فى البدء كان الأزرق

أحمد مرسى
أحمد مرسى


مى التلمسانى

فى واحدة من قصائد ديوانه «جاليرى يعرض صورا مسروقة» (1999) يكشف أحمد مرسى فى سطور قليلة جانبا هاما من مغامرته الإبداعية التى امتدت قرابة الخمسة والسبعين عاما، جاب فيها آفاقا كثيرة متنقلا بين الإسكندرية ونيويورك مرورا بالقاهرة وبغداد هذا الجانب هو ما يمكن أن نسميه الرؤية، رؤية العين ورؤيا القلب، التى جعلته يرى الأشياء كما تظهر لعينه هو، وليست أى عين أخرى. يقول فى القصيدة: «لأنى أرى أشياء/ نفس الأشياء/ فى كل شيء» وكأنه يؤكد بالشعر العلاقة الوطيدة بين أطراف بدت فى مسيرته الفنية والحياتية بعيدة منفصلة مغرقة فى انعزاليتها. 

يرى «الأشياء» لا كما يشتهيها البعض، ولكن كما تبدو لعينيه، بجمالها وقبحها، بغرابتها وعاديتها، بسكونها وحركتها المتواصلة، بـ التعبير البصرى وبالشعر. 

يراها بدرجات من الأزرق باتت تشكل البصمة الحية التى تميزه فى التشكيل البصرى وفى مرايا الشعر أيضا. ربما يكون أزرق البحر السكندرى الذى حمله معه إلى الشتات، على مدى خمسين عاما. وربما هو أزرق الموت الذى يخايله فى أشعاره ويستسلم لدرجاته وتموجاته ونداءاته الخفية. الأزرق الحزين، والأزرق البهي، وبينهما شعر وتصوير وخيال جامح يتجلى على هيئة بشر أو جياد وأسماك وطيور تتحدى الواقع وتعلى من شأن الليل، والحلم.

لقد رسخ أحمد مرسى لنفسه مكانة فى مدارس الفن والتصوير العالمية خاصة المودرنزم والسريالية. مكانة يطغى ظلها على إنتاجه فى مجالات أخرى مثل الشعر والنقد والترجمة، وهو إنتاج لا يقل غزارة وأهمية عن إبداعاته فى مجال التصوير والحفر.

امتد معرضه الاستعادى الأخير فى جاليرى آرت توكس بالقاهرة بعنوان «رؤية واحدة وشكلان» لمدة شهر كامل أعاد المعرض للإنتاج الأدبى المنسى أو المهمش موقعه فى مسيرة مرسى العريضة، حيث احتفى المعرض بخمسين لوحة ورسما من أعماله، كما احتفى بأشعاره بما يليق بها بصريا فجاءت مطبوعة بحروف كبيرة على القماش، تهبط من سقف قاعة العرض لأرضها فيما يشبه المعلقات القديمة وكأنها إشارة رمزية لرسوخ كتاباته وكلاسيكيتها ومكانتها فى مشواره الإبداعي. 

جاء معرض القاهرة وكأنه استكمال لمعرض أحمد مرسى الاستعادى فى نيويورك والذى أقيم منذ عامين بعنوان «أحمد مرسى فى نيويورك: مرثية للبحر» وضم لوحات أنتجها مرسى فى الفترة من 1983 وحتى 2012، فيما غابت عنه أشعار مرسى التى يحق لنا الآن أن نترجمها إلى الإنجليزية لعلها ترى النور فى موطن آخر من هذه الأرض. مرثية البحر، كانت ربما مرثية للشعر أيضا، فى مدينة نيويورك التى لم تعرف شعره كما ينبغي، ولم تحتف بكتاباته عن الإسكندرية كما يليق الاحتفاء.  

وربما لا نخطئ كثيرا إذا قلنا عن مسيرة أحمد مرسى الفنية: فى البدء كان الشعر! إذ لا تخلو أعماله التصويرية الكبيرة من شعرية بصرية ولونية لا تخفى على أحد، كما أن ديوانه الأول صدر وهو بعد فى التاسعة عشرة من العمر وهو متاح حاليا ضمن الأعمال الشعرية الكاملة الصادرة عن المجلس الأعلى للثقافة والتى ضمت الدواوين التالية: أغانى المحاريب (1949)، قطوف من أزهار حقول الأسبرين (1948-1968)، صور من ألبوم نيويورك (قصائد مكتوبة فى التسعينيات من القرن العشرين)، مراثى البحر الأبيض (انطباعات مكتوبة فى 1998 و1999)، جاليرى يعرض صورا مسروقة (1999)، بروفة بالملابس لفصل فى الجحيم (1999 و2000)، طروبادور وادى السيلكون (2000)، كتاب مواقف البحر اللا نفرى (2004)، وأخيرا ديوان الحضور والغياب فى خرائط الشتات (2008). فيما صدر ديوانه الأخير، موسم الهجرة إلى الزمن الآخر، منفردا عن هيئة الكتاب عام 2012 وضم قصائد كتبت عام 2008. 

ما يميز مسيرة أحمد مرسى الشعرية والتصويرية هو كونها مسيرة عابرة للحدود، حدود الكلمة والصورة، الواقع والخيال، والحدود الجغرافية التى تفصل وتجمع بين الإسكندرية التى لم تغادره، ونيويورك التى عاش بها ما يزيد على خمسين عاما.

تجمع مسيرته بين الشعر والتصوير والرسم والنقد والترجمة وبين الحركة الدائمة عبر دروب الفن وأنواعه ومدارسه المختلفة. يكتب ويرسم بالأساس، ينساق وراء تصميم الملابس لمسرح ألفريد فرج تارة، أو يقرض الشعر العمودى فى سنوات الكتابة الأولى تارة أخرى.

فى الأحوال كلها، يلتقط شعرا مشاهد الحياة اليومية بعين ثاقبة وروح مدفوعة دفعا صوب المجهول، ويسجل رسما تضاعيف الروح وانشقاقاتها المستمرة. 

فى الشعر وفى التصوير، يحتفى أحمد مرسى بمفردات الحياة من بشر ومدن وبحر وحيوان وموجودات ساكنة وجماد ويتناولها بوصفها موضوعات للرؤية والتأمل والكشف، بعيون مفتوحة على اتساعها. تتجسد رؤيته فى حصان يافع أو عصفور بحجم إنسان أو سمكة فى يد صياد. أو تتجلى فى وجه ينشق على ذاته متأملا الزمن وقسوة الساعات، أو فى وجوه مستطيلة يخيم عليها الصمت وينهكها السؤال.

فى المقابل، تتضاعف موضوعاته الشعرية بحثا عن ذات الشاعر وقد تكاثرت وانثرت، تخاصم نفسها تارة وتصالحها تارة أخرى، إذ يظهر الشاعر للقارئ فى ثياب مصور، أو ناقد، أو مغني، أو ممثل، أو نحات، أو صياد، أو نبى رحال يتلمس طريقه فى الغربة.

تنطلق جياد مرسى وطيوره كما تنطلق شخوصه الملونة بلون الأرض والبحر، وقد ثبتت نظرتها فى عين المتفرج. تنطلق فى مدارات يعجز التصوير واللون وحدهما عن التعبير عنها فيأتى الشعر وكأنه ملاذ للبوح بأدوات ومفردات مجاورة ومكملة لحركة التصوير.

كلاهما يكمل مشروع مرسى الأكبر، مغامرته القصوى، لا ينفصلان عن حركته العابرة للحدود، عن توقه للتعبير بكل الأدوات الممكنة، التى تتلازم بفضلها الصورة البصرية والصورة الشعرية.

ذلك أن مغامرة أحمد مرسى الكبرى وليدة الحركة على عكس ما يظهر فى سكون شخصياته المرسومة وثباتها. الحركة فى شعره وليدة السؤال، والسؤال هو جوهر الوجود عند مرسي، يبدأ وينتهى بتمارين الموت. يقول «أمارس الموت وحدي/ مرة فى الأسبوع أو مرتين»، تماما كما يمارس الرسم أو الكتابة.

لا تنفصل تمارين الموت عن تمارين الخلق، وهى تمارين على الانهزام وعلى صنع الانتصارات الصغيرة، يمارسها بدأب المصور والشاعر المرتحل دوما فى الواقع وفى الخيال. 

وكأن أحمد مرسى يعى فى أشعاره أن فى هزيمة الإنسان وعدا بالتحقق، وأن فى الغياب يقينا بالحضور، وأن فى الصمت كشفا لمجهول أو سترا لمعلوم، فيتساءل: «عندما يسقط المغني/ من الوحشة فوق المسرح/ هل يدرك الجمهور/ أن الصمت استلاب/ وأحيانا عزوف/ عن هتك عرض دفين؟ / ما الذى يخفيه المغني/ عن الناس وعن نفسه/ وكل أغانيه مراث/ لشاعر لم يمت/ لكن بنى قبره/ بغرفة نومي» (2008). 

فى مرحلة البدايات، نحا أحمد مرسى بروحه الميالة للتأمل الفلسفى وألاعيب اللغة ومفرداتها غير المطروقة نحو الشعر العمودى وظل مخلصا له زمنا، قبل أن يتخلى عنه فى مرحلة تالية وينطلق فى كتابة قصيدة تتحرر من القوافي. يفصل بين المرحلتين ما يزيد على عقدين من الصمت عن كتابة الشعر الذى قد نفسره باستقراره فى نيويورك منذ انتقل للعيش فيها عام 1974 وكتب أثناءها مقالاته النقدية فى الفن. احتفى الكاتب الكبير إدوار الخراط بعودة مرسى إلى الشعر عام 1995 فكتب يقول: «وإذ عاد الفنان إلى الشعر- الذى كان كامنا وحيا طول الوقت- فقد عادت معه الفاجعة المضمرة والماثلة بقوة والمتعمقة من تفصيلات الحياة اليومية الدقيقة فى المتروبول الكبرى ونيويورك مدينة الغربة.» 

فى تحليل الخراط لخصائص الشعر لدى مرسى يرى أن القيمة السردية لقصائد مرسى تتكامل مع قيمة الوصف والتصوير فى نوع من «الدرامية الحارة الديناميكية» وأن «مساحة الشعر براح فسيح تجد فيه كائنات الفن التشكيلى -هنا- نوعا من الحرية لعله لم يكن متاحا لها فى داخل «إطار» اللوحة أو «إسار المكان». 

فيما يشير الناقد الكبير صبحى حديدى فى مقاله عن شعر أحمد مرسى إلى تطور صوت مرسى الشعرى بعدما تخلى عن الشعر العمودى فى ديوانه الثالث، وفيه يتحرر من القافية دون التنازل عن سحر الموسيقى وجملة التفعيلة، كما يتراجع عن النبرة الفلسفية دون التخلى عن مسحة التأمل فى معضلات الوجود، وينحو نحو المتتاليات الوجيزة التى تشارك فى تطوير موضوع الدواوين عوضا عن القصائد الطويلة المستقلة فى أعماله السابقة. 

فى ديوان «جاليرى يعرض صورا مسروقة» والذى يضم فضلا عن الرسوم قصيدة افتتاحية تليها 31 قصيدة مرقمة بعنوان «صورة»، يشير أحمد مرسى لذلك «الفضاء الماكر» الذى يحتويه ويحتوى أسرارا وصورا «مسروقة من حدائق العشق والموت». فضاء الشعر، فضاء اللوحة.

فى تلك الحدائق، تتجلى فجأة الفن التى لا تضاهيها سوى فجأة الموت. بينهما، وفى تلك المناطق المعتمة من الروح، تنشأ الصور التى تمنح الديوان اسمه، مثل الصورة الرابعة التى يجمع فيها الشاعر بين الحركة والسكون من ناحية والحديث والنجوى الروحية من ناحية أخرى: «كنت أصغي/ إلى صدى صوتى الطالع/ من بئر داخلي/ حين شق الصمت صوت معاكس/ لحصان أحمر ميت/ يحذرني/ أن لا أصيخ السمع لصوت الخيل/ خاصة أن الخيل لا تتقن التعبير/ عن آيات فصول الجحيم.»

صورة الإسكندرية أيضا مسروقة من زمن مضى وولى مما يفسر ربما عودته المضنية لكتابتها شعرا أو تصويرها فى لوحاته. الإسكندرية فى الشعر مرادف للفقد والاختفاء والسقوط الدائم فى بئر الأسرار والخفايا.

يكتب مرسى فى الصورة العاشرة من الديوان: «آتى إليها مرتين منقبا/ فى كل عام/ بين أكوام الحجارة/ والتماثيل الخبيثة/ فى حقائب هارب/ أخفى جريمته سنين./ حاولت مرات عديدة/ أن أصور وجهها المحفور/ فى مرآة حمامي/ ولكنى فشلت/ كأنها كانت بناء من ظنون./ إسكندرية لا تزال بعيدة/ لا أستطيع الاقتراب هنيهة منها/ ولا حتى ألتقيها تحت ظلالها الزرقاء/ أنى تستكين./ طال الطريق وكلما اقترب المريد/ تلفعت بإزار قوقعة/ ولاذت فى مناورة بمملكة البحار الميتة.» تعود إذن مفردات الأزرق والموت لترمى إزارها على وجه الإسكندرية العجوز. البكر فى الخيال وفى التمني. 

وفى ديوان «الحضور والغياب» يقارن بين صورة الإسكندرية المفقودة المتشظية وصورة نيويورك التى قضى فيها عمرا من التخفى وراء الأقنعة، بلا هوية وبلا ملامح. يقول: « مدينتى الأولى/ فقدتها/ كما فقدت/ صورتى الحقيقية/ فى حقيبة سرية/ نسيت أن أحملها/ معى إلى الشتات/ هل أقول/ أو دفنتها عن عمد/ فى الأرض كي/ أرسم صورة جديدة/ بلا ملامح/ أعيش فى الغربة فيها/ كنبى كاذب/ أو هارب فى السر من/ تنفيذ حكم أبدي/ داخل سجن اللا وجود/ عالقا بين الصموت والسكوت؟»

الموت والغياب يتم استنساخهما وبعثهما بأشكال متنوعة ليس فقط فى أعمال مرسى البصرية حيث يتشبث بجدلية الفراغ والامتلاء، الندرة والكثافة، ولكن فى أعماله الشعرية أيضا. من هنا يكتسب الأزرق الذى يميز لوحاته بعدا جديدا بفضل الشعر. ظاهريا، الأزرق هو رمز البحر، يحيل للإسكندرية البهية الصامتة الملغزة التى استوحى منها لوحاته. لكن الأزرق الشفيف والداكن، الحزين والمبهج، هو أيضا أزرق الموت الذى يضفى على المشهد الشعرى المتأرجح بين الذاكرة والنسيان جلالا وهيبة. هو أزرق الوحدة فى الليل، والانفصال والتوق للاتصال بالعالم، أزرق مراثى البحر، وأزرق الصورة الذاتية التى يرسمها الفنان لنفسه وقد تهشمت مراياه على رصيف الشعر.