محمود عبده
تحتفى لوحات الفنان ماهر جرجس بالطبيعة، بالأحرى بنسخته الخاصة منها، وهو يطلق العنان لألوانه البراقة كى تهيمن على كامل اللوحة، تحتلها وتأسر قلوب المشاهدين قبل أعينهم ببراعة ريشته فى توزيع الألوان واتساقها المثير للإعجاب، لا يبتعد كثيرًا عن منطق التأليف الموسيقى الأوركسترالي، فتستطيع أن ترى بعينيك كيف تصعد عصافيره أو أسماكه أو سماواته أو بيوته - ذات الطابع السكندرى المميز- درجات سلم الألوان وكيف تلتقى عند مقام لونى واحد كأنها ڤيولين يلتقى ترومبيت أو أوبوا فى إحدى سيمفونيات موزارت أو بيتهوفن. وأبطاله لوحاته كثيرون، ربما يستمدهم من التاريخ القديم فترى ملامحهم -كما سجلها المصرى القديم- ظاهرة فى لوحاته الجدارية أو فى البرديات، وهو يعيد تركيبهم ليتسقوا مع طريقته فى الرسم وفى تقسيم اللوحة، يملأهم ويحيطهم بمساحاتٍ من ألوانه الباهرة، ترى تلك العيون القبطية التى لا مثيل لها إلا فى مصر، باتساعها وجمالها، بكحلها وبرائتها، فى لوحات أخرى قد يعطى دور البطولة لأحد الخالدين الذين مروا أو عاشوا بمصر أو بالأسكندرية، سوف تجد سيد درويش وكفافيس ولورانس درايل وأونجاريتي، وهو عادة ما يعطيه بطولة مطلقة للوحة ثم ينسج من حوله ديكورًا مميزًا كما ينسج ديكورًا لأوبرا يؤلف موسيقاها ڤيردى أو سيد درويش.
وبصنعة خاصة به تبدو اللوحة وكأن لها إضاءة خلفية تنيرها وتحتفظ بها فى أعلى درجة تشبع لوني، وفى بعض اللوحات يقوم بإطفاء نور بعض المساحات ليترك شخصية البطل فى مركز اللوحة مضاءة كنجم أوحد للعرض، ويلزم باقى عناصر اللوحة بالصمت لينقل الأبصار إليه، تترقبه وتتأمل طلته الباهرة.
وهو مولع بكل ما هو مصري، مولع بكل ما هو سكندري، مولع بنمنمة ونقش التفاصيل الصغيرة التى تضفى الحياة على كافة شخوص وعناصر لوحاته، حتى لو كانت قطط أو عصافير أو مراكب أو أسماك أو غير ذلك، تلك النجمات الصغيرة التى يرسمها أحيانًا كما رسمها المصرى القديم وأحيانًا أخرى يرسمها كما رسمها الفنان المسلم، تبدو كل العناصر والشخوص التى يرسمها وكأنها جاءت لتحتفل معه بصناعة لوحة جديدة أو بتقديم عمل مسرحى لجمهور المشاهدين، يحرصون جميعًا على إبهارهم وإثارة حماستهم وانتزاع إعجابهم وتصفيقهم إن أمكن.

تتحول اللوحة إلى عالم سحرى تنبض دروبه بالحياة وتتفجر بالحيوية والفرح، هذا بالتحديد ما يصنعه ماهر جرجس فى دروبه الحانية.
فى قاعة (الباب) الملحقة بمتحف الفن الحديث بساحة المركز الثقافى القومى (دار الأوبرا)، افتتح الدكتور وليد قانوش رئيس قطاع الفنون التشكيلية وبصحبته الكاتب الكبير إبراهيم عبد المجيد والمخرج أحمد فؤاد درويش معرض الفنان الكبير ماهر جرجس.
تخرج الفنان ماهر جرجس فى كلية الفنون الجميلة بالأسكندرية عام 1973 وعمل بالثقافة الجماهيرية هناك إلى أن تولى إدارة مركز إبداع سيدى جابر، وفى عهده تحول المركز إلى شعلة متقدة من الأنشطة الفنية والثقافية على تنوعها، سينما ومسرح وموسيقى وفن تشكيلى وقراءة، تولى بعد ذلك منصب المدير العام لثقافة الإسكندرية ليواصل تاريخه الحافل فى دعم الثقافة وإتاحتها لكل مريديها ولجمهور المتعطشين إليها.
التقينا بعد الافتتاح وكان هذا الحوار.

متى اكتشفت موهبتك فى الرسم، وكيف كانت بداياتك الفنية؟
البداية كانت من المدرسة، التى كانت على أيامنا تموج بالأنشطة الجادة من الموسيقى والرسم والأشغال والرياضة والخطابة وغيرها.
واتجهت للرسم مع مدرسين فى غاية العطاء والاهتمام وبهم نمت الموهبة، ثم التحقت بكلية الفنون (القسم الحر) وكان لهذه المرحلة الدافع الأكبر فى بداية حياتى فقد وصلنى إلى منزلى خطاب الترشيح لقبولى بالقسم الحر، تخيل طالب ما زال يلبس الشورت ثم يُرشح للدراسة مع مجموعة من الهواة ومنهم كبار السن، ودرسنا على يد الفنان الكبير كامل مصطفى الذى أصبح عميدًا للكلية وقت دراستى العليا فيما بعد.

هل كانت هناك لحظة معينة أو شخص ألهمك لتسلك طريق الفن؟
كل مدرسى الرسم فى مراحل تعليمى ألهمونى لطريق الفن وخاصة المرسم فى المرحلة الثانوية حيث دراستى بمدرسة إسكندرية الثانوية (وهى فى الأصل قصر البارون منشا والذى أهدى فيلته لتكون متحف للفنون، والقصر تحفة معمارية مهملة)، وكانت حجرة الرسم تزدان برسوم مثل رسوم مايكل أنجلو وفيها وجدت الاهتمام والعالم تفتح لي.

كيف تصف أسلوبك الفني؟ وهل هناك مدارس فنية معينة أثرت فيك؟
لا أجد أسلوبى الفنى بمدرسة ما، ولكن هناك روافد من الفن العالمى ومن الفنانين العالميين مثل الفنان الفرنسى ديلاكروا ومن الفن الحديث بيكاسو وخوان ميرو وموديلياني.
أما البيئة الساحلية السكندرية ومجتمعها وشخوصها الشعبية والمبدعين السكندريين سيد درويش ومحمود سعيد وسيف وأدهم وانلى فقد كان لهما الأثر الكبير فى ثقافتى مع المبدعين الأجانب الشعراء كفافيس اليونانى وأونجاريتى الإيطالى والكاتب لورانس داريل الانجليزي، وأيضًا هناك الأثر المعمارى والعمارة الإيطالية ومهندسيها لوريا وماريو روسى الذى طور مسجد أبى العباس وأنشأ مسجد القائد إبراهيم، وهناك تأثيرات أخرى تتمثل فى المقاهى السكندرية واليونانية ومتحف الفنون الجميلة وأتيليه اسكندرية والمراكز الثقافية الأجنبية.
ما هى المصادر التى تستمد منها إلهامك؟
مصادر إلهامى تشمل الحضارة المصرية القديمة، المعابد والمقابر والرسوم الجدارية وتتناص لوحاتى مع بعض تلك الرسوم، والاسكندرية وما تحتها من طبقات حضارة رومانية ويونانية وأقف دائمًا عند وجوه الفيوم، أيضًا الفن القبطى والأديرة والجداريات والأيقونات كالتى حافظ عليها وطور فنونها الفنان إيزاك فانوس.
وأيضًا الفن الإسلامي، إبداعات الخط العربى بأنواعه وزخارفه وعمارة المساجد، البيئة الساحلية السكندرية وشخوصها الغنية ومبدعيها، سيد درويش ومحمود سعيد وسيف وأدهم وانلي، كفافيس اليونانى وأونجاريتى الإيطالى ولورانس داريل الانجليزى وفى العمارة لوريا ومبانيه المشهورة وأيضًا الإيطالى ماريو روسي.
كما تلعب الأمومة والأسرة محورًا هامًا فى أعمالي، وأعمالى كما ترى تميل إلى التحليل الزخرفى والألوان الساطعة النابعة من التأثير النقى لطبيعة الساحل.
ما هى أكثر لوحة تعتز بها فى مسيرتك الفنية، ولماذا؟
من اللوحات المحببة لى ما أُنتج عن التناص مع الفن المصرى القديم وأيضًا رؤيتى الخاصة لوجوه الفيوم واللوحات التى كان الشعر ملهمًا لها مثل الشعراء صلاح عبد الصبور وأمل دنقل وسيد حجاب ومحمود درويش.
هل هناك قصة أو رسالة معينة تحاول إيصالها من خلال أعمالك؟
>> ما أحاول تحقيقه لوحات رسوم بسيطة واضحة تتقبلها جميع المستويات الثقافية وهى تحمل أفكار ورموز وتحاول أن تصل بالفكرة العميقة إلى المتلقى البسيط والمتلقى ذو الثقافة العالية بدون أى فقد لأى قيمة تشكيلية.
كيف تختار موضوعات لوحاتك؟ هل تعتمد على الأحداث الجارية، أم على مشاعرك الشخصية؟
الأحداث الجارية رافدًا مع المشاعر تجاه القضايا الحياتية.
ما هى أكبر التحديات التى واجهتك فى مسيرتك الفنية؟
التحديات متعددة منذ أن كنت مديرًا لموقع ثقافى ومحاولاتى لتقديم الثقافة بأنواعها من الأدب والفن التشكيلى والسينما والمسرح، أما تحدياتى الآن فهى اللوحة البيضاء لمشروع عمل تشكيلي.
هل واجهت صعوبات فى تحقيق التوازن بين الفن والحياة الشخصية؟
لا أجد أى صعوبة فى التوازن بين الفن وحياتى الشخصية بل إن الفن كثيرًا ما يسهل أى صعوبات فى حياتي.
كيف ترى المشهد الفنى فى مصر اليوم؟ هل تعتقد أن هناك دعمًا كافيًا للفنانين؟
هناك إرهاصات وهناك ثراء وهناك رصيد وهناك مدعين وهنا اختلطت الأمور وتحتاج إلى من يقوم بالرصد والفرز والتقييم.
ما هى نصيحتك للفنانين الشباب الذين يحاولون دخول عالم الفن فى مصر؟
الفنانين الشباب عليهم بالثقافة عامة، الأدب الروائى والشعري، السينما الجادة طبعًا، المسرح أبو الفنون، الموسيقى ومنها الكلاسيك والحديثة والعربية، القراءة فى شتى النواحي، الممارسة الدؤوبة، الاستزادة من تحصيل الفن والمعلومات عن الفن المصرى القديم والقبطى والإسلامي، الزيارة الدائمة للمتاحف والمعارض الجارية.
هل تعتقد أن الفن التشكيلى يحظى بالاهتمام الكافى من الجمهور المصري؟
للأسف الفن التشكيلى لا يحظى بالاهتمام رغم ذائقة الناس الفطرية وحبهم للفن ولكن البداية يجب أن تكون من المدرسة وممارسة الهوايات، ومن الأسرة ودورها فى الرعاية والتشجيع لمواهب الأطفال (بقدر المستطاع وبرغم الحالة المادية الصعبة).
قصور الثقافة عليها العمل الجاد وجذب الناس والموهوبين، ويجب الاهتمام بمعارض الأطفال والورش فى جميع أنحاء الوطن وليس العاصمة والمدن المركزية فقط، يجب عمل مسابقات دائمة للشباب والأطفال ومحاضرات دورية فى المدارس بإشراف قطاع الفنون.
من المهم جدًا الاهتمام بالتجميل الحقيقى للمدن واستبعاد الأعمال الركيكة الفاقدة للذوق والفن، إذا نشرنا الفن الهابط سيكون اعترافًا بأنه فن حقيقى وبذلك يفقد الناس الذوق الرفيع.
يجب أيضًا دعم خامات الفنانين والتى تقف عقبة أمام إنتاجهم واستمرار مسيرتهم.
هل تعمل حاليًا على مشروع فنى جديد؟
كل لوحة بالنسبة لى هى مشروع جديد حتى لو تكرر الموضوع فالمعالجة والتكوين تصبح أكثر عمقًا وثراء.
هل هناك حلم فنى لم تتحقق بعد وتطمح لتحقيقه؟
كل لوحة منتهية هى حلم قديم والحلم الجديد ينتج لوحة جديدة، إذا فقدنا الحلم فقدنا الإبداع (لو بطلنا نحلم نموت).
هل تفكر فى تجربة أنواع فنية جديدة، مثل النحت أو التصوير الفوتوغرافي؟
الرسم والتصوير هم الفنَّان المتاحان لى لظروف العمر والجهد.
وأنا أشفق على فنانى النحت رغم حبى الشديد لهم وللنحت عن إمكانية ممارسة أعمالهم النحتية فى ظل ظروف شديدة القسوة من حيث المكان والإمكانات والخامات (أحجار وجرانيت وأدوات ولوازم) وهذا أثر على جمال المدينة.
كيف تؤثر حياتك الشخصية على فنك؟
عشت حياة ثقافية ممتعة سواء فى التعليم أو فى العمل الثقافى وأبضًا حياة تشكيلية أكثر إمتاعًا وحياة أسرية كثيرها رائع ويؤكد لى ذلك أن أبنائى لديهم الذائقة الفنية والقدرة على التقاط كل ما هو جميل ولهم نصيب من الإبداع.
كيف تقضى وقتك خارج الاستوديو؟
معظم الوقت أمارس الرسم، والمرسم حياتى والخروج أصبح شحيحًا لظروفى الصحية ولكنى أشارك بكل حواسى فيما يدور وكنت سابقًا قادرًا على الإبحار والمعارك المحببة.
هل تعتبر الفن وسيلة للهروب من الواقع، أم وسيلة لفهمه بشكل أفضل؟
الفن ليس هروب ولكن هو مجابهة الواقع الذى قد يكون أحيانًا رديئًا ويبقى السؤال هل أنت قادر على صنع الجمال؟ هل أنت قادر على التعبير عن المجتمع؟
هل أنت قادر على إبهاج الناس؟
وبهذه الأسئلة التى يوجهها الفنان الكبير إلى نفسه وإلى قبيلة المبدعين فى كافة مجالات الإبداع آثرت أن ينتهى الحوار حتى لا أثقل عليه ولأتركه يعود إلى تأملاته ولوحاته.
محطات فى تاريخ الإذاعة المصرية
صدر له مؤخرًا «بدايات المسرح فى صعيد مصر»
برشلونة تفتتح أول مكتبة فى العالم مخصصة لفلسطين







