تفاعل إيجابى مع خطة طموحة :صالون إبداع المرأة المصرية.. مبادرة لوضع المبدعات فى دائرة الضوء

صالون إبداع المرأة المصرية..  مبادرة لوضع المبدعات فى دائرة الضوء
صالون إبداع المرأة المصرية.. مبادرة لوضع المبدعات فى دائرة الضوء


عمرو سعيد


مؤخرًا أعلنت الروائية والنائبة البرلمانية ضحى عاصى إطلاق مبادرة صالون إبداع المرأة المصرية» بالتعاون مع مجلة «أدب ونقد».

يهدف الصالون إلى تسليط الضوء على منجزات المبدعات المصريات فى مجالات الإبداع، مثل الكتابة الأدبية بأنواعها، الرواية والقصة والشعر والمسرح، بالإضافة إلى كتابة السيناريو والإخراج المسرحى والسينمائى والفن التشكيلى،ومن المخطط توثيق واستضافة نحو 150 مبدعة خلال عام واحد.

ويركز الصالون على استضافة ثلاث مبدعات من مجالات أو أعمار مختلفة فى لقاء واحد حتى تحدث حالة من التواصل بينهن. وحتى الآن، ومنذ تدشين الصالون فى احتفال ضخم حضره مثقفون من مختلف التيارات نظم ثلاث ندوات، اثنتان استضافتا روائيات وكاتبات مسرح، أما الثالثة فكانت عن الناقدة والصحفية فريدة النقاش.

حرصنا على التحدث مع ضحى عاصى بتوسع عن أهداف الصالون، والتوقعات وردود الفعل، وكيف يمكن لهذه المبادرة أن تتطور.

تقول: «لم أتوقع هذا الحجم الكبير من التفاعل الإيجابى مع المبادرة، ولكننى أيضًا لم أتوقع تصنيف المسألة كحركة نسوية، وفتح التساؤلات حول قضايا مثل الكتابة النسوية والجندرية.



كل ما فى الأمر أننى لاحظت ازدياد عدد المبدعات، وخاصة الكاتبات، بشكل كبير، كما أدركت وجود العديد من الأسماء حققت نجاحات بارزة، ومع ذلك لم أسمع بهن شخصيًا، رغم وجودى فى قلب المشهد الثقافى.

أدركت حينها أن هناك قصورًا فى تسليط الضوء على منجزاتهن، وأن هناك أيضًا دوائر مختلفة داخل المجال نفسه لا تعرف الكثير عن بعضها البعض. لذلك، أردت أن يكون هناك فضاء يتيح فرصة للتواصل».

وتضيف: «من الأمور التى لم أتوقعها أيضًا عند بدء الصالون أن حديث الكاتبات عن أنفسهن أفرز شهادات يمكن توثيقها ودراستها فى المستقبل، مما قد يسهم فى فهم المناخ الثقافى والاجتماعى، وظروف الكتابة لدى المبدعات.

فهن ينتمين إلى خلفيات ثقافية وبيئية متنوعة جدًا؛ فبينما نشأ بعضهن فى بيئات داعمة، حيث وفر لهن الوالدان الكتب والتشجيع، واجهت أخريات تحديات مختلفة. حتى الآن، استضفنا مبدعات أظهرت تجاربهن تنوعًا كبيرًا، بل وأحيانًا تناقضًا تامًا، مما يساعد فى كسر الصور النمطية عن إجابة أسئلة مثل لماذا تكتب المرأة؟».

هل يمكن اعتبار المبادرة ورشة عمل للكاتبات الجدد؟ أسأل وتجيب: «لا، الصالون ليس ورشة عمل، بل هو فضاء ثقافى لكاتبات لديهن أعمال منشورة بالفعل.



ومبدعات فى مجالات أخرى لكن هذا لا يعنى أن الكاتبة أو الكاتب الشاب لا يمكنهما الاستفادة، فمن خلال الصالون توجد فرصة للتواصل وتبادل الخبرات، حيث تلتقى الكاتبات بالناشرين، وببعضهن البعض، وربما تكون هذه بداية لفرص نشر جديدة أو تعاونات مستقبلية. الفكرة قابلة للتطور، وأى تجربة يمكن أن تنجح أو تواجه تحديات، لكن المهم هو المحاولة والاستمرار».

وحول كيفية تعاملها مع مبدعات من خارج القاهرة تعلق: «الصالون مفتوح لأى مبدعة، بغض النظر عن مكان إقامتها. بالعكس أسعى إلى دعوة مبدعات من خارج القاهرة لعمل جسر من التواصل ربما يكون ذلك بشكل فردى أو مثلاً يمكن تخصيص يوم لاستضافة مبدعات من الإسكندرية أو أسيوط. سنحدد هذه الآليات لاحقاً. ولكنى أتصور أنه فى البداية سوف يستضيف الصالون من لهن منجزا حتى لو لم يكن كبيرا».

وتواصل: «كما أنه لا يقدم تقييما نقديا للمنجز فأنا لست ناقدة، ودورى ليس تصنيف الإبداع، بل تسليط الضوء على الجهد المبذول من المبدعات وإبراز أعمالهن بالمشاركة والتفاعل مع منجزهن. ولكن ربما من خلال الصالون يتفاعل النقاد مع منجز المبدعات».

وعن التواصل مع المبدعات وآلية اختيارهن تقول: «هناك عدة طرق: من خلال الدوائر القريبة من المبدعات، أو من خلال الترشيحات سواء من دور النشر أو متخصصين فى مجالات الإبداع المختلفة، أو المبدعات المشاركات حيث يقمن بترشيح أسماء أخرى، أو ترشيحات من مصادر مغايرة كنوادى الأدب مثلا، إذ أحرص على ألا تقتصر الدعوات على معارفى الشخصية، وذلك لفتح المجال لمشاركات أوسع وأشمل. وطبعا يمكن أيضًا للمهتمات من المبدعات أنفسهن التواصل معى بشكل مباشر. 

أسألها هل تعدّ هذه المبادرة تهميشًا للرجال أو امتدادًا للحركات النسوية؟ فتجيب بدهشة: «هل يستطيع أحد تهميش الرجال؟ لن أقول فى مجتمعنا فقط، بل فى العالم كله! لم أتوقع مثل هذه التفسيرات التى كنت أظن أننا قد تجاوزناها.

لماذا يُنظر إلى تسليط الضوء على إنجازات المرأة وكأنه تهميش للرجال! بالنسبة لى، الإبداع لا جنس له؛ هناك إسهام جيد أو إسهام ردىء، لكن هذا لا ينفى أن للمبدع جنسًا.. أما النظريات النقدية التى تتناول الكتابة النسوية، فأنا شخصيًا غير مشغولة بها، فهذا ليس دورى. أنا كاتبة أكتب ما أريد، والنقاد لهم كل الحق فى تصنيف ما أكتبه.

ومع ذلك، أتعجب أحيانًا: لماذا لا يوجد مصطلح الكتابة الذكورية عند الحديث عن الموضوعات التى يكتب عنها الرجال وعالمهم؟ لماذا لا يتم وصفها بهذا الشكل؟ فى النهاية، هذا جدل لن ينتهى».

ثم تسأل: لكن لماذا إذن هناك مبادرة لإبداع المرأة؟ ونجيب على نفسها: «لأن من البديهيات أن الرجال فى مجتمعاتنا لديهم فرص أوسع للظهور والتواصل، إذ تتيح لهم طبيعة المجتمع مساحات اجتماعية أكبر، مثل التواجد فى المقاهى مثلًا لأوقات طويلة وبناء دوائر علاقات تساعدهم على الانتشار.

أما النساء، فليست لديهن دائمًا نفس المساحات، وبالتالى، تسعى المبادرة إلى توفير فضاء يمكن للمرأة المبدعة أن تتواجد فيه، ويتم تسليط الضوء على منجزها، سواء بالتعرف عليه، أو دراسته نقديًا، أو توثيقه.»

تصمت لحظة قبل أن تقول: «بالمزاح، قلت ذات مرة إنه يمكننا التفكير فى مبادرة مخصصة للرجال بعد انتهاء هذه المبادرة! لكن الواقع أن الرجال لديهم بالفعل الكثير من الوسائل، بينما نحاول فقط توفير مساحة إضافية للمرأة المبدعة».

وفى ردها على سؤال: هل هذا يعنى أنهن بحاجة إلى منصة للتعبير عن أنفسهن؟ تجيب: «نعم، والدليل على ذلك أن التفاعل أسفر عن جدول مكتمل حتى شهر مايو، مما جعلنى أتعجب من حجم الفراغ الذى كانت تعانى منه الساحة. كنت أرى الأمر مجرد فكرة بسيطة، صالون أدبى كأى صالون آخر، ولم أكن أتوقع هذا الكم من التفاعل.

فى يوم التدشين، ظن البعض أن الفكرة تتمحور حول دور المرأة فى المجتمع. فى البداية، تطرق البعض إلى هذا الموضوع، لكنه لم يكن محور اللقاءات اللاحقة.»

وتضيف: «طابع الصالون وهدفه هو تسليط الضوء على منجزات المبدعات، وبالتالى، عندما بدأ النشاط الفعلى، جاءت الجلسات مشابهة للندوات الثقافية، حيث تتحدث كل مبدعة عن مشروعها الإبداعى، وتعرض أعمالها، ويتم مناقشتها بشأن إنتاجها.

لم يكن الأمر متعلقًا بالنسوية كما اعتقد البعض، بل كان يركز على الإبداع ذاته، مع تنوع القضايا والموضوعات وفقًا لمشروع كل مبدعة».

هل هناك تفكير فى تسجيل الندوات أو جمع محتواها فى كتاب لاحقًا؟ تجيب: «أنا لا أرغب فى فرض اتجاه معين على الصالون، بل أفضل أن يتطور بشكل طبيعى.

ولا أريد استباق الأحداث، فكم من أفكار بدت عظيمة لكنها لم تسفر عن شىء كبير فى الواقع، والعكس صحيح. نحن ما زلنا فى بداية التجربة، والأمور حتى الآن تسير بسلاسة، والحضور جيد، وهناك تواصل جميل بين المبدعات والجمهور، مما يجعل الندوات ناجحة. على أى حال، قمت بتسجيل بعض الأجزاء صوتيًا فقط لمساعدة الصحفيين أثناء تفريغ المحتوى».

وحول أسباب عدم الترويج للصالون عبر وسائل التواصل الاجتماعى تقول: «بالطبع، يتم الإعلان عن الصالون عبر صفحتى على فيسبوك وعلى صفحات المبدعات، لكننا لا نقوم بذلك بشكل احترافى أو ممول.

فى الماضى، لم تكن هناك وسائل تواصل اجتماعى، وكانت الصالونات أكثر واقعية وحقيقية، لذلك أسعى للحفاظ على هذا الطابع فى الصالون، بعيدًا عن فكرة «الشو» الإعلامى. أؤمن بأن النجاح الحقيقى يأتى بشكل طبيعى وتدريجى، دون الحاجة إلى ترويج مصطنع لا يتناسب مع فكرة لا تزال فى بدايتها».

تصورات أولية
انتهى حديثنا مع مؤسسة الصالون ليبدأ مع بعض المثقفين. الكاتبة المسرحية رشا عبد المنعم قالت إن فكرة وجود صالون يُعنى بإبداع المرأة هى فكرة ضرورية ومطلوبة.

وأوضحت أنها تدير مهرجان إيزيس الدولى لمسرح المرأة، الذى يركز أيضًا على إبداع السيدات. وأشارت إلى أنه، وبموضوعية، غالبًا ما يكون هناك نقص فى تسليط الضوء على إنجازاتهن فى مجالات الأدب والفن ورأت أنه سيكون فرصة جيدة للتسويق والتوثيق لإبداعن فى مجالات مختلفة. 

وأكملت: «توقعت أيضاً أن يكون هذا الصالون بمثابة جسر بين الأجيال، لأن هناك فجوة زمنية بينها تحتاج إلى عمل، وأيضًا جسر بين الأجناس الأدبية المختلفة، وخاصة المسرح.

الذى دائمًا ما يكون فى منطقة بينية بين الأدب والفن. كُتاب المسرح يُصنَّفون أحيانًا على أنهم أقرب إلى الأدب -فى منقطة خارج الصناعة نفسها- والأدباء يرونهم أقرب إلى الفن. حتى فى النشر، دائمًا ما يكون هناك نقص فى الاهتمام بنشر المسرح». 

واستطردت: «المبدعات فى مصر دائمًا ما تكون تجاربهن غنية جدًا، لأنهن يعشن على الحافة دائمًا، سواء اجتماعيًا أو رقابيًا. يواجهن تحديات أكثر مما قد يواجهها الرجال، بما فى ذلك الرقابة الذاتية التى قد تشعر بها أى امرأة أثناء الكتابة، حيث تخاف من الحكم الاجتماعى، أو من النقاد الذين يبحثون بين السطور ويقومون بعمل إسقاطات على حياة المبدعات، أو من مستويات متعددة من الرقابة تبدأ من بواب العمارة وحتى النقاد والقراء، وأخطرها الرقابة الذاتية التى تمارسها هى على نفسها». 

وفى ردها على السؤال التالى حول المردود على أرض الواقع، وهل اقتصرت المشاركة على السيدات فقط، خاصة وأن العنوان يشير إلى الاهتمام بإبداع المرأة؟ قالت: «بالطبع المسألة ليست مقصود بها أن ننشئ حزبًا منغلقًا، لا بالعكس.

بالتأكيد كان هناك حضور كبير من الرجال ومن المبدعين، كانوا متحمسين ومشجعين، واهتموا بإبداء آرائهم. وفى الحقيقة، ما توقعته وجدته على مستوى التفاعل. كان هناك نقاش ثرى وتفاعل جيد من جانب الجمهور، وكذلك من جانب الصالون نفسه فى التحضير. وأنا أتابع الاختيارات التى تقوم بها ضحى، وألاحظ التنوع والاختلافات فى الاختيار من حيث الشخصيات والأفكار، وكذلك وجود أجيال وحساسيات مختلفة فى الكتابة».

الخطاب الذكورى
من جهتها قالت الروائية هناء متولى فى إجابتها عن سؤال: «هل يُعتبر الصالون امتدادًا للحركة النسوية؟»: «قطعًا لا هو مساحة لتسليط الضوء على الكتابة النسائية، لأنها لا تحظى بالاهتمام الكافى.

ولكن بعيدًا عن فكرة الخطاب الذكورى، لكن الواقع أن الكتابة الرجالية هى الشكل التقليدى السائد، رغم أن السنوات العشر الأخيرة شهدت زيادة كبيرة فى أعداد الكاتبات المشاركات فى معارض الكتب.

ومع ذلك، لم يكن هناك اهتمام كافٍ بالأقلام النسائية، ليس من منظور «الكتابة الجندرية» فقط، بل الحديث عن كتابة النساء بأقلامهن الخاصة، وهى ظاهرة موجودة فى أوروبا وأمريكا، حيث تقوم منظمات حقوقية بدعمها من خلال جوائز خاصة ونسب محددة للنشر مقارنة بالكتاب الرجال.

وفى إجابة هناء متولى عن سؤال: هل لديكِ اقتراحات لتطوير الصالون ليشمل مثلًا الكاتبات من الأقاليم؟ قالت: «هناك الكثير من الأفكار، لكن ضحى تأخذ الأمور خطوة بخطوة، خاصة مع القلق من توقيت رمضان، لكن الإقبال كان أكبر من المتوقع.

أما عن كاتبات الأقاليم، فأنا شخصيًا أعتبر نفسى كاتبة أقاليم، رغم أننى أعيش فى القاهرة حاليًا، ولكن ليس كل الكاتبات لديهن هذه الفرصة. هناك كاتبات من الصعيد ومناطق أخرى من الضرورى أن يكون لهن صوت فى الساحة الأدبية».

وأكدت هناء أن الصالون لا يقتصر فقط على الكاتبات المعاصرات، بل يهتم أيضًا بالكاتبات اللواتى كتبن فى الماضى ولم تُقرأ تجاربهن نقديًا بشكل جيد، أو لم تحظ أعمالهن بالاهتمام الكافى.

وأضافت أنه يمكن إعادة النظر فى إنتاج هؤلاء الكاتبات وتسليط الضوء عليه، خاصة فى عصر «السوشيال ميديا» الحالى، حيث يتيح للكتاب والكاتبات التعبير عن أنفسهم بسهولة. 

وأشارت إلى أن عملية النشر فى الماضى، خصوصًا فى التسعينيات وما قبلها، كانت محصورة فى دوائر محدودة، وكانت هناك أسماء تتحكم فيما يُنشر وما لا يُنشر، مما أدى إلى ضياع العديد من التجارب الأدبية المهمة. وأكدت أن أحد أهداف الصالون هو إعادة إحياء هذه التجارب وإعطائها حقها من الاهتمام.

الوجه الآخر للعمل السياسى
ومن جانبه قال د. محمد عفيفى، أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر: «سعدت بالصالون كثيرًا، أولاً لأنه خاص بالمبدعات والكاتبات، وهذا أمر جيد أن يكون ثمة اهتمام بدور المرأة فى الكتابة.

وهذا دور تاريخى فى مصر. الأمر الثانى أنه صالون داخل حزب التجمع، وهذا فى الحقيقة مهم لأنه على الأحزاب السياسية ألا تهتم فقط بالجانب السياسى، ولكن أيضًا تهتم بالجانب الثقافى والاجتماعى.

أعجبنى الصالون أيضًا لأن فكرة الصالونات الأدبية كانت تاريخيًا جزءًا من مشروع النهضة المصرية. أتمنى للصالون أن يستمر، ولكن لأننا فى مصر والعالم العربى نبدأ الأشياء بقوة ثم نتراجع، أتمنى أن يستمر هذا الصالون، وأتمنى للدكتورة ضحى عاصى وزميلاتها أن يستمررن فى النجاح».