100 يوم بهجة خطة سحرية لـ «إجازة صيفية»

الإجازة الصيفية البيوت المصرية
الإجازة الصيفية البيوت المصرية


تضع الإجازة الصيفية البيوت المصرية أمام مشهدين متناقضين: أمهات يواجهن فوضى النوم الطويل للأبناء وضياع الوقت، وأخريات يصنعن ذكرياتٍ ممتعة بوضع جداول ذكية تحدد ساعات شاشات الهواتف وتدعم الروابط الأسرية..

تباين يؤكد أن نجاح استثمار الإجازة لا يرتبط بميزانيات السفر الباهظة، بل بمدى وعى الوالدين بقيمة الوقت وتوجيه الأبناء نحو الأنشطة التى تناسب ميولهم من خلال 100 يوم تقريبًا تفصل بين نهاية عام دراسى وبداية آخر. 

بعد انتهاء الامتحانات كان أحمد جمال يقضى معظم يومه أمام الهاتف، وفجأة قرر أن يسجل فى دورة مجانية لتعلم تصميم الجرافيك، وبعد حصص قليلة بدأ يصمم منشوراتٍ لصفحات صغيرة على مواقع التواصل، وحصل على أول مقابل مادى فى حياته، ويقول: إن أهم ما كسبه لم يكن المال، بل شعوره بأنه يستطيع الاعتماد على نفسه.

أما إيمان سعد فتقول: إنها الصيف الماضى وضعت خطة رائعة سوف تنفذها هذا العام أيضًا وكل عام حيث قررت أن تخصص ساعة فقط يوميًا للهاتف أو الألعاب الإلكترونية خلال فترة إجازة الصيف.. فى المقابل، خصصت الأسرة وقتًا للقراءة والرياضة والزيارات العائلية، بعد أسابيع لاحظت الأسرة تحسنًا فى نوم الأبناء وتفاعلهم الاجتماعى بعد أن حققوا توازنًا بين الترفيه وتنمية المهارات بعيدًا عن الاستخدام المفرط للشاشات.

إجازة ضائعة

وتشتكى مروة محمود من أنها لا تعرف كيف تنظم الإجازة بالطريقة التى تجعلها تمارس كل النشاطات التى تتمنى أن تقوم بها، فأبناؤها يسهرون طوال الليل إما أمام التليفزيون أو بالموبايل والآيباد وفى المقابل ينامون طوال النهار وتمر الأيام والشهور وتجد أنها فى نهاية الصيف لم تفعل أى شيء ولم تستمتع بالإجازة كما كانت تتمنى وتضيع إجازة وبعدها أخرى بنفس الطريقة ولا تجد حلاً للمشكلة ولا تعرف كيف تستطيع تنظيم وقتها ووقت أولادها وإقناعهم بتغيير طريقة قضائهم للإجازة.

أما نسرين حسن فتقول: إنها تقسم شهور الإجازة الصيفية ما بين السفر لقضاء وقت فى البحر مع الأهل والأقارب، وبين تنظيم التمارين الرياضية لأبنائها الثلاثة، ولا تنسى تخصيص وقت لحفظ القرآن الكريم وقراءة القصص خلال الإجازة ولقاء الأصدقاء وتحرص على تقليل ساعات اللعب على الهاتف ومشاهدة التلفاز ولكنها لا تمنعها نهائيًا، فهى تحاول أن تمنح أبناءها كل ما يجعلهم مستمتعين خلال فترة الصيف لأنهم يُرهقون كثيراً فى أيام الدراسة والمذاكرة ولكن بالحدود المسموح بها.

قيمة الوقت

يرى د. محمد عبد العزيز أستاذ العلوم والتربية بجامعة عين شمس، أن أفضل طريقة لاستغلال إجازة الصيف تتمثل فى تحقيق توازن بين الترفيه المنظم والأنشطة المفيدة التى تسهم فى تنمية شخصية الأبناء ومهاراتهم، وتقسيم الوقت يُعد العامل الأهم فى نجاح الإجازة الصيفية، بحيث يُخصص جزء للترفيه وجزء آخر لممارسة النشاط الرياضى، ولا يُشترط أن يكون ذلك من خلال الاشتراك فى نادٍ رياضى أو مركز شباب، فحتى رياضة المشى لمدة نصف ساعة يوميًا فى أوقات تنخفض فيها درجات الحرارة وبعيداً عن أشعة الشمس المباشرة يمكن أن تحقق فائدة كبيرة للطفل أو المراهق.

ويؤكد على أهمية متابعة استخدام الأبناء للتليفزيون والهواتف المحمولة، على أن يكون ذلك تحت إشراف الأسرة وفى إطار المحتوى الذى يتناسب مع اهتماماتهم وأعمارهم، كما شدد على ضرورة عدم تجاوز مدة استخدام الهاتف المحمول ساعة واحدة يوميًا كحد أقصى، مقابل تشجيع الأبناء على القراءة والاطلاع وتنمية المهارات التى يدرك ولى الأمر أن ابنه أو ابنته يمتلكون ميولاً أو قدرات خاصة فيها.

ويشير إلى أن السفر والرحلات الترفيهية يظلان مرتبطين بميزانية الأسرة وظروفها الاقتصادية، إلا أن الأهم من ذلك هو أن تتم جميع الأنشطة تحت إشراف الأسرة، مع عدم ترك الأبناء للخروج أو قضاء أوقات طويلة مع الأصدقاء دون متابعة أو رقابة أسرية، وتعلم اللغات أصبح فى الوقت الحالى ضرورة ومطلبًا أساسيًا، لذلك إذا كان لدى الطالب استعداد وقدرة على تعلم لغة جديدة، فمن المهم استثمار الإجازة الصيفية فى الالتحاق بدورات تساعده على تنمية مهاراته اللغوية وتطوير قدراته المستقبلية.

ويشدد د. عبد العزيز على أن من أهم الأهداف التربوية خلال الإجازة الصيفية تعليم الأبناء قيمة الوقت وكيفية تنظيمه، من خلال وضع جدول يومى يتضمن مواعيد محددة للنوم والترفيه والدورات التدريبية والأنشطة المختلفة، بما يساعدهم على اكتساب مهارة إدارة الوقت والالتزام بالمسئوليات، وعلى أولياء الأمور مشاركة أبنائهم فى اختيار الكتب والموضوعات التى يقرأونها أو المواد التى يشاهدونها، بما يتناسب مع احتياجات كل مرحلة عمرية ومتطلباتها المختلفة، فلكل سن اهتماماته الخاصة التى يجب مراعاتها عند التخطيط للأنشطة الصيفية.

ويؤكد د. محمد على أهمية الاستفادة من الورش والبرامج التدريبية المجانية أو منخفضة التكلفة التى تطرحها المؤسسات المختلفة خلال فترة الإجازة، باعتبارها فرصة مناسبة لاكتساب معارف ومهارات جديدة دون تحميل الأسرة أعباء مالية كبيرة.

فرصة لاكتشاف المواهب

ومن جانبه يقول د. رشاد عبد اللطيف، أستاذ العلوم الاجتماعية وعميد كلية الإنسانيات السابق: إن الحديث عن إجازة الصيف فى مصر يجب أن ينطلق من فهم طبيعة المجتمع المصرى واختلاف شرائحه الاقتصادية والاجتماعية، مشيراً إلى أن الأسرة المصرية لم تعتد فى الأصل على ثقافة استثمار وقت الفراغ بالشكل الأمثل.

وأوضح أن إجازة الصيف التى تمتد لنحو 100 يوم تختلف طريقة استغلالها من أسرة إلى أخرى، فالأسر محدودة الدخل غالبًا ما تخصص أسبوعًا واحدًا فقط للمصيف، ويكون عادة خلال شهرى يوليو أو أغسطس، بينما تمر بقية الإجازة دون تخطيط واضح.. أما الأسر فوق المتوسطة نسبيًا فتوزع إجازتها على ثلاثة أسابيع رئيسية، أسبوع لزيارة الأهل والأصدقاء والأقارب، وأسبوع للرحلات والجولات داخل المحافظة أو المناطق القريبة، وأسبوع للمصيف.

أما الأسر الأكثر قدرة ماديًا فتستطيع قضاء شهر كامل فى المصيف نظراً لارتفاع التكاليف، ثم تخصص شهراً آخر للزيارات العائلية أو قضاء وقت فى أماكن ترفيهية وسياحية مختلفة، بينما تلجأ فئة محدودة إلى السفر خارج مصر خلال الإجازة.

ويوضح أن المشكلة الأساسية لا تتعلق فقط بالمصيف أو السفر، وإنما بكيفية استغلال بقية أيام الإجازة، فالكثير من الأسر اعتادت السهر طوال الليل والنوم خلال ساعات النهار، وهو نمط لا يساعد على الاستفادة الحقيقية من الوقت.

ويؤكد أن استثمار الإجازة يبدأ من اكتشاف مواهب الأبناء وتنميتها، سواء فى الرياضة أو الموسيقى أو الفنون أو غيرها من الأنشطة، مشددًا على أهمية دور الأندية ومراكز الشباب والمدارس فى توفير مساحات مناسبة لممارسة هذه الهوايات، كما يدعو إلى تعاون الدولة والمؤسسات التعليمية مع الأسرة من أجل توجيه الأبناء نحو الأنشطة المفيدة.

ويضيف: أن استغلال وقت الفراغ بشكل صحيح يسهم فى الحد من العديد من المشكلات التى تواجه الشباب والأطفال، مثل: إدمان الهواتف المحمولة ومواقع التواصل الاجتماعى، وما يرتبط بها من مشكلات صحية تتعلق بالعينين والأذنين، فضلاً عن آثارها النفسية والسلوكية، والإجازة الصيفية تمثل فرصة مهمة للأطفال من ذوى اضطراب التوحد للاندماج فى المجتمع من خلال المشاركة فى الأنشطة الجماعية والرحلات والاختلاط بالآخرين، بما يساعدهم على تنمية مهاراتهم الاجتماعية والتواصلية.

ويشدد على ضرورة فتح المدارس ومراكز الشباب والساحات الشعبية أمام الأطفال والشباب خلال الصيف، خاصة أن اشتراكاتها فى متناول قطاع كبير من الأسر مقارنة بالأندية الرياضية مرتفعة التكلفة، مما يجعلها وسيلة مناسبة لتنمية المواهب الرياضية والفنية والثقافية، ويطرح فكرة الاستفادة من إمكانات الجامعات والمعاهد العليا خلال فترة الإجازة، من خلال تنظيم برامج تدريبية مرتبطة بالتخصصات الدراسية للطلاب، إلى جانب إقامة معسكرات وأنشطة شبابية تسهم فى استثمار وقت الفراغ بشكل إيجابي، وتمنح المشاركين خبرات عملية وحوافز تشجيعية.

ويطالب د. رشاد مؤسسات المجتمع المدنى والجمعيات الأهلية بتوسيع دورها بحيث لا يقتصر على تقديم المساعدات، وإنما يمتد إلى تنظيم رحلات وزيارات تعريفية للشباب والأسر إلى المعالم التاريخية والثقافية فى محافظاتهم، بما يعزز الانتماء والمعرفة بالتراث المحلى.. ويشير إلى أن العديد من المحافظات المصرية تمتلك مقومات سياحية وأثرية كبيرة لا يعرفها كثير من أبنائها، مستشهداً بمحافظات مثل: سوهاج وأسيوط والمنيا، مطالبًا المحافظين بإطلاق مبادرات وبرامج تستهدف استثمار طاقات الشباب وتعريفهم بمعالم بلدهم..

ويؤكد أن دور الأسرة يظل العامل الحاسم فى نجاح استغلال الإجازة الصيفية، لأن الفرق كبير بين تنمية مهارات الأبناء وبين مجرد ملء أوقاتهم بأنشطة لا تحقق فائدة حقيقية، وينصح الآباء والأمهات بمشاركة أبنائهم فى أنشطة متنوعة مثل: الرياضة والزيارات العائلية والرحلات والأنشطة المنزلية، بدلاً من تركهم لساعات طويلة أمام الشاشات، وللأسف بعض المواهب قد تضيع بسبب نظرة مجتمعية تقليدية تفضل نشاطاً على آخر، مؤكداً أهمية تشجيع الأبناء على ممارسة الأنشطة التى تتوافق مع ميولهم وقدراتهم، سواء كانت رياضية أو فنية أو موسيقية أو ثقافية.

ويختتم د. رشاد حديثه بالتأكيد على أن الاستثمار الحقيقى لإجازة الصيف لا يعتمد على حجم الإنفاق أو القدرة على السفر، وإنما على وعى الأسرة والمجتمع بأهمية استثمار الوقت، وتنمية المواهب، وبناء شخصية الأبناء بما يعود عليهم بالنفع فى المستقبل.

إجازة حقيقية

ويوضح د. وليد هندى استشارى الصحة النفسية، أن أولى خطوات النجاح فى استغلال العطلة الصيفية تبدأ من قناعة أولياء الأمور أنفسهم بوجود إجازة حقيقية، وضرورة أن يشاركونا هم أيضاً الاستمتاع بها، والتخلى عن دور الموجه الصارم الذى يطلق سيل الأوامر فقط، حيث يتطلب الصيف التوقف تماماً عن محاصرة الأبناء بعبارات «افعل ولا تفعل» التى اعتادوا عليها طوال أشهر الدراسة، واستبدالها ببناء جسور المشاركة والصداقة العائلية، مما يمنح الأبناء مساحة نفسية آمنة وممتعة للتعبير عن أنفسهم.

ويشرح: «الاستغلال الخاطئ لهذه الفترة الطويلة أظهر متلازمات نفسية حديثة تهدد جيل الشباب، مثل متلازمة «عمل - وقت» التى تصيب الطالب الذى يقضى يومه كاملاً بين النوم والاستيقاظ على الهاتف دون أى نشاط يُذكر، مما يفقده إيقاع الحياة الطبيعى ويقوده تدريجياً نحو الانسحاب والاعتزال الاجتماعى والاكتئاب، ويحذر من مصطلح «تعفن السرير» الذى انضم حديثاً للقاموس الدولى لوصف سلوك شريحة من «جيل زد» الذين يلازمون الفراش طوال اليوم بلا حراك، مما يسبب لهم خمولاً وترهلاً جسدياً ونوعاً من «تآكل الدماغ» وفقدان الشغف، بينما على العكس تماماً، أثبتت الدراسات العلمية، أن الأشخاص الذين يستغلون إجازاتهم بشكل صحى يمارسون فيه أنشطة لتنمية الذات تنخفض لديهم مخاطر الإصابة بالأمراض المزمنة كالسرطان بنسبة تصل إلى 20%».

ولمواجهة هذا الركود وفوضى السهر الطويل، يرى د. هندى أن الحل يكون من داخل البيت عبر خطوات عملية تبدأ بمنح الطالب فترة استرخاء تام لعدة أيام بعد الامتحانات، تليها عملية إعادة ضبط الساعة البيولوجية للمنزل بشكل جماعي، بحيث ينام الجميع ويستيقظون فى توقيت واحد مع إغلاق «جهاز الراوتر» والتليفزيون لفرض الانضباط، وضرورة إحياء «وجبة الغداء العائلية» التى وصفها بأنها وجبة نفسية تمنح الدفء العاطفى وتسمح بالتربية والمتابعة غير المباشرة لسلوكيات الأبناء، مقترحاً استغلال هذا التجمع لمشاهدة عمل درامى معاً من كنوز «ماسبيرو زمان» التى تناقش السلوكيات بذكاء..

ويدعو د. هندى الأسر المصرية إلى استغلال الفعاليات والمنشآت التى توفرها الدولة بدلاً من التحجج بالميزانيات الاقتصادية، فهناك حوالى 5000 مركز شباب منتشرة فى مصر تم تطوير جزء كبير منها ضمن مبادرة «حياة كريمة» وتضم مكتبات ومساحات للأنشطة، بالإضافة إلى أكشاك مشروع «كتابك» والمكتبات المتنقلة التى تقدم خدماتها مجاناً، فضلاً عن أهمية «التربية المتحفية» عبر زيارة المتاحف وحدائق الحيوان لتوسيع المدارك وتنمية العواطف الإيجابية، واختتم نصائحه بتقديم أفكار ذكية للأمهات لتنمية مهارات الحواس والانتباه داخل المنزل دون تكاليف.

مثل: إشراك الطفل فى المطبخ ليميز بين الروائح والأطعمة المختلفة، أو استخدام حبوب الأرز والفول لتوليد أصوات يتدرب على تمييزها، بالإضافة إلى ألعاب الماء والغميضة التى تنمى الخيال وسرعة رد الفعل.