين الرواية والتاريخ، ما هى رؤيتك لهذه المسألة؟
أؤمن بأن الروائيين هم حرَّاس الذاكرة فى زماننا هذا. وهى مهمة خطرة، ودقيقة. إذ عليك أن تلعب دائماً فى الحد الفاصل بين التوثيق والتزوير. مساحة الخيال واسعة لمن يحسن التحرك داخلها. وضيقة لمن ينسى للحظة لماذا هو هنا، ويقع فى فخ التوثيق التاريخى أو الخطاب الأيدلوجى.
قلت إنك من أنصار التمهل فى تناول الأحداث الكبرى. هل كان هذا وحده السبب فى تأخر ظهور الثورة السودانية فى أعمالك؟ وبظهورها الآن هل يمكن القول إن فترة كافية قد مرت تتيح رؤية الموقف كاملا وتكوين وجهة نظر؟ ولماذا اخترت السخرية تحديدا -وهى سخرية مُرَّة بطبيعة الحال- مدخلا للحديث عنها؟
لا أظن أن فترة كافية مرت، ما زالت أحداث الثورة السودانية وتبعاتها تتوالى. وكان رأيى دائماً أن الفن يحتاج إلى حرية، والخيال ينبغى ألا تقيده محددات خارجية. لذلك فإن الكتابة عن الأحداث الكبرى دائما ما تواجه بالانحيازات المسبقة، للكاتب أو القارئ. أحياناً يجد الكاتب نفسه منغمساً فى الحدث، فيتحول إلى كتابة هتافية دعائية. الزمن وحده من يحررك من أغلال الانتماء لموقف أو فكرة، بعدها يصبح لخيالك أجنحة تحملك حيث يشاء سحر السرد حتى لو حملتك إلى أنسنة جريمة أنت ضدها. لأن هذه ميزة الفن والخيال، يسمحان لنا أن نتقمص الأدوار ونفكك السرديات، حتى التى نؤمن بها، ونتحداها. فى تقديرى أن هذا أمر يصعب تحقيقه فى وقت تكون فيه الأحداث ساخنة، وانفعالاتها مسيطرة على المتلقى.
فى عام 2019 صدر فيلم «ستموت فى العشرين»، عن قصتى «النوم عند قدمى الجبل» تزامن صدور الفيلم مع الثورة السودانية، والاسم الذى يشير إلى موت شاب عشرينى، جعل متلقين يظنون أنه سيكون فيلما ثوريا يمجد مظاهرات الشباب لذلك لم يعجب بعضهم لأنهم أرادوا عملاً فنياً يمجد ما يفعلون وما يؤمنون به، لكن هذا لا يعنى أن أى كتابة عن الأحداث الكبرى وقت وقوعها ستكون كتابة مقيدة أو غير جيدة. فالفن مراوغ ويجيد العثور على مداخل غير معتادة. لكن هذا تفضيلى الشخصى. أن أنتظر حتى يصبح الواقع قابلاً للتخييل.
أما السخرية فربما لأن ما تتناوله الرواية هو واقع شديد الدموية، ومؤلم لى ولملايين السودانيين فما كان من سبيل لكتابة واقعية فى شأن كهذا فكانت السخرية والخفة فى السرد المحاكى للمشافهة هى وسيلتى لتفادى تحول نوفيلا صغيرة الى كتاب أحزان ضخم.
تخلص للحكاية، ولا تتعرض لتفاصيل ما جرى فى الثورة السودانية، باستثناء إشارات عرضية للمسيرات أو المناقشات أو الاشتباكات، بالتأكيد الرواية ليست منشورا سياسيا، لكن هناك الكثير من الأحداث التى جرت ربما تكون مغرية بالتعامل الروائى إن صح التعبير. أم أنها لم تكن مغرية بالنسبة لك؟
كانت مغرية بلا شك وكان التحدى هو ألا تتحول الرواية إلى وثيقة تأريخية للمسيرات والمظاهرات والهتافات ووصف الحشود. لأن ما وراء هذه المشاهد، التى يمكن أن تراها فى نشرة الأخبار، هو الأهم. الناس، تفاصيلهم، أفكارهم، مخاوفهم إنى أؤمن فى الفن بما فعله ريمارك فى رواية «كل شىء هادئ على الجبهة الغربية». الحرب ليست المجاميع والكتائب وبرقيات النصر، إنما هى إنسان، خوفه وحبه وشجاعته ويأسه وكل اهتماماته الصغيرة التى تبدو تافهة أمام هيبة الحرب. لكن الفن يرى فى هذا الإنسان العالم كله. هو أهم من الطائرات وغاز الخردل ومصرع ولى عهد النمسا.
الحكى من وجهة نظر أحد أركان النظام السابق يكشف حجم التناقضات التى يمكن أن توجد داخل البيت الواحد. أظن أنها فكرة مغايرة لما قرأناه فى الأعمال التى تناولت الثورات عموما. كيف اخترتها ولماذا؟
كان هذا جزءاً من التجريب. أن أكتب من وجهة نظر لا أعترف بها، وغالبا لن يتفق معها القارئ. لكنى شعرت بالتحدى، أن أسرد رواية كاملة على لسان شخصية، دعنا نصفها باستسهال أنها «شريرة»، دون أن تقول ذلك بل على العكس، إنها تحكى «شرها» بروح طيبة وفخر إن الشر ككل شيء فى العالم له منطقه الخاص وهو منطق يبدو متماسكاً من وجهة نظره. لذلك حاولت أن أتبنى منطقه أثناء السرد.
تطورت الأحداث سريعا فى السودان خلال العامين الأخيرين، فهل كان للمآلات الحالية أى تأثير على الشكل النهائى للرواية؟
الاقتتال الأهلى الأخير هو بلا شك المؤثر الرئيسى على فكرة العمل كلها، لكن النهاية كانت ستكون صالحة حتى لو لم تنشب الحرب.
للمرأة حضور كبير ومركزى فى أعمالك، هى محركة الأحداث فى العلن أو من وراء ستار، حتى يمكن القول إنها بطلة كل الأعمال تقريبا وإن بدا غير ذلك إلى أى حد تصح هذه الرؤية؟
يقولون ذلك كثيراً ويبدو أنهم يعرفون ما يتحدثون عنه دعنا نتفق أن القارئ شريك مع الكاتب فى الرواية فالكتابة جزء، لكن التأويل جزء آخر مهم وهو ما يقوم به القارئ. وهو يستطيع أن يضع يده على أشياء ربما لم يفكر الكاتب فيها لكنها موجودة فى العمل لذلك أنا أقرأ عن المرأة فى أعمالى، وتعاطفى مع شخصياتى، وغيرها. هذا جيد. أحب أن أعرفه من الآخرين، لا أن يكون مكتوباً على قائمة مهماتى: أجعل للمرأة حضوراً فى الرواية.
بالحديث عن القارئ، فأنت بعكس كثيرين لا تبدو مهتما بتطوير علاقتك معه عبر وسائل التواصل ما هى رؤيتك للقارئ ومتى تفكر فيه؟
أنا رجل انطوائى، لا يشعر بالراحة لأن يكون متاحاً كما أنى أحس أن الحكاية/ الرواية لا تحتاج وجودى جوارها لأذكر بها أو أشرحها عادة أنسى كثيراً من تفاصيل أعمالى بعد النشر. ولا أفكر إلا فى الأعمال القادمة.
كما أنى لا أظن أن لدىَّ حكمة أدبية أقدمها فى السوشيال ميديا، أو أستاذية يمكن أن تلهم أحداً لذلك أكتب فى السياسة، وأنشر الأغانى، وأكتب ساخراً باختصار: أثرثر. مواقع التواصل ليست مساحات آمنة، لكنها أشبه بالمشربية المعروفة فى المبانى المصرية القديمة أنت لست فى الشارع تماماً، لكنك لست منفصلاً ستتابع وتشاهد ما يحدث فى الخارج، وقد تشارك بجملة أو كلمة، وتأتيك كلمة طيبة أو سباب قبيح. فى هذا الجو لا يبدو لى التركيز على العلاقة مع القارئ ممكناً. هناك أشخاص مبهرون يستطيعون تعميق علاقتهم بالقراء عبر المنشورات والرسائل الشخصية ويتحولون إلى أصدقاء فى الواقع. هذا أمر مدهش بالنسبة لى. لا أعرف كيف يفعل البشر ذلك.
ربما لو هناك رواية تشرح هذا الأمر سأحب أن أقرأها.
هل تفرض الأحداث الجارية نفسها مجددا؟ ما عملك القادم على أى حال؟
ربما ما لم يتغير شىء فإن عملى القادم قد يكون مجموعة قصصية، وهى بلا شك تأثرت بالأحداث الجارية لكن كشأن رواية «حادثة عيش السرايا»، تتأثر بها لكنها لا تغرق فيها.
محطات فى تاريخ الإذاعة المصرية
صدر له مؤخرًا «بدايات المسرح فى صعيد مصر»
برشلونة تفتتح أول مكتبة فى العالم مخصصة لفلسطين







