الصبى فى نعيم أحلام اليقظة

للفنان: فرا أنجليكو
للفنان: فرا أنجليكو


حسن عبد الموجود


عشت طفولة قاسية فى قرية بدائية خلال السبعينيات. أغلب البيوت عاشت على الكفاف. لم يكن أيُّ أبٍ يهنأ إلا حين يوفر جوال طحين، ويترك للزوج مهمة تربية بضع دجاجات وبطات. لم يكن اللحم يُطبخ سوى أيام الخميس، ومع هذا لم يكن الجميع قادراً على شراء رطل واحد منه أسبوعياً، وهكذا يأتى القرار الصعب، بذبح دجاجة، وبالتالى خسارة بيضاتها.

فى ذلك العالم البعيد، قنعنا من الطعام بالجبن القديم الممتلئ بالديدان، وبـ«الشلولو» البارد، حيث تُنقع الملوخية الناشفة مع فصوص الثوم والشطة الجهنمية الحمراء فى طنجرة تمتلئ بمياه الطلمبة الفاترة، قنعنا بالفول الأخضر المسلوق، بمذاقه الزنخ، والفلفل الرومي الضخم المقلى، والعدس، والبصارة، والحلبة الخضراء والفجل. 

بالتالى انصرف تفكير الصبى، الذى كنته، إلى الجنة، من منظور الطعام. تهاجمنى نوبات أحلام اليقظة فتُسكِت قرصة الجوع فى الظهيرة. طاب لى فى تلك الأحلام أن أستعيد آيات قرآنية تصوِّر النعيم، حيث الحَبِّ والعنب والزيتون والنخل والحدائق الغُلبا والفاكهة وأنهار الماء العذب واللبن والخمر والعسل المُصفَّى، طاب لى أيضاً أن أستعيد حكايات شيخ المسجد، فى خطب الجمعة، عن الجنة.

وأحول نفسى إلى بطل لها. أفكر فى العنب فتتدلَّى التعريشة من سقف قصرى بالجنة، وتصل العناقيد الطيِّبة الحلوة إلى فمى، لا أبذل أى جهد لتحريك يدى وقطفها. أكتفى بالكسل بينما تداعب العناقيد وجهى.

لن أقلق من نفاد العنب أبداً، فكلما التهمت عنقوداً ينبت غيره فى لمح البصر. فى أحلام اليقظة لا مكان للتفاح البلدى الأخضر المُرِّ، وإنما للتفاح «الأمريكانى» الأحمر وثمرات المانجو الهائلة. فى الجنة بإمكانى أن آكل خروفاً مشوياً، أو عشرات الأزواج من الحمام المحشى. بإمكانى آن أستطعم لحم الغزال أو الديوك «المالطي»!

فى لحظات الشبع تختفى هذيانات الطعام، وتبدأ الأحلام الحسِّية. لقد وعَدَنا الشيخ بأكثر من سبعين حورية، من ذوات الأسنان اللولى، والوجه المضىء كالبدر، والأجساد البضَّة. كان يرسم صورة الحورية بالكلمات، لكن بعض الصفات لم تعجبنى، كأن يقول إنها شفافة، لدرجة أنك حين تنظر إليها ترى الدم وهو يسرى فى عروقها. تلك الصورة ترعبنى ولا تثيرنى.

تجرَّأت ذات مرة وسألته إن كان بإمكانى طلب الحورية على ذوقى، فقال إن فزت بالجنة تفعل ما تشاء. استخفنى الطرب، وبدأت أشكل الحورية على مزاجى، ربما أطلبها سعاد حسنى، أو لبنى عبد العزيز، أو هند رستم، أو برلنتى عبد الحميد، أو ليلى فوزى، أو راقية إبراهيم، أو تحية كاريوكا، لم أكن نعرف أسماء جميلات السينما العالمية وقتها، وبالتالى كانت مخيلتى محلية تماماً. حازت ليلى فوزى على دور البطولة فى خيالاتى. رأيت نفسى أتمشَّى بصحبتها على شاطئ نهر الخمر، أو اللبن، والآن استبدلتها بسكارليت جوهانسون.

لكن بعض الأسئلة كان يكدرنى، صحيح أننى أحب الجنة، لكن هناك فى الدنيا أشياء جميلة أيضاً، فريق الأهلى مثلاً. هل يمكن أن يصبح العالم، أى عالم، ذا معنى إن خلا من الشياطين الحمر؟! هل يمكن أن أعلق صور بيبو أو طاهر أبوزيد أو مصطفى عبده أو ربيع ياسين على جدران القصر؟ هل مسموح بأن أدق مسامير فى طوبة ذهب أو طوبة فضة؟ هل يكف محمود سالم عن تأليف «الشياطين الـ13» و«المغامرون الخمسة»؟ هل يعقل ألا يُسمح لى باقتناء «ملف المستقبل»؟ أو «رجل المستحيل»؟ هل يمكننى نقل مكتبتى الصغيرة معى؟ هل يمكننى مشاهدة أفلام الكارتون؟ وقراءة ميكى؟ وإن تزوجت عن حُبٍّ هل تتركنى زوجتى أغرق فى بحر الحوريات؟ وبما أنى فلاح ابن فلاحين هل بإمكانى أن أزرع بيدى فى أرض الجنة؟ ماذا لو دخل رفاقى النار؟ لماذا يقول الشيخ إن بإمكانى النظر إليهم فقط من شباك القصر؟ لماذا لا أستطيع أن أعتقهم؟ لو مت صغيراً هل أصبح واحداً من غلمان الجنة المخلدين؟ إذن لماذا تنحصر مهمتى على الطواف بأكواب وأباريق وكأس من معين على سكان الجنة؟ لماذا لا أصبح حرَّ نفسى؟ مالكاً مثلهم؟ ولماذا نُوَّرث جميعاً ملامح سيدنا يوسف؟ ما الممتع فى أن نتشابه؟ هل يمكننى الحياة بوجهى الحالى؟ ماذا لو قرر أبى ألا يعيش مع أمى؟ هل يمكن أن يصبح قاسياً إلى تلك الدرجة؟ هل أطلب منها أن تأتى لتعيش معى؟ ما درجتى فى الجنة؟ أنا أريد أن أكون فى أعلى عليين، حتى أتمتع بالنظر إلى الذات الكبرى، لكن تلك الدرجة تعنى أن أتنازل عن كل الميزات الأخرى، إذ أن نعمة القرب لا تعادلها نعمة أخرى. هل تتسع الجنة لكل هؤلاء البشر؟ من الأسلاف إلى الناس فى علم الغيب؟ أين توضع السماء بعد أن يطويها الله بيمينه كالصحيفة؟ ماذ نرى إن نظرنا من شبابيك القصر؟ كيف تتحرك أسرَّتنا كما يقول الشيخ لتنقلنا إلى عزيز بمجرد أن يهل على وجداننا؟ هل تسير على عجلات أم تصبح كبساط علاء الدين؟ كيف تصير هيئة جهازى الهضمى طالما لن تكون هناك عملية إخراج؟ ما الطريقة التى تتحول بها الفضلات إلى مِسك؟ ولماذا مِسك لا عطر «وان مان شو»؟ لماذا تفنى الحيوانات بعد أن تُبعث وتقتص من بعضها؟ إن كانت الجنة باتساع السماوات السبع والأراضين السبع فلماذا لا تُترَك لتأكل من عشب الجنة؟ هل بإمكانى مقابلة ملوك الفراعنة العظام؟ لماذا لا يدخل أصدقائى المسيحيون الجنة؟ أم أن رحمة ربى قد تشملهم؟ 

ذهبت مرحلة الصبا ومعها ذهبت تلك الأسئلة، وأحلام اليقظة، وخيالات المراهقة، وهذيانات القيلولة، ولم يتبقَ منها سوى أمنية وحيدة فى حالة أننى، بعد ملايين السنين، شعرت بيد تهزنى برفق وتوقظنى.

أنهض وأنفض الغبار عن كفنى، أسير قليلاً دون أن تحرقنى الشمس القريبة، أو تلسعنى الحمم، وأخيراً أتوقف حين أجد الأحباب فى انتظارى أمام باب الرضوان.