أَحْمَد عَايِد
لَا أَرَى الْأَشْيَاءَ كَمَا هِىَ الْكِتَابَ..
شَجَرَةً تَبْكِى وَهُمْ يَنْتَزِعُونَ أَحْشَاءَهَا الْمَكْتَبَةَ
.. تَوَابِيتَ لِلْأَشْجَارِ الْمُحَنَّطَةِ الشَّالَ..
خَرُوفًا سَعِيدًا بِقَصَّةِ شَعْرِهِ الْجَدِيدَةِ
السَّحَابَةَ.. نَهَرًا يَتَفَجَّعُ عَلَى ابْنَتِهِ الَّتِى اخْتُطِفَتْ مِنْهُ
الظِّلَّ.. سَجِينًا لَا يَسْتَطِيعُ الْهُرُوبَ
الْعَامِلَ.. أَطْفَالًا جِيَاعًا يَنْتَظِرُونَ الْعَشَاءَ
الشَّارِعَ.. مَوَاعِيدَ لَا تَحِينُ
أَنَا حِينَ أَرَاكِ..
آهِ مِمَّا يَحْدُثُ حِينَ أَرَاكِ
أَرَى آدَمَ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ أَوَّلَ مَرَّةٍ.
الْهُرُوبُ مِنْ مَأْزِقِ الْقُرُونِ الْوُسْطَى
أُرَاقِبُ سَاعَتَيْنِ
سَاعَةَ يَدِي، وَسَاعَةَ الْحَائِطِ.
وَأَيًّا يَكُنْ مَا سَيَأْتِي
أُفَكِّرُ فِى أَنَاقَتِي
فَحَتَّى لَوْ حَانَتْ لَحْظَةُ مَوْتِي
نَسْتَحِقُّ –أَنَا وَالْمَوْتَ- أَنْ أَهْتَمَّ
بِشَكْلِى فِى عَيْنَيْهِ
يَكْفِينِى حَيَاءً مَوْلِدِى عَارِيًا!
أَتَسَلَّى بِقِرَاءَةِ كِتَابٍ عَنِ الْحُبِّ
أُلْقِى عَيْنَى مِنَ النَّافِذَةِ عَلَى جَارَتَىَّ
تَتَبَادَلَانِ نَشْرَ غَسِيلِ أَوْلَادِهِمَا الْوَسِخِ.
قَمَرٌ وَنَجْمَتَانِ يُشَكِّلُونَ نِصْفَ دَائِرَةٍ.
دَقَّاتُ سَاعَةِ الْحَائِطِ تُذَكِّرُنِى بِخَالى
سَرَحَ فِى الْحُقُولِ، تَبِعْتُهُ. هَوَى عَلَى
الطِّينِ. دَقَّ بِيَدَيْهِ رَأْسَهُ.
فَقَدَ خَالِى ابْنَهُ فِى الْعَاشِرَةِ غَرِقًا،
فَعَلَامَ تَدُقُّ السَّاعَةُ رَأْسَهَا بِعَقَارِبِهَا؟!
أُرِيدُ لِأُمَرِّرَ الْوَقْتَ
أَنْ أَنُوحَ أَوْ أُغَنىَ..
وَلَكِنْ كَيْفَ
وَأَمْسِ رَبَطْتُ حِذَائِي
أَقْسِمُ نَظْرَتِى بَيْنَ السَّاعَتَيْنِ
سَاعَةُ يَدِى مُتَقَدِّمَةٌ ثَانِيَتَيْنِ
رُبَّمَا مَسَافَةُ تَحْوِيلِ الْبَصَرِ بَيْنَهُمَا.
أَرْفَعُ يَدِى لَاعِبًا (اسْتَخرِجِ
الْاخْتِلَافَاتِ بَيْنَ السَّاعَتَيْنِ)،
لَا أُرِيدُ أَنْ أَتَأَخَّرَ
كَمَا حَدَثَ فِى الْقُرُونِ الْوُسْطَى
حِينَ عَاشَتْ بِلَادٌ مُتَأَخِّرَةً
عَنْ تَوْقِيتِ بَقِيَّةِ الْعَالَمِ..
الثَّوَانِى وَالدَّقَائِقُ أَفْسَدَتْ عَلَى
عُلَمَاءِ الْفَلَكِ وَالرِّيَاضِيَّاتِ وَالبَحَّارَةِ
حَيَوَاتِهِم.
أَلِذَلِكَ سُمِّيَتْ الْعَقَارِبُ عَقَارِبَ؟!
لَا يَنْبَغِى لِثَانِيَةٍ أَوْ ثَانِيَتَيْنِ
أَنْ تُفْسِدَا عَلىَّ حَيَاتِي
حَيَاتِى الَّتِى تَمْضِى
إِلَى نِهَايَتِهَا
بِرَغْبَتِنَا مَعًا
فِى انْتِظَارٍ مَجَّانِىٍّ!
التَّحْدِيقُ فِى الثُّقْبِ الْأَسْوَدِ
خَذَلَتْنَا سِكَكُ السَّفَرِ
الَّتِى فِى فَنَاجِينِ الْقَهْوَةِ.
السَّعْى لَا يَعْنِى الْوُصُولَ
اعْذِرُواْ الْجُدْرَانَ حِينَ تُسْقِطُ طِلَاءَهَا
أرَادَتْ أَنْ تَرْسُمَ وَرْدَةً
لَكِنَّهَا فَشِلَتْ.
الْحَبْسُ وَسَطَ الْجَمَالِ
صَرَخْتُ
-وَأَنَا أَسْتَمِعُ إِلَى الْمُوسِيقَى-
مِنْ فَرْطِ الْجَمَالِ،
فَأَمْسَكَتْنِى نَغَمَةٌ مِنْ عُنُقِى،
حَدَّقْتُ فِيهَا: «يَا لَجَمَالِكِ!».
قَالَتْ: «أَنْتَ تَحْسُدُنِى عَلَى هَذَا؟!
أَنْتَ أَحْمَقُ يَا هَذَا!
لَا تَرَى إِلَّا مَا تُحِبُّ
أَنَا حَبِيسَةُ النُّوتَةِ
لَا أَسْتَطِيعُ سِوَى أَنْ أَكُونَ مُدَوْزَنَةً
وَإِلَّا كَرِهْتُمُونى
لَيْتَنِى كُنْتُ هَذِهِ الصَّرْخَةَ
تَخْرُجُ وَقْتَ شَاءَتْ
كَيْفَ شَاءَتْ!
بِمَاذَا أَدْعُو عَلَيْكَ أَيُّهَا الْأَنَانىُّ؟!
فَلْتَكُنْ نَغَمَةً مَحْبُوسَةً فِى جِوَارِى!».
مُظَاهَرَةٌ سِلْمِيَّةٌ
شَاهَدْتُ يَوْمًا آلَاتِ الْمُوسِيقَى
فِى مُظَاهَرَةٍ تَتَبَرَّأُ مِنَ الْمَارْشَاتِ
الْعَسْكَرِيَّةِ أَمَامَ الدِّيكْتَاتُورِ، قَائِلَةً:
{إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ}.
لَا تُفَرِّقُواْ بَيْنَ الْإِخْوَةِ
تَصْرُخُ الشَّجَرَةُ فِى الْأَرْضِ:
«أَعْتِقِينِى لِوَجْهِ اللهِ
أُرِيدُ أَنْ أَرْكُضَ
وَأَحْتَضِنَ أُخْتِى الشَّجَرَةَ
فِى الْجِهَةِ الْمُقَابِلَةِ».
كَيْفَ تَنْقَطِعُ الْحِبَالُ
يَقُولُ رَصِيفٌ لِرَصِيفٍ:
«كُلُّ هَذَا وَلَمْ نَلْتَقِ!».
مُحَاوَلَةُ اسْتِئْنَاسِ الْوَحْشِ الضَّارِى
أَنَا فُكَاهِى أَحْيَانًا.
طَرَقَ الْمَوْتُ بَابِى مَرَّةً
فَقُلْتُ لَهُ:
«هَا أَنْتَ ذَا أَخِيرًا!
لَقَدْ تَأَخَّرْتَ كَثِيرًا يَا رَجُلُ».
أَدْخَلْتُهُ
احْتَضَنْتُهُ
لَمْ يُخْفِ دَهْشَتَهُ
أَجْلَسْتُهُ
أَوْهَمْتُهُ أَنَّنِى ذَاهِبٌ
لِأُعِدَّ لَهُ فِنْجَانَ قَهْوِةٍ.
دَخَلْتُ غُرْفَةَ نَوْمِي
وَسَحَبْتُ الْغِطَاءَ
نِمْتُ...
الْمَوتُ ضَيْفٌ مُهَذَّبٌ أَحْيَانًا؛
لَا يَزَالُ يَنْتَظِرُنى.
الْحَنِينُ إِلَى الْمَنْبَعِ الْأَوَّلِ
لَا تَتَحَدَّثِي،
وَلَنْ أَتَحَدَّثَ.
لَا تَضِيئِي،
وَلَنْ أُضِىءَ،
لِئَلَّا يَرَانَا الْآخَرُونَ.
سَأَجِيئُكِ
عَارِيًا
مِن كُلِّ شَىْءٍ
إِلَّا أَنَا.
فَضُمِّينِى
حَتَّى نَصِيرَ
شَيْئًا فِى شَىْءٍ..
رُبَّمَا يَمْشِى عَلَيْنَا الْمَارَّةُ
بَعْدَ قُرُونٍ، قَائِلِينَ:
«مَا أَلْيَنَ هَذَا الطَّرِيقَ!».
آهِ
كَمْ أَشتَاقُ
إِلَيْكِ يَا مَقْبَرَتِى!
رَغْبةٌ مُلِحَّةٌ
أَضْحَكُ بِجُنُونٍ مِنَ الَّذِينَ
يُرِيدُونَ أَنْ يَضَعُواْ نُقْطَةً
لِمَرْحَلَةٍ مِنْ حَيَاتِهِمْ
لِيَبْدَؤُواْ مِنْ أَوَّلِ السَّطَرِ
أَوْ مِنْ صَفْحَةٍ جَدِيدَةٍ
أَنَا لَا أُرِيدُ هَذَا
أُرِيدُ أَنْ أُغْلِقَ هَذَا الدَّفْتَرَ لِلْأَبَدِ.
زاد
الحبُ
ناظم حكمت







