منى عبد الكريم
«يا من تذهب ستعود، يا من تنام سوف تنهض، يا من تمضى سوف تُبعث. فالمجد لك: للسماء وشموخها.. للبحار وعمقها»
تكتسب بعض المقولات خلودًا من قوة روح أصحابها فذكرها وحده كفيل باستدعاء ذلك الأثر العميق لمبدعيها، أو لأنها تثير فى الروح وقعاً يشبه من قالوها، إذ أن تلك الكلمات تعيد فورًا إلى الأذهان رحلة شادى عبد السلام المبدع الخالد الذكر ودرته «المومياء.. يوم أن تُحصى السنين» تلك الكلمات التى توقفت أمامها فعدت إلى حيث ننتمى جميعًا، وانطلقت من خلالها مرة أخرى لتأمل «عالم شادى عبد السلام» الذى يفيض بالسحر الذى انتشيت به بينما أتجول بين إبداعاته التى تضمنها المعرض الذى أُقيم مؤخراً بقاعة الباب بدار الأوبرا المصرية تحت نفس العنوان بالتوازى مع فعاليات مهرجان القاهرة السينمائى الدولى الذى انتهى مؤخرًا، حيث قامت مبادرة «آرت 74» بتنظيمه بالتعاون مع مكتبة الإسكندرية وبدعم من قطاع الفنون التشكيلية بوزارة الثقافة.
شادى عبد السلام (١٩٣٠-١٩٨٦) كان فنانًا استثنائياً متعدد المواهب، عابراً بإبداعاته المتفردة حدود الزمان والمكان، إذ تخرج فى كلية الفنون الجميلة قسم عمارة، وافتتن بالفن فكان رسامًا وكاتب سيناريو ومصمم أزياء وديكوراتٍ لعددٍ من الأفلام السينمائية المصرية التى اضطلع فى كل منها بواحد من تلك المواهب أو أكثر نذكر منها مثلاً: «ألمظ وعبده الحامولي» و«رابعة العدوية» و«الأيام» و«شفيقة القبطية» و«كليوباترا» وغيرها، كما أخرج كذلك عدداً من الأفلام من بينها: فيلم «شكاوى الفلاح الفصيح» وهو فيلم روائى قصير، إضافة إلى عدد من الأفلام التسجيلية ومن بينها: «جيوش الشمس» و«كرسى توت عنخ أمون الذهبى» و«الأهرام وما قبلها» و«رمسيس الثانى».

إلا أن درة إبداعاته تمثل فى فيلم «المومياء.. يوم أن تُحصى السنين» الذى اختارته المؤسسة العالمية للسينما كواحدٍ من أهم الأفلام فى تاريخ السينما العالمية.
والحقيقة أن عالم شادى عبد السلام رحب للغاية فلا تكتفى منه والحديث عن عملاق بحجم شادى يستدعى ما ذكره أنسى أبوسيف بأحد اللقاءات: «يشبه أن يطلب منك أحد أن تضع البحر فى كوب» نعم بهذا القدر كان عالمه متسعًا، رحل وروحه متقدة ومليئة بالأسرار، لكنه ترك فيلمه «المومياء» مصريًا جداً، وعميقًا حتى النخاع، وخالدًا كالمعابد القديمة وممتداً عبر الزمن وفيه اجتمعت مختلف الفنون.
ولهذا اعتبرت نفسى من المحظوظين بأن استغرقت فى عالم شادى مجدداً من خلال جولتى بالمعرض، وتصفح ذلك الكتاب الصادر عنه عن مكتبة الإسكندرية فى نسختين إحداهما باللغة العربية والأخرى باللغة الإنجليزية، وبالمناسبة فإن ثمة معرضاً دائماً بمكتبة الإسكندرية تم افتتاحه فى ٢٠٠٥ ويضم مجمل أصول أعماله من رسومات تصميمات لمشاهد سينمائية وملابس وإكسسوارات، وعددٍ من اللقطات السينمائية المأخوذة من الأفلام التى شارك فيها أو أخرجها، بالإضافة إلى بعض مقتنياته الشخصية. أما قاعة «آفاق» الملحقة بالمعرض فتعرض يوميًّا الأفلام التى أخرجها شادى عبد السلام، وبعض الأفلام التى شارك فيها كمصمم للملابس والديكور بخلاف بعض الأحاديث التليفزيونية التى أجراها الفنان.

من وحى المومياء
لم يكن معرض عالم شادى عبد السلام التجربة الفريدة الوحيدة التى طرحتها مبادرة «أرت «74» للجمهور من محبى الفنون التشكيلية والسينما، إذ ثمة معرضاً آخر أقُيم فى نفس التوقيت بقاعة الهناجر تضمن أعمال عددٍ من الفنانين التشكيليين التى خرجت من وحى فيلم «المومياء» وحول ذلك يقول الفنان حنفى محمود: «من المدهش تأمل تأُثير الفيلم كمنتج فنى بصرى حتى اليوم، بل والتفاعل معه».
وقد قدم الفنان حنفى محمود لوحتين بألوان الزيت والعجائن، ليتحدث عنهما قائلاً: «اللوحة الأولى بورتريه يصور - من وجهة نظرى- الشخصية الرئيسية والمحرك الأصلى للأحداث شقيق ونيس، والذى حتى لم يُذكر له اسم، أما العمل الثانى فهو لمشهد النهاية وانتصار الخير».
وفى حوار مع الفنان د.خالد حافظ أخبرنى أنه شاهد فيلم « المومياء يوم أن تُحصى السنين» أكثر من أربعين مرة، فعلاقته بالفيلم قديمة تعود للتسعينيات حيث درس السينما لمدة عامين بقصر ثقافة السينما وربما قبل ذلك.

ويرى حافظ: أن «المومياء» لم يكن فيلماً عادياً بل متتالية من لوحاتٍ فنية خرجت بعين وروح فنان تشكيلى، وربما لهذا السبب لم يحقق النجاح التجارى المرجو أثناء عرضه حين تم طرحه على شاشات السينما فى نفس توقيت عرض «خلى بالك من زوزو» وذلك لأن الفنان التشكيلى فى الغالب يركز اهتمامه على المُنتج البصرى قبل أن يفكر بتلقى الجمهور، ولكن هذا لم يمنع أن شادى عبد السلام صنع تحفة فنية خالدة حققت نجاحاً تجاوز زمن عرضه إلى وقتنا الحالى ليترك عميق الأثر فى وجدان كل المهتمين بالثقافة البصرية.
ويرى حافظ أن فكرة عبور الزمن تُعتبر من أهم الأفكار فى الأعمال الفنية، وهى ما تحقق لها الخلود، وربما لهذا السبب قدم شادى عبد السلام الفيلم باللغة العربية الفصحى لتخطى حواجز الزمن، وفى هذه النقطة ثمة رأى آخر يتبناه الفنان أنسى أبو سيف حيث يرى أن شادى لجأ للفصحى لتجاوز فكرة اختلاف اللهجات.
وقد شارك الفنان خالد حافظ فى هذا المعرض بعمله النحتى «توت» الذى قدمه بخامة البرونز والمُستلهم من التمثال الشهير لتوت عنخ آمون الذى صور رأس الملك المنبثقة من زهرة لوتس وهى قطعة فريدة فى حد ذاتها، إلا أن حافظ قدم تمثاله بعنقٍ ممتدة، بينما يحمل التمثال جناحين، وفى ذلك ثمة تماس بين عملى شادى عبد السلام المومياء وعمل خالد حافظ فى فكرة عبور الزمن، والاستلهام الواعى من فنون المصرى القديم بعد أن يتشربها الفنان فكرياً وبصرياً.

ضم معرض «من وحى المومياء» عددًا كبيرًا من الأعمال التى جاءت لتكشف عن حالة التأثير والتأثر بين مختلف أشكال الفنون من خلال الاشتباك فنياً مع فيلم المومياء، إذ اتخذ عمل الفنان جمال الخشن من نساء البر الغربى (المتشحات بالسواد) مصدر إلهام، ليغزل لوحة مشحونة بالرموز والدلالات الحسية والمعنوية.
تتناغم فى فضاء اللوحة الظلال الزرقاء مع عمق اللون الأسود، إذ ينساب الضوء كمفردة بصرية تكشف عن مكنونات المشهد وتفاصيله، ليخلق حالة من التماهى بين الطبيعة والإنسان الذى يندمج فيها كجزءٍ أصيل من سرديتها. لنرى أن المرأة المحورية فى اللوحة تحمل جرة على رأسها، ناظرةً بعيدًا عن امتداد الجبل الذى يحتضن البر الغربى بمحاذاة النيل، ذلك الجبل الذى يبدو كصعودٍ نحو السماء، لكنها لا تلتفت للجبل، فهى تحمل داخليًا هم الجبل، فى رمزٍ يتجاوز المكان ليغوص فى عمق التجربة الإنسانية.
يقول الخشن: «يتردد صدى هذا العمل مع رؤية شادى عبد السلام فى فيلمه «المومياء»، حيث سجّل صورة أزلية للمرأة المتشحة بالسواد، رمزًا للبر الآخر ولرحلة صعود لا تنتهى نحو عالم ميتافيزيقي.

هنا، تُستعاد تلك المرأة فى هذا العمل كعنصر بصرى وروحى يُعيد وصل ما انقطع بين الماضى والحاضر، ليعبر عن استمرارية الصعود فى مواجهة الحتمية. أما السواد، بما يحمله من رمزية كثيفة، فيتجاور مع وهج ضوء القمر فى مشهد جنائزى مهيب، حيث يُبرز العلاقة الجدلية بين الحياة والموت، وبين الظل والنور».
يعكس العمل تجربة الخشن عام 2018 من خلال وجوده بالأقصر، الذى عاد ليصوغ ذات المشهد مرة أخرى، فى حوار بصرى ووجدانى مع عالم شادى عبد السلام. وبهذا، يتحول البر الغربى من مجرد فضاء مكانى إلى مَعلم رمزى تتقاطع فيه الذات الإنسانية مع أبعاد الكون الأزلية.
أما لوحة الفنان هانى راشد «سكرين شوت» فتأتى كامتداد لتجربته التى قدمها فى معرضه الأخير «أنا مجرد رسمة» الذى استضافته مؤخراً «مساحة مدرار» للفن المعاصر، إذ قامت تلك التجربة بالأساس على تقديم أربعة أعمال فنية مرتبطة بفكرة إعادة الإنتاج والتداخل الفني، المُستلهمة من مجموعة من ملصقات الأفلام وأشرطة الكاسيت، والرسوم الهزلية والإعلانات التى تعود للفترة من الأربعينيات إلى التسعينيات، والتى قدمها هانى من خلال التكرار والجمع بين تقنياتٍ مختلفة.

أعاد راشد بناء هذه العناصر، لخلق أسطحٍ تبدو متآكلة ومُعاد تشكيلها خالقاً من خلالها روابط بين تاريخه الشخصى وتاريخ المجتمع وشكله فى فترات سابقة كنوعٍ من الأرشفة البصرية بصيغة فنية متفردة.
فى عمله «سكرين شوت» يتفاعل راشد بصرياً مع فيلم «المومياء»، من خلال عنصر الصورة الفوتوغرافية كأحد أوجه الاهتمام فى عمله، إذ يقوم باستخراج الصور من الفيديوهات، ليحصل على ما يقرب من 1200 صورة يختار من بينها 144 كادراً من الفيلم ليعيد تصويرها فى لوحته فى مشاهد صغيرة متساوية فى المقاس.
وفى حين اعتمد هانى فى معرضه «أنا مجرد رسمة» على تكرار المشهد الواحد راسماً إياه مرة بعد مرة ببعض التنويعات الطفيفة التى تحقق صيغة التكرار ولكن دون تطابق، فهو يسترجع بفكرة التكرار إحدى السمات البصرية المرتبطة بفترة التسعينيات فى فتارين الفيديو والكاسيت وبوسترات الأفلام، ولكنه يحتفظ بخصوصية كل قطعة صغيرة داخل العمل بما ينفى عنها سمة التطابق فى تماس مع التجارب الإنسانية الفنية.
أما فى عمله «سكرين شوت» فهو يعتمد على المتوالية لينتقل من كادر لآخر، متبنياً الاختزال والتبسيط فى رسوماته منطلقاً بالأساس من الحالة التى يضعك فيها الفيلم ومستعيداً روح العمل الأصيل، إذ يشير راشد إلى أن تكوينات شادى عبد السلام ساعدته كثيراً لا سيما بحالة الحوار بين الشخصيات وعلاقتهم بالمكان.

وبطريقته الخاصة يعيد راشد صياغة الفيلم خالقاً كثيراً من الأفكار التى يتم توليدها عبر التداخلات الفنية التى يحدثها التحول من حالة فنية لأخرى، فمن المشهد السينمائى وتوالى اللقطات بشكل تتابعى على خط زمني، إلى تثبيت المشهد من خلال السكرين شوت وهى وسيلة عصرية إلى حدٍ كبير، ومن الفوتوغرافيا للتصوير برؤية إبداعية انتقائية أعاد فيها هانى ترتيب المشاهد التى اختارها لتجتمع معاً فى نفس اللحظة الزمنية أمام عين المتلقى.
ويبدو أن رؤية شادى الإبداعية قد تجاوزت بالفعل حدود الزمن، إذ يقول الفنان الشاب أحمد عثمان: «لم يكن فيلم «المومياء.. يوم أن تُحصى السنين» مجرد فيلم عابر بالنسبة لى، وذلك لأن شادى عبد السلام هو أحد أهم المبدعين الذين تعلق ذهنى بهم بسبب تفانيه فى عمله وإتقانه له، ومساحة الخيال التى يتحرك من خلالها ووصوله لدهشة بصرية».
ويفسر عثمان كيف تأثر مساره الفكرى والفنى بشادى منذ بداية تجربته قائلاً: «ما أعنيه هو تتبع النص وتحرير القصائد من الكتابة للمشهد والإمعان فى تخيل الكلمات وتحويلها لأبطال، وتصوير مشاهد فى حالة من التجرد والإنسيابية التى تعتمد على الكتل النحتية.
أما ارتباطى الأعمق به فيتجسد - فى اعتقادى - فى تأثرى بالبناء الهندسى للعمل، وكيف لا؟ وقد تتلمذ شادى على يد المعمارى الكبير حسن فتحي، ولذا أنا أعتبره مرجعاً لى وأحد أهم من أرشدونى على دروب الفكر.»

وعن علاقتها بشادى عبد السلام تقول الفنانة سحر الأمير: «حين دعيت للمشاركة فى هذا المعرض تذكرت الحوار الذى دار بينى وبين صلاح مرعى مساعد العظيم شادى عبد السلام وأحد أشهر مهندسى الديكور ومصممى المناظر السينمائية فى تاريخ السينما المصرية رحمهما الله وكان ذلك فى الأكاديمية المصرية فى روما أثناء دراستى بالمنحة التى حصلت عليها، حيث أهدانى فيديو عليه فيلم «المومياء» شاهدته أكثر من مرة.
وبعد كل تلك السنوات ترجمته فى اللوحة التى ضمها المعرض، حيث قمت بتسجيل بعض مفردات الفيلم لأرسمها فى عملى بصياغتى ومن بينها: النيل، وملابس النساء السوداء، والتابوت .. وأصفر الجبل ورسمت لوحة متر ونصف فى متر وعشرين بخامات مختلفة.
الجدير بالذكر| أن علاقة السينما بالفن التشكيلى قديمة ومستمرة فبخلاف شادى نجد مثلاً أن المخرج مجدى أحمد على اهتم بالإشارة للوحات فى بعض أفلامه مستفيداً بصداقته القوية بالفنان عادل السيوى وغيره كثيرون، فكل كادر سينما هو لوحة تشكيلية لها نفس العناصر».

مسارات متقاطعة بين التشكيل والسينما
والحقيقة أن معرض «من وحى فيلم المومياء» لم يكن وحده الذى تم تنظيمه حول تلك العلاقة المتداخلة بين التشكيليين والسينما، إذ نظمت «أرت 74» فى ذات التوقيت معرضًا آخر بقاعة صلاح طاهر بالأوبرا لعددٍ من الأعمال الفنية المُستوحاة من فن السينما أو المتقاطعة معه.
ثمة روابط خفية خلقها مسار التجول بين المعارض المتنوعة التى أُقيمت فى ثلاثة مواقع عرض من بينها: سينما راديو بوسط البلد.
فمن الهناجر حيث معرض من وحى المومياء، إلى قاعة صلاح طاهر بالأوبرا حيث يمكن مشاهدة عمل الفنان هانى راشد القائم على توظيف بوسترات الأفلام، كما يمكن مشاهدة لوحتى الفنان حنفى محمود حول تأثره بفيلم ابن حميدو مكتشفاً من خلال عمليه تلك القدرة المدهشة لبعض الأعمال الفنية على الاستمرار فى التأثير فى عددٍ كبير من الناس والمبدعين حتى بعد مرور كل ذلك الوقت، ومن معرض لآخر يشعر الزوار أن ثمة اتصالاً بين العروض، إذ يمكن أن تستكمل الفكرة بمشاهدة المزيد من الأعمال التى تنتمى لنفس التجربة الفنية أو التى قدمها نفس الفنان ولكن بموقع عرض آخر، إذ أُقيم معرض آخر بسينما راديو بوسط البلد بينما أُقيم المعرض الأخير بالتعاون مع كايرو ديزاين ديستريكت (CDD) الشريك الاستراتيجى لمبادرة «أرت 74».
وبينما تضم قاعة صلاح طاهر عملين للفنان كريم الحيوان فى مشروعه الفنى الذى أطلق عليه «Collecting starsS» وهو عبارة عن سلسلة من الصور الفوتوغرافية التى تقوم على تتبع وجود أيقونات نجوم السينما فى حياتنا اليومية بشكل مُبتكر، إذ يقوم مشروعه على التركيز على لحظة زمنية محددة من خلال جولة مدتها ساعتان فى أحد الأسواق ُتقام بالقاهرة يوم السبت وكيف يظهر نجوم السينما على أغلفة المجلات أو الكتب أو من خلال البوسترات أو البراويز الصغيرة أو غير ذلك، فى سياق مختلف وقد تم عرض مجموعة أكبر من الأعمال التى تم إنتاجها فى هذا المشروع من خلال معرض مصغر أُقيم بسينما راديو وهى مساحة عرض ترتبط فعلياً بفن السينما.

ولم يكن هذا هو المشروع الوحيد الذى تم عرضه بسينما راديو، فهناك كذلك المجموعة البديعة من الصور الفوتوغرافية التى قدمها الفنان أحمد هيمن، والتى أنتجها فى الفترة بين 2018-2020 تحت عنوان «بعيداً عن الأضواء» والتى تعكس تلك الجوانب النفسية والإنسانية الخفية التى قد لا نراها من نجوم السينما الذين يحرصون دائماً على الحفاظ على تأنقهم أمام الجمهور، إذ تكشف مجموعة الصور الفوتوغرافية التى قدمها هيمن عن مشاعر إنسانية كالهشاشة والضعف والفرح والصراعات الصامتة التى يخوضها أولئك الذين يظهرون دائماً فى دائرة الضوء، وكما يشير النص المصاحب للمعرض فإنه فى عالم تسيطر عليه الشهرة كثيراً ما يتم التغاضى عن السرديات الأعمق؛ إذ يدعوك المعرض لتأمل مجموعة من الصور الشخصية التى تكشف النقاب عن النسيج المعقد للتجربة الإنسانية. ويضعنا المعرض فى تجربة أن نرى ما يتجاوز المظهر الخارجي، ليحثنا على التواصل على مستوى أعمق، لنقترب أكثر من الجوانب الإنسانية لنجوم السينما.
وما بين التجربتين اللتين قدمهما كريم الحيوان وأحمد هيمن يمكن تأمل كيف يتم توظيف الفوتوغرافيا للكشف عن سرديات مجتمعية وإنسانية أعمق لها علاقة بفن السينما، إذ يؤكد الحيوان من خلال مجموعته على تواجد نجوم السينما الكلاسيكية فى حياتنا حتى يومنا هذا داخل سياقاتٍ غير متوقعة فى الأسواق العامة، وقد انتقى الحيوان تكويناته بشكل يشبه تكوينات الطبيعة الصامتة فى اللوحات التشكيلية، ليأخذنا إلى تلك الفترة الزمنية بجمالها ونجومها مثل: عبدالحليم حافظ وهند رستم وسعاد حسنى وغيرهم، ولعل السياق الذى وجد فيه كريم النجوم يجعلنا نتساءل عن مكانهم حالياً ومكانة السينما وعلاقة ذلك بفكرة السوق والحالة الاستهلاكية فى مقابل القيمة الفنية، بينما يُميط هيمن فى مشروعه اللثام عن الجوانب الخفية لشخصيات النجوم الحاليين، فيداعب كل منهم وجداناً بصورة أو بأخرى ويؤكد على وجود علاقة قوية تربط رجل الشارع والإنسان العادى بالسينما ونجومها.
اختيار سينما راديو كأحد مواقع العروض التشكيلية جاء متميزاً بشكل كبير، وقد تضمن العرض مجموعة متنوعة من الأعمال الفنية المعاصرة، ومن بينها مثلا: العمل المركب متعدد الوسائط «باتجاه عقارب الساعة» للفنان سامح الطويل، الذى يُعرض لأول مرة فى مصر، إذ تم إنتاجه فى عام 2013، وعُرض لأول مرة بجاليرى أكاديمية الفنون الجميلة بميونيخ فى فبراير 2014.
وقد أتاح هذا المعرض فرصة فريدة للتعرف على مجموعة من الرؤى الفنية التى خلقت نوعاً من الحوار بين الماضى والحاضر بتوظيف فنون السرد البصرية المتنوعة، إذ تدعو الأعمال الفنية التى تم انتقاؤها الجمهور لتأمل كيف استطاعت الوسائط المتعددة سواء الثابتة كالصورة أو اللوحة أو الديناميكية صياغة السرديات حتى تلك القادمة من أعماق التاريخ لخلق روابط تتجاوز حدود الزمان والمكان.
إذ يستمر الفنان حسن كامل فى استلهام أعماله الفنية من المصرى القديم وهو فى كل مرة يبتكر فى سياق العرض الذى تنوع فى مراتٍ سابقة بين النحت والأعمال المركبة وغير ذلك، واليوم يقدم مشروعه الفنى متعدد الوسائط «النهار» والذى اعتمد فيه على خلق عوالم موازية من خلال «بوابات الروح» منفذ الخروج إلى «النهار».
يتجسد مفهوم العمل من خلال توظيف رمزية البوابات وعلاقتها بانتقال الروح من عالم إلى آخر، وتعاقب الأزمنه وتوالى الأجيال وما يصاحبها من تغيراتٍ على كافة الأصعدة.
وقد اعتمد كامل فى التكوين العام على بناء مجسم هندسى رباعى الأوجه له صفة الصرحية، يخترقه أربعة مداخل تقع على الجهات الأصلية الأربع، ويتفاعل المشاهد مع العمل بداية من الدخول عبر أى من تلك البوابات الأربعة حيث يبدأ بمشاهدة فيلم قصير على شاشة ديجتال، وتتوالى المشاهد التى تم انتقاؤها بعناية لتوصيل رسائل بعينها للمتلقي، فمثلاً مشهد ونيس المأخوذ من فيلم «المومياء» يعبر عن التفكير والحيرة، أما جدران سقارة التى تظهر فى مقابل واجهة السلطان حسن فقد رمز بها الفنان إلى الحلم وشفافية الخيال والعبور من خلال الأزمنة، وهكذا. وقد تنوعت المشاهد التى وظفها كامل ومن بينها: شرائط الكتابات الخطية فى مقابل صفوف جداريات المقابر والمعابد، والحرف والصناعات مقابل تسجيلها التاريخى والأثرى وهكذا.
آرت 74 تمد جسور التواصل
بين الفنون البصرية
وبالعودة للحديث عن مبادرة «آرت 74» التى تقف وراء تنظيم تلك العروض الفنية المُميزة فقد تأسست على يد سحر البحيرى وهبة المعاز وتمثل نقطة التقاء ديناميكية تم تصميمها للتغلب على الحدود التى تفصل بين العوالم الفنية، إذ تهدف لمد جسور التواصل بين السينما والفنون البصرية من خلال عرض مجموعاتٍ مُختارة بعناية من اللوحات والمجموعات المصغرة والعروض المتعددة الوسائط المُستوحاة من السينما، وذلك بهدف تسليط الضوء على الروابط المشتركة بين أشكال التعبير المتشابكة بطبيعتها، مع التركيز على تعزيز الحوار والتعاون بين الأجيال المختلفة فى منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، ويتمثل أحد الأهداف الرئيسية للمبادرة فى دعم الفنانين الناشئين وإخراج أعمالهم إلى الجمهور من خلال المعارض المختلفة.
كما تسعى المبادرة إلى خلق شراكاتٍ مع منظمى المهرجانات السينمائية ومنسقى المعارض والمؤثرين الرئيسيين فى الصناعة لتسهيل المشاركة والتعاون وجذب جمهور عالمى.

وقد أشار القائمون على مبادرة «آرت 74» إلى أن تلك الأنشطة والتى جاءت بالتعاون مع مهرجان القاهرة السينمائى بمشاركة أكثر من خمسين فناناً، امتدت على مدار أسبوع كامل لتشمل المعارض الفنية والحلقات النقاشية وورش العمل؛ فبخلاف المعارض تم تنظيم عدد من الندوات والحلقات النقاشية ومن بينها: «مرآة مصر: الهوية من خلال عدسة خيرى بشارة» والتى شارك فيها المخرجون السينمائيون خيرى بشارة وعمر الزهيرى وهيا خيرت والفنانة آية طارق، وعدلى توما رئيس مجلس الإدارة والرئيس التنفيذى لشركة جيمينى إفريقيا، و«تأثير الفن المعاصر على السينما: دور السرد القصصى البصرى عبر الوسائط» بمشاركة د. أحمد السراجى عميد كلية الفنون والتصميم فى الجامعة البريطانية فى مصر، وشيماء رمزى المديرة التنفيذية لمساحة شيلتر للفنون، والفنان التشكيلى محمد عبلة، والممثلة داليا البحيرى والفنان التشكيلى ومصمم الديكور كريم الحيوان.

كما شهد المعهد الفرنسى حلقة نقاشية بعنوان «يوم أن تُحصى السنين: دراسة حالة عن فيلم المومياء لشادى عبد السلام»، بمشاركة مصمم الديكور الشهير أنسى أبو سيف، وجمال حسني مدير إدارة المعارض والمجموعات الفنية بمكتبة الإسكندرية، والفنان خالد حافظ، والمخرجة مريم أبو عوف والتى سبقها عرض للفيلم.
محطات فى تاريخ الإذاعة المصرية
صدر له مؤخرًا «بدايات المسرح فى صعيد مصر»
برشلونة تفتتح أول مكتبة فى العالم مخصصة لفلسطين







