يسرى حسان
الغريب فى الأمر أنني، وبعد أن بلغت من الكبر عتياً واشتعل منى الرأس شيباً، أو بمعنى أدق اشتعل ماتبقى منه، وهو يُعد، كما ترى، على أصابع اليدين بالكاد، ظللت أمام الأستاذ، نفس ذلك التلميذ الذى عمل تحت يديه فى أوائل الثمانينيات، من القرن الماضى، محرراً تحت التمرين.
ما أن يرن جرس الهاتف ويظهر اسمه على الشاشة، حتى أحمل الهاتف واهرع إلى البلكونة، لأن الشبكة واقعة فى الشقة، وأرد، تحت مراقبة زوجتي، التى تظن أنها متزوجة من براد بيت: «أيوه ياريس ..تحت امرك.»
لا تهدأ زوجتى بعد أن تطمئن أننى لا أكلم موزة، لكنها تتساءل، ربما على سبيل الاستفزاز، أو حتى على سبيل الغيرة من هذه العلاقة: هو أنت بتخاف منه كده ليه؟ أنا ساعات أرن عليك عشرين مرة ولا ترد. أجيبها: إنها المحبة لا الخوف، محمد جبريل هو أستاذى وصاحب الفضل الذى لا يُنسى، وكل ما يطلبه منى هو أوامر يجب تنفيذها فى التو والحال، فتعود إلى رشدها، أو تمثل أنها عادت، لأنها تعرف القصة كاملة.
حرفياً التقطنى هذا الرجل من الشارع وعمل منى صحفياً، كنت فى السنة الأولى بالجامعة وأكتب ما أعتبره شعراً، ودلونى على ندوة المساء، وبعد أن تعرفت على عدد من أبناء جيلى، كنا نذهب إلى أمسيات شعرية فى بنها أو طوخ أو شبين القناطر أو غيرها من القرى والمدن البائسة القريبة من القاهرة، ولا أعرف لماذا كنت كلما ذهبت إلى ندوة أكتب عنها تقريراً وأدفع به إلى الأستاذ جبريل أثناء ندوة المساء، لينشره فى الصفحة الأدبية، ومرة بعد مرة فاجأنى الرجل بأن طلب منى الالتحاق بالقسم الأدبى بالمساء، الذى كان مشرفاً عليه.

أقسم لك برحمة أمى أننى لم أخطط يوماً للعمل فى مجال الصحافة، ولو أردت الصراحة المطلقة أخبرك بأننى لم أخطط لأى شيء فى حياتى، وأدع الأمور تمشى بالبركة، وهى تمشى، حتى الآن، حبة فوق وحبة حبة تحت.
المهم أننى قلت له «ماليش فيها» قال ولا يهمك تعالى من بكرة الساعة سبعة الصبح، ظننته يشتغلنى، فكيف يكون أديباً ويذهب إلى عمله فى السابعة صباحاً؟ كانت معلوماتى وقتها أن الكاتب كائن ليلى ينتهى يومه فى السابعة صباحاً، لا أن يبدأ عندها، لكنى قلت لنفسى: جرب وخلاص.
عندما دخلت مكتبه فى المبنى القديم، لم أستبشر خيراً ، هو لم يكن مكتباً بالمعنى الذى تصورته، حجرة مستطيلة بها أكثر من سبعة مكاتب ايديال، وفى نهايتها دولاب يدخل ويخرج بعض موظفى الخدمات المعاونة يأخذون منه جرائد أو أوراقاً أو بعض المأكولات، ثم فوجئت بعامل اسمه سعد يدخل بشنطة حلاقة ويأتى إليه بعض العمال ليحلق لهم رؤسهم، أيقنت أننى فى محطة مصر، وفكرت أن ألقى بنفسى من النافذة لكنى اكتشفت عدم وجود أى نافذة فى هذه الحجرة التى عرفت فيما بعد أنهم يطلقون عليها حجرة الفئران، وكانت مخصصة للمغضوب عليهم والضالين.
لم يكن الأستاذ من المرضى عنهم، ولا أدرى لماذا، ربما لأنه كان فى حاله، معتزاً بنفسه لايجيد النفاق أو التطبيل، كان معنا فى نفس الحجرة محمد على إبراهيم، الذى صار فيما بعد رئيساً لتحرير الجمهورية فى عهد مبارك.
ولأن الاستاذ جربنى فى صياغة الاخبار، قرر أن يلقى بى مباشرة فى البحر لأتعلم السباحة، طلب منى كتابة تحقيق، وأنا اسقط فى يدى، ولأننى وش كسوف لم أسأله: يعنى إيه تحقيق، طلبت منه التوسط لى لدخول الأرشيف لأننى لم يكن لى بعد صفة رسمية، توسط ودخلت واطلعت على التحقيقات الموجودة، وكتبت التحقيق وقدمته له بيد مرتعشة، تصفحه سريعاً، وانتقلت الرعشة من يدى إلى جسمى كله، ثم وضعه جانباً، ولم يعبرنى بكلمة، وتذكرت أن حجرة الفئران بلا نافذة فتسمرت فى مكانى، أجرى قلمه فى التحقيق ثم أعاده إلىّ لكتابته بخطى،ثم طلب مدير التحرير الأستاذ حمدى مراد، وكانت تربطهما علاقة طيبة، ودفع إليه بما كتبت وقال بفرح شديد: هذا زميلنا الجديد وهذا أول تحقيق يكتبه أرجو إلقاء نظرة عليه، وبعد أن ألقى الرجل نظرة، خلع نظارته وقال: من كتبه لك، فحكيت له الحكاية، وأمن الأستاذ جبريل على كلامى، فقال الأستاذ حمدى: خلاص سيب لنا هذا الولد فى الديسك، فقال جبريل بطريقته المازحة المعهودة: ديسك إيه دى عيل صايع أنا جايبه من الشارع سيبه لنا الله يكرمك.
هكذا أعطانى جبريل الثقة من أول طلعة، لكنه هرسنى بعدها، وجهنى إلى قراءاتٍ بعينها، وكان كلما طلب منى حواراً مع كاتب ينصحنى بقراءة أعمال له بعينها، لكنه فاجأنى يوماً وكان معرض الكتاب يستضيف ألبرتو مورافيا، بأن طلب منى حواراً مع الأديب العالمى، وأنا لا أعرف أى لغة غير العربية، قلت: كيف ؟ قال: أتصرف، فتصرفت وأجريت الحوار ، بمساعدة صديق مترجم، وبمناسبة معرض الكتاب، كان يطلب تغطية يومية عن المعرض، اجمع ما كتبه زملائى وما كتبته، وبعد انتهاء اليوم فى الثامنة مساء أحمله إلى بيته فى مصر الجديدة فُيجلسِنى أمامه على السفرة، لم يكن يكتب إلا على السفرة، ويطلب منى طبخ كل ما معى فى موضوعين أو ثلاثة أو أربعة، ثم يلقى نظرة عليه، ويطلب منى الذهاب الى الجريدة لتقديمه لمدير التحرير السهران لُينشر على صفحة كاملة فى اليوم التالى، ويطلب منى مدير التحرير عمل «كابشن» للصفحة الأولى، بعدها أعود إلى البيت فى الثانية أو الثالثة صباحاً، أنام ساعتين ثم أذهب إلى الجريدة فى السابعة صباحاً لأخذ التكليفات الجديدة، وهكذا كل يوم حتى انتهاء المعرض.
لك أن تتخيل كم التعذيب الذى كان الرجل يمارسه علىّ، لكنه كان أجمل تعذيب والله، خاصة أنه كان يمارسه بحب وأبوة، وبرغبة صادقة فى أن أتعلم وأستطيع العمل تحت الضغط، ربما لو لم أمر بمثل هذه التجربة ماتعلمت شيئا ، هذا إذا كنت قد تعلمت شيئاً فى الأصل.
كان الرجل يمارس هذه القسوة بهدوء وحنو غير عاديين، هو نفسه كان يعمل تحت ضغط رئيس التحرير، الذى كان لا يعجبه العجب ولا الصيام فى رجب، كنا نقدم صفحتين كل أسبوع ، يطلب رئيس التحرير الماكيت صباحاً، ويطلع فى الصفحة القطط الفطسانة، ويكون علينا إعداد صفحة جديدة فى ظرف ساعة أو ساعتين، فيجمعنا الأستاذ جبريل، وكنا ثلاثة فقط ، السيد المخزنجى، ومصطفى القاضى، والعبد لله، ويكلفنا بإعداد صفحة جديدة يرضى عنها رئيس التحرير، فنلبى النداء وننجز ماكلفنا به فى هدوء وبعيداً عن أى توتر.
كان يهتم بكل رسالة تصله من أديب هنا أو هناك، المعروفون منهم يتولى إعداد قصصهم أو قصائدهم بنفسه، ويدفع إلى برسائل من لا يعرفهم للرد عليها، مشدداً علىّ بأن يكون ردى لطيفاً وليس من عينة ابحث لك عن هواية أخرى، قائلا: لاتحبط أحدا فربما صار بعد ذلك كاتباً جيداً.
لم يكن الأستاذ جبريل من أولئك الذين ينزعون صفحة العناوين من الحوار أو التحقيق أو الخبر، ويعيدون كتابتها بخطهم، ليظهروا كما لو أنهم هم من وضعوا العناوين، وهذا أمر يعرفه كل من عمل بالصحافة، بل كان يطلب منا تبييض العناوين بخط يدنا بعد أن يدققها هو، لنبدو نحن كما لو كنا صحفيين محترفين، ونلفت نظر رئيس التحرير وتكون أمامنا فرصة للتعيين.
أذكر أننى أهملت دراستى الجامعية لانشغالى بالعمل الصحفى، فكان أن مسح بكرامتى الأرض حتى انتهى منها ويتم تعيينى، وربما لو لم يفعل ذلك لكنت الآن أغنى ظلموه، وإن كنت أغنيها فى بعض الأحيان.
الكلام عن أجواء العمل تحت قيادة الأستاذ يحتاج، دون مبالغة، إلى مجلدات، وأنا لست قريب أو نسيب الأستاذ ياسر عبد الحافظ رئيس التحرير حتى أحتل هذا الملف بمفردى، لذلك أقول مجدداً ودائماً إننى كنت من المحظوظين أن قيد لى الله لقاء هذا الرجل، الذى تعلمت كل شيء فى مهنتى على يديه، وإن كنت لا أعرف حتى الآن،والله، هل كان ذلك شيئاً مفيداً للمهنة أم لا؟ عموماً.. الرجل فعل ما عليه وأكثر!
محطات فى تاريخ الإذاعة المصرية
صدر له مؤخرًا «بدايات المسرح فى صعيد مصر»
برشلونة تفتتح أول مكتبة فى العالم مخصصة لفلسطين






