قللت نسبة العمليات القيصرية فى مصر من 70 % إلى 30%
منظمة الصحة العالمية أطلقت منذ عدة أيام حملة تستمر لمدة عام كامل خاصة بصحة الأمهات والمواليد، تحمل عنوان «بداية صحية لمستقبل واعد»، لحث الحكومات والمجتمع على تكثيف الجهود لإنهاء وفيات الأمهات والمواليد التى يمكن الوقاية منها، وإعطاء الأولوية لصحة المرأة على المدى الطويل، فيما تتبادل المنظمة وشركاؤها معلوماتٍ مفيدة لدعم المرأة فى مرحلتى الحمل والولادة وتحسين الصحة بعد الولادة.. ٣٠٠ ألف امرأة تفقد حياتها بسبب الحمل أو الولادة كل عام - حسب أحدث التقارير - وفى حاجة إلى رعاية عالية الجودة تدعمهن جسدياً وعاطفياً، قبل الولادة وأثناءها وبعدها..
اقرأ أيضًا| «الرضاعة الطبيعية».. درع الحماية الأول لصحة الطفل والأم
وإذا كانت الأمهات فى مصر يفضلن الولادة القيصرية، فإن الولادة الطبيعية هى الخيار الأول لنساء أوروبا، نظراً لفوائدها الصحية، وقلة تكاليفها، ولكن المرأة فى الغرب لا تقوم بالولادة بمفردها، هناك امرأة أخرى يُطلق عليها «الدولا» تشاركها حالتها النفسية، وتقدم لها الدعم المطلق بطريقة علمية، بداية من الحمل ومروراً بالولادة وحتى الشهور الأولى من الرضاعة، وبدون هذه «الشريكة» من الصعب على الأم أن تنجح فى مهمتها.
«الدولا» أو مدربة الولادة، ظهرت لأول مرة فى ستينيات القرن الماضي، من خلال دراسة أجرتها الباحثة الأمريكية دانا رافائيل التى تحدثت عن أهمية وجود داعمة نفسية للأم لتسهيل عملية الولادة، ليلقى المقترح قبولاً ورواجاً فى الولايات المتحدة التى أسست مراكز لتدريب النساء على مهنة الدولا، ليحصلن على الخبرات اللازمة للقيام بالمهمة، دون شرط دراسة الطب أو التمريض، وتطورت المهنة لتشمل مرحلة الحمل والولادة وشهور الرضاعة الأولى.
اقرأ أيضًا| «الشفط والتخزين» لإرضاع طفلك أثناء الصيام
مهنة قديمة فى الغرب، طرقت مؤخراً العالم العربي، وظهرت فى مصر، وبدأت بعض السيدات فى ممارستها، وباتت الآن معروفة ومطلوبة، ويُتوقع لها الانتشار فى المستقبل القريب.
رضوى رشدى إحدى الأمهات اللاتى اعتمدن على الدولا فى تجربة الولادة تقول: «بدونها كان من الصعب أن تنجح الولادة الطبيعية، لقد هيأتنى نفسياً، ومنحتنى كل المعلومات التى أريد الحصول عليها، كانت بجانبى وأنا ألد، وهى تشرح كل الاحتمالات بواقعية والحمد لله نجحنا».
أما صابرين عيسى فتقول: «لم اعتمد عليها فقط فى الحمل والولادة، ولكنها صنعت منى أماً ناجحة لرضيعتي، وهى تمدنى بالمعلومات المطلوبة، وتدعمنى بكل الطرق، عندما تكبر ابنتى سوف أقول لها أنا نصف أم، و«الدولا» نصف أمك الآخر.
اقرأ أيضًا| هيئة فلسطينية: سوء الظروف الإنجابية بغزة يؤدي لأمراض ذهنية ونفسية للمواليد الجدد
وتعمل د. هند عبد السلام استشارى الرضاعة الطبيعية ومؤسسة مركز «mother zone» لتدريب الدولا، فى مهنة الدولا منذ ٩ سنوات، وترى أن الفكرة أمامها ما لا يقل عن 5 سنوات أخرى لكى تُؤتى ثمارها ونشعر بنتائج ملموسة وتمنح كل امرأة فرصتها كاملة فى الحصول على ولادة طبيعية، وعدم تعرضها إلى الجراحة إلا لسبب طبى قد يؤثر على حياتها وحياة الجنين.
أنواع الدولا
وتشرح مهنة الدولا بقولها: مرافقة الأم فى رحلة الولادة، والمدرب الخاص، وتنقسم إلى 3 أنواع أولها: المدربة فى مراحل الحمل بتقديم الدعم غير الطبى لها بمعنى أن الأم تقوم بالمتابعات العادية الخاصة بالاطمئنان على صحتها وصحة الجنين، ثم يأتى دور الدعم غير الطبى المتعلق بتغذية الأم وتمارينها والتغيرات التى تمر بها وكيفية استيعابها لها، ومعرفة أسباب حدوث كل شيء يطرأ عليها، وإعانتها على تقبل شكلها الجديد، فالأمر يشمل: الرعاية النفسية والجسدية.
أما النوع الثانى فهى الدولا التى تحضر مع الأم الولادة، وتقوم بتعليمها كيفية الوضع الصحيح وتخفيف الألم بوسائل غير طبية، بعمل مساج لتشعر بالاسترخاء، إضافة إلى أنها تعلم الزوج كيف يدعم الأم، والأشياء المطلوبة منه لتخفيف الألم عن زوجته، وكل الأمهات يحتجن لهذا الدعم، وتقول د. هند: «رغم أننى طبيبة ودولا فى نفس الوقت إلا أننى وقت ولادتى استعنت بـ 2 دولا، لأننى كنت فى تلك اللحظة مجرد أم تحتاج لمن يساندها».
أما النوع الثالث فهى دولا لرعاية ما بعد الولادة ودورها يتلخص فى مساعدة الأم على التعافي، ومنحها معلومات عن الرضاعة فى البداية ولكن إذا كانت تعانى من مشكلة طبية فهى تلجأ إلى استشارى رضاعة.
وهناك الدولا التى تقوم بالثلاثة أدوار بعد دراستها لكافة المراحل وكيفية التعامل معها، وهى تكون اختياراً أفضل للأم لأنها تتابع معها الرحلة كاملة من بدايتها لنهايتها.
اقرأ أيضًا| بمناسبة اليوم العالمي للصحة.. نصائح هامة للنساء خلال الحمل
وتوضح د. هند: «من أهم المواصفات التى يجب أن تتوافر لدى الدولا تلقى تعليم عالٍ حتى تستطيع استيعاب المصطلحات وليس شرطاً أن تكون طبيبة إطلاقاً، بالإضافة لإتقانها اللغة الإنجليزية ، لأن كل المناهج حالياً باللغة الإنجليزية، كما أنها تتلقى جزءاً من تدريبها على تركيب جسم الإنسان لأنها تعلمه للأم، ومن اللاتى يصلحن لتلك المهنة: خريجات كليات العلاج الطبيعي، العلوم والصيدلة، وهناك كثيرات بارعات فى المهنة رغم أنهن بعيدات عن المجال الطبي، فالدولا لا يحق لها أن تتدخل فى أى شيء طبى أثناء الولادة حتى لو كانت طبيبة.
تدريبات الدولا
وتتلقى الدولا عدة تدريبات، منها: التركيب التشريحى للأمهات، والتغيرات الفسيولوجية التى تطرأ فى الحمل وأثناء الولادة والهرمونات المسئولة عن الولادة، وتتعلم كيف تدعم الأم نفسياً وتُقنعها بالمعلومة بطريقة لطيفة حتى لا تنفر منها، فهى تعلم كل هذا للأم والأب ليدركا كيف يتعاملان معها وقت الولادة واتخاذ القرارات الصائبة.
وتوضح: أن الدولا فى الدول الداعمة للولادة الطبيعية مهنة معروفة لها كليات متخصصة وترخيص مزاولة مهنة، لدرجة أن الدولة تدرجها فى التأمين الصحي، فى ألمانيا مثلاً حضور الأم والأب البرنامج مع الدولا يكلفهم 120 يورو، مما يجعلهم يتفادون تكاليف الولادة القيصرية التى تصل إلى 4000 يورو، كما أن الدولا تتابع مع الأم بعد الولادة لتعليمها كل تفاصيل الرضاعة الطبيعية لتفادى التكاليف الباهظة للألبان الصناعية.
وتؤكد د. هند: أن الولادة الطبيعية أكثر توفيراً من القيصرية، بالإضافة إلى أنها تُحسن معدلات الصحة لدى الأمهات، وفى المقابل فإن الدولا فى الدول غير الداعمة للولادة الطبيعية تعانى كثيراً لأنها تعمل بمفردها، بداية من تلقيها التدريبات على نفقتها الشخصية، ثم تنزل لسوق العمل للتسويق لفكرة لا يعلم عنها الكثيرون شيئاً، ثم تكتشف أنها تحارب فى جبهات مختلفة منها: أن طبيب النساء والولادة غير مقتنع بما تقوم به ويعجل بالولادة القيصرية، وهناك فقر شديد فى تعلم الأطباء للولادة الطبيعية، كل هذا فى النهاية ليمنح الأم تجربة ولادة آمنة دون أى مضاعفاتٍ قد تنتج عن الولادة القيصرية غير الضرورية.
دربت د. هند أكثر من 2200 دولا ولكن كلهن فى إطار نظام المستشفيات العامة، والـ «فرى لانسر»، وتقول: «حالياً نحاول ضبط نظام يمكننا من توفير دولات داعمات فى معظم مستشفيات الولادة فى أغلب المحافظات، ونحتاج لتدريب عددٍ كبير من الأطباء على الولادة الطبيعية لتسهيل الأمر على الدولا والأم».
وأكثر ما تؤكد عليه أثناء التدريب هو عدم تدخل الدولا فى كل ما يخص الطب، ولا وصف علاج ولا تنصح الأم بقرار يضرها، ففى النهاية صاحب القرار الطبى هو الطبيب المعالج.
وتؤكد أن انتشار فكرة الدولا يقلل نسبة العمليات القيصرية من 20 إلى 30٪، والتى وصلت فى مصر إلى 70٪ وفى بعض المحافظات مثل: بور سعيد وصلت نسبة العمليات القيصرية فيها إلى 96٪ وهى نسبة مرعبة، وتقلل استخدام التدخلات الدوائية وقت الولادة، فإذا كانت الأم فى حالة نفسية جيدة والطلق يسير بشكل طبيعى لن تحتاج لتلقى محفزاتٍ للطلق الصناعي، وإذا سار الأمر بشكل طبيعى والمسكنات الطبيعية كانت كافية لن تحتاج لحقنة الإبيديورال التى تُؤخذ فى الظهر لمنع الشعور بالألم.
الأطباء ليس لهم علاقة بالولادة
ويشرح د. مصطفى محمد عباس مدرس أمراض النساء والتوليد بكلية الطب جامعة عين شمس قائلاً: «قديماً كان هناك ما يسمى بـ «الداية» التى تقوم بعملية الولادة للأم، وهى سيدة حضرت الكثير من الولادات وأصبح لديها خبرة كافية لتقوم بالعملية، بعدها ظهر الطب.. والأطباء أصبحوا هم المشرفون على الناحية الطبية ويقومون بتلك العملية بدلاً منها، ولكن فى الدول الأوروبية الأطباء ليس لهم أى علاقة بعملية الولادة».
ويقول: «أنا أحد الداعمين لفكرة الولادة الطبيعية وأقوم بتشجيع الأمهات على تلك الخطوة، وأحاول تغيير الوعى لأننا نعانى من مشكلة أساسية فى فكرة ارتفاع نسبة الولادات القيصرية فى المجتمع، والكثيرون من السيدات وحتى الأطباء لا يعلمون أن الأم التى ولدت مرة وحتى مرتين أو أكثر قيصرياً من حقها أن تلد طبيعياً بعد ذلك، وهناك أسباب كثيرة للقيصرية فى وعى الأطباء هى غير موجودة وغير حقيقية، وبالتالى هذا ما نحاول تغييره».
ويوضح: «الأطباء لا يولِّدون فى الدول الأخرى، هناك ما يطلق عليه القابلة وهى سيدة حصلت على تدريباتٍ طبية تؤهلها لإتمام عملية الولادة، والأطباء لا يتدخلون إلا فى الحالات الطارئة والخطرة.. أما الدولا فهى تمنح الأم ما تحتاجه من دعم نفسى ومعنوى أثناء الولادة الطبيعية التى تتطلب وجود شخص بجوار الأم كل وظيفته دعمها وتوجيهها بالأوضاع والحركات الصحيحة التى تمنحها راحة أفضل».. ويضيف: «الأم فى الولادة الطبيعية لا تحتاج لأحد طالما أن الأمر يسير بشكل طبيعي، وأفضل ما كنا نسمعه قديماً فى الأرياف أن «الست ولدت على نفسها»، وليس دور الطبيب هو استقبال الطفل، ولكن دوره أن يساعد الأم فى الوصول لمرحلة الولادة بصورة طبيعية على السرير فى المستشفى دون الحاجة لدخول غرفة العمليات، فكلما قل التدخل الطبى كان الناتج أفضل والعكس صحيح».
ويقول: «الدولا موجودة فى مصر ولكن لديها الكثير من المشكلات، ففكرة الورش المُعتمدة التى يتعلمون فيها كيفية التعامل مع المرأة الحامل وأثناء الولادة للأسف غير مضمونة، لأن الكثيرات يمارسن الأمر بالفهلوة ولا يفهمن دورهن ويتدخلن فى دور الأطباء وهى مشكلة كبيرة قد تتسبب فى حدوث كوارث، وفى المقابل هناك الكثيرات يفهمن ويدركن تماماً معنى «دولا» وأن دورها يقتصر على كونها شخصاً يساعد الأم والطبيب ولا يتدخل فى الولادة نهائيا».
عودة القابلة
وفى النهاية يقول د. مصطفى: «إنه مع فكرة الدولا ولكن بتطبيقها بشكل صحيح، والدولا هى خطوة تجاه فكرة القابلة أو الداية كما كان يُطلق عليها، وإذا تبنينا تلك الفكرة ستكون الدولا هى الخطوة الأولى لهن، وسيتم تدريب الممرضات على فكرة التوليد لأن عددهن أكثر من الأطباء وتعليمهن سيكون أسهل، وتصبح الدولا مساعدة مع التمريض».
أما نرمين العنتابى - 25 عاماً - فتعمل دولا ومدربة ولادة طبيعية مُعتمدة فى محافظة الفيوم، تخرجت فى كلية الآداب قسم علوم ومعلومات، حصلت على الدورة التدريبية أثناء إقامتها فى الأردن، وبدأت مزاولة المهنة منذ عامين تقريباً فى الفيوم وحضرت عدة ولادات مع أمهات فى محيط منطقتها التى تعيش فيها ..
وعندما بدأت الأمر كانت الأولى فى الفيوم ولم يكن يعلم عنها أحد شيئاً، وبدأ الأمر معها وقت حملِها وولادتها عندما لاحظت أن معظم الأطباء لا يميلون لفكرة الولادة الطبيعية ، مما جعلها تبحث عن الدولا للمساهمة فى نشر ثقافة الولادة الطبيعية، وتقول: «دور الدولا يتوقف عند مرحلة الدعم للأم وتأهيلها نفسياً وجسدياً لعملية الولادة وما بعدها، ولا يحق لها التدخل الطبى نهائياً، وتبدأ الرحلة مع الأم بعد انتهاء الأشهر الثلاثة الأولى وتستمر لفترة بعد الولادة حتى تطمئن أن كل الأمور تسير فى شكلها الطبيعى».
«منّة».. درويشة فى عالم المولوية
«عمر» إرادة ضد الإعاقة
صيام الأبناء تغذية سليمة وتهيئة نفسية







