ترجمة: أسماء يس
فى يناير الماضى، كنت أرتب غرفة المخزن استعدادًا للانتقال إلى منزل جديد، فعثرت على صندوق أحذية قديم. فتحته فوجدت عدة كشاكيل تعود إلى طفولتى. من بينها: كتيب صغير خُط عليه بـ القلم الرصاص «كتاب قصائد»: خمس صفحات من ورق A5 الخشن مطوية إلى نصفين ومجلدة بدبابيس. وقد أضفت سطرين متعرجين تحت العنوان، أحدهما يسارًا إلى الأعلى بست خطوات، والآخر يمينًا إلى الأسفل بسبع خطوات.
أكان رسمًا توضيحيًّا للغلاف، أم مجرد شخبطة؟ كان ذلك فى عام 1979 واسمى مكتوب على ظهر الكتيب، وعلى الصفحات الداخلية ثمانى قصائد بنفس الخط الأنيق بـ القلم الرصاص مثلما على الغلافين الأمامى والخلفى.
وثمانية تواريخ مختلفة أسفل كل صفحة بالترتيب الزمنى. كانت السطور التى كتبتها فى الثامنة من عمرى بريئة وبدائية، لكن لفت انتباهى قصيدة فى شهر أبريل. بدأت بالمقاطع التالية:
أين الحب؟
فى صدرى النابض بقوة.
ما الحب؟
خيط ذهبى يربط بين قلوبنا.
فى لمح البصر، عُدت إلى الوراء أربعين عامًا، وعادت إلىَّ ذكريات الظهيرة التى قضيتها فى تجميع الكتيب؛ قلم رصاص قصير سميك بغطاء، وغبار الأستيكة، ودباسة معدنية كبيرة اختلستها من غرفة أبى.

وتذكرت إحساسى حين علمت بانتقال عائلتنا إلى سيول، وكيف شعرت بدافع لجمع قصائد كتبتها على قصاصاتٍ من الورق، أو فى هوامش الكشاكيل ودفاتر المدرسة، أو فى اليوميات، وجمعها فى مجلد واحد. تذكرت أيضًا شعورًا عصيًّا على التفسير برغبتى فى عدم اطلاع أى شخص على «كتاب القصائد» بعد أن أنهيته.
قبل أن أعيد الكشاكيل والكتيب إلى مكانها مثلما وجدتها وأغلق الغطاء، التقطت بتليفونى صورة لتلك القصيدة. انطلاقًا من إحساسى بوجود شىء من التواصل بين بعض كلمات كتبتها آنذاك وما أنا عليه الآن. فى صدرى، فى قلبى النابض. بين قلوبنا. خيط الذهبى يربط بين قلوبنا.. خيط ينبعث منه النور.
وبعد أربعة عشر عامًا، ومع نشر أولى قصائدى، ثم أولى قصصى القصيرة فى العام التالى، أصبحت كاتبة. وبعد خمسة أعوام أخرى، نشرت أول عمل روائى طويل لى، كتبته على مدار ثلاث سنوات تقريبًا.
كنت وما زلت مفتونة بكتابة الشعر والقصص القصيرة، لكن كتابة الروايات لها جاذبية خاصة عندى. استغرقت منى كتبى ما بين عام وسبعة أعوام لإكمالها، وقد قايضت مقابلها أجزاء كبيرة من حياتى الشخصية ، وهذا ما يجذبنى إلى الكتابة؛ الطريقة التى أستطيع بها التعمق فى أسئلة أشعر بأنها ضرورية ومُلحة، إلى درجة أننى قررت القبول بالمقايضة.
كل مرة أكتب رواية، أتحمل الأسئلة، وأعيش داخلها. وعندما أصل إلى نهاية هذه الأسئلة ــ وهو ما يختلف عن إيجاد إجاباتٍ عليها ــ أصل إلى نهاية عملية الكتابة. حينها لا أصير كما كنت عندما بدأت، ومن هذه الحال المتغيرة، أبدأ من جديد. تتوالى الأسئلة التالية، مثل حلقات فى سلسلة، أو أحجار دومينو، تتداخل وتتصل وتستمر، فأرغب فى كتابة شىء جديد.
خلال كتابتى لروايتى الثالثة «النباتية» فى الفترة من 2003 إلى 2005، كنت ألحت عليّ تساؤلاتٍ مؤلمة: هل يمكن لأى شخص أن يكون بريئًا تمامًا؟ إلى أى مدى يمكننا رفض العنف؟ ماذا يحدث لمن يرفض الانتماء إلى النوع الذى يسمى الإنسان؟
اختارت يونج هى، بطلة رواية النباتية الامتناع عن تناول اللحوم رفضًا للعنف، حتى رفضت كل أنواع الطعام والشراب باستثناء الماء، ظنًّا منها أنها تحولت إلى نباتٍ، لتجد نفسها فى مفارقة ساخرة، إذ كانت تهوى نحو الموت فى محاولتها لإنقاذ نفسها.
صرخت يونج هى وشقيقتها إن هى، وهما فى الحقيقة شريكتان فى المواجهة، بصمت خلال الكوابيس والانهيارات المدمرة، لكنهما فى النهاية أصبحتا معًا. صورت المشهد الأخير فى سيارة إسعاف، وتمنيت أن تظل يونج هى على قيد الحياة فى عوالم هذه القصة.
تندفع السيارة بامتداد طريق الجبل تحت أوراق الشجر الخضراء المتوهجة بينما تنظر الأخت الكبرى المتيقظة بشدة من النافذة. ربما تنتظر إجابة، أو ربما احتجاجًا. تدور الرواية بأكملها فى جو من التساؤلات والتحديق والتحدى. انتظارًا للإجابة.
وتستمر رواية «حبر ودماء»، التى تلت «النباتية»، فى طرح هذه الأسئلة. إن رفض الحياة والعالم من أجل رفض العنف أمر مستحيل، لا نستطيع أن نتحول إلى نباتات. فكيف نستمر إذن؟ فى هذه الرواية ذات الأجواء الغامضة، تنهال الجمل المكتوبة بالحروف اللاتينية والمائلة، إذ تخاطر الشخصية الرئيسية، التى صارعت ظل الموت طويلاً، بحياتها لإثبات أن وفاة صديقتها فجأة لا يمكن أن تكون انتحارًا، وبينما أكتب المشهد الختامى، وأصفها وهى تزحف على الأرض فى طريقها للخروج من الموت والخراب، طرحت على نفسى هذه الأسئلة: أليس لنا أن ننجو فى النهاية؟ ألا ينبغى أن تشهد حياتنا ما هو حقيقي؟
فى روايتى الخامسة «دروس إغريقية»، ذهبت إلى أبعد من ذلك. إذا كان علينا أن نكمل الحياة فى هذا العالم، فأى لحظات تجعل ذلك ممكنًا؟ امرأة كفّت قدرتها على الكلام ورجل كفَّ بصره يسيران فى صمت وظلام، تتقاطع مساراتهما المنعزلة. نشدت الاهتمام باللحظات الملموسة فى هذه القصة. تتقدم الرواية بخطى بطيئة فى الصمت والظلام حتى تمتد يد المرأة وتكتب بضع كلمات فى راحة الرجل.
وفى تلك اللحظة المنيرة الممتدة إلى الأبد، تكشف هاتان الشخصيتان عن الأجزاء الأكثر لينًا من نفسيهما. السؤال الذى أردت طرحه هنا هو: هل يمكن أن نستمر فى العيش فى هذا العالم العنيف القصير بتحرى أكثر جوانب الإنسانية لينًا، ومداعبة الدفء المختبئ الذى لا يمكن دحضه؟
حين بلغت نهاية هذا السؤال، بدأت التفكير فى كتابى التالى. فى ربيع عام 2012، بعد فترة قصيرة من نشر «دروس إغريقية». قلت لنفسى سأكتب رواية تخطو خطوة أخرى نحو النور والدفء. سأسبغ على هذا العمل الذى يحتضن الحياة والعالم أحاسيس مشرقة وشفيفة. سرعان ما وجدتُ عنوانًا، وعندما أنهيت عشرين صفحة من المسودة الأولى، اضطررت إلى التوقف. أدركت أن شيئًا ما بداخلى يمنعنى من كتابة هذه الرواية، حتى تلك اللحظة، لم أكن أفكر فى الكتابة عن كوانجچو.
كنت فى التاسعة من عمرى عندما غادرت عائلتى كوانجچو فى يناير 1980، أى قبل نحو أربعة أشهر تقريبًا من بدء عمليات القتل الجماعى. كنت فى الثانية عشرة من عمرى عندما صادفت الغلاف الخلفى لكتاب «صور من كوانجچو» على أحد أرفف الكتب بعد بضع سنوات وتصفحته، وساعتها لم يكن هناك أى كبار من حولى.
احتوى الكتاب على صور سكان وطلاب من كوانجچو قُتلوا بالهراوات والحراب والبنادق خلال مقاومتهم للقوى العسكرية الجديدة التى دبرت الانقلاب. وشهد الكتاب، الذى نُشر ووزعه الناجون وأسر القتلى سرًّا، على الحقيقة، فى وقت شُوهت فيه الحقيقة بفعل القمع الإعلامى الصارم.
وأنا طفلة لم أدرك الأهمية السياسية لتلك الصور، وأصبحت الوجوه المدمرة ثابتة فى ذهنى كسؤالٍ جوهرى عن البشر: أهذا ما يفعله إنسان بإنسان آخر؟ وبعد ذلك، عندما رأيت صورة لطابور لا نهاية له من الناس ينتظرون دورهم للتبرع بالدم خارج مستشفى جامعى، تساءلت: أهذا ما يفعله إنسان لإنسانٍ آخر؟ تضارب هذان السؤالان، وبدا لى استحالة التوفيق بينهما، وكان عدم التوافق بينهما عقدة لا أستطيع حلها.
فى أحد أيام ربيع 2012، عندما حاولت كتابة رواية مشرقة تنتصر للحياة، واجهت مرة أخرى هذه المشكلة المُستحكمة. لقد فقدت منذ فترة طويلة الإحساس بالثقة فى البشر. كيف يمكننى احتضان العالم إذن؟ أدركت أننى إذا كنت عازمة على المضى قدمًا فى مواجهة هذا اللغز المستحيل، فإن الكتابة هى الوسيلة الوحيدة لتجاوز هذه المحنة.
أمضيت الجزء الأكبر من ذلك العام فى وضع الخطوط العريضة لروايتى، متخيلة أن شهر مايو 1980 فى غوانجچو سيشكل طبقة واحدة من طبقات الكتاب.
وفى ديسمبر، زرت المقبرة فى مانجوول دونج. كان الوقت قد تجاوز الظهيرة وتساقط الثلج بكثافة فى اليوم السابق. لاحقًا، مع حلول الظلام، خرجت من المقبرة المتجمدة بيدى على صدرى، قريبًا من قلبى.
وقلت لنفسى: إن روايتى التالية سوف تتناول كوانجچو مباشرة، بدلاً من حصرها فى طبقة واحدة. وصار عندى كتاب يحتوى على أكثر من 900 شهادة، ولتسع ساعات كل يوم على مدار شهر، كنت أقرأ كل سردية وثقت هناك. ثم قرأت ليس فقط عن كوانجچو، بل عن حالاتٍ أخرى من عنف تمارسه الدولة. ثم، وبمزيد من البحث فى الماضى، قرأت عن عمليات القتل الجماعى التى ارتكبها البشر مرارًا وتكرارًا فى جميع أنحاء العالم على مر التاريخ.
وخلال فترة البحث فى روايتى، سيطر على ذهنى سؤالان. فى منتصف عشرينياتى، كنت أدوّن هذه السطور على كل صفحة يوميات:
أيمكن للحاضر أن يساعد الماضي؟
أيمكن للأحياء أن ينقذوا الموتى؟
ومع استمرارى فى القراءة، صار من الجلى أن هذه أسئلة مستحيلة. ومع هذا اللقاء المستمر مع أكثر جوانب الإنسانية وجومًا، وشعورى أن بقايا إيمانى القديم بالإنسانية تحطمت بالكامل، كدت أتخلى عن إتمام الرواية. ثم قرأت مذكرات مدرس شاب فى مدرسة ليلية.
كان بارك يونج چون شابًا خجولاً وهادئًا، شارك فى تنظيم الحكم الذاتى «المجتمع المطلق»، الذى تشكَّل فى كوانجچو فى أثناء الانتفاضة التى استمرت عشرة أيام فى مايو 1980. وقُتل بالرصاص فى مبنى جمعية الشابات المسيحيات قرب مقر الإدارة الإقليمية حيث اختار البقاء، مع علمه أن الجنود سيعودون فى ساعات الصباح الأولى. فى الليلة الأخيرة، كتب فى مذكراته: «لماذا يا رب لا بد أن يكون عندى ضمير يؤلمنى هكذا؟ أنا أريد أن أعيش».
عندما قرأت هاتين الجملتين، أدركت فى لمح البصر، أى طريق ينبغى أن تسلكه الرواية. وأنه لا بد من إجابة على سؤالى.
أيمكن للماضى أن يساعد الحاضر؟
أيمكن للموتى أن ينقذوا الأحياء؟
لاحقًا، وأنا أكتب ما سيصبح «أفعالاً بشرية»، شعرت فى لحظات معينة أن الماضى يساعد الحاضر بالفعل، وأن الموتى ينقذون الأحياء. كنت من آن لآخر، أعود لزيارة المقبرة وبطريقة ما وجدت الجو دائمًا صافيًا. كنت أغمض عينى، وأشعة الشمس البرتقالية تغمر جفنىَّ. وشعرت كأنها نور الحياة. وأن النور والهواء يلفّاننى بدفء لا يُوصف.
لفترة طويلة بعد أن طالعت كتاب الصور ألحت عليَّ هذه الأسئلة: كيف يكون البشر على هذه الدرجة من العنف؟ لكن كيف يمكنهم فى الوقت نفسه الوقوف فى مواجهة هذا العنف الساحق؟ ماذا يعنى الانتماء إلى النوع الذى يسمى الإنسان؟ وكى أتمكن من إيجاد طريق مستحيل فى المساحة الفارغة بين هاتين الهاويتين من الرعب والكرامة الإنسانية، احتجت إلى مساعدة الموتى. ومثلما حدث فى هذه الرواية، «أفعال بشرية»، يسحب الطفل دونج هو يد والدته ليدفعها تجاه الشمس.
بالطبع، لم يكن بوسعى أن أمحو ما حدث للموتى، أو للثكالى، أو للناجين. كل ما استطعت فعله أن أمنحهم الأحاسيس والعواطف والحياة النابضة فى جسدى. ولرغبتى فى إشعال شمعة فى بداية ونهاية الرواية، جعلت المشهد الافتتاحى فى صالة الألعاب الرياضية البلدية حيث مراسم الجنازة ودفن الجثث. وهناك، نشهد دونج هو ذا الخمسة عشر عامًا يغطى الجثث بملاءات بيضاء ويشعل الشموع، محدقًا فى القلب الأزرق الشاحب لكل شعلة.
العنوان الكورى لهذه الرواية هو «سونيون-أى أوندا» «الصبى يأتي». كلمة «أوندا» هى زمن المضارع من الفعل «أودا» أى يأتى. وعندما نخاطب الصبى بضمير المخاطب «أنتَ»، سواء بنداء حميم أو صيغة رسمية، يصحو فى الضوء الشحيح ويسير نحو الحاضر بخطوات روح. ثم يقترب أكثر فأكثر ويتجه للحاضر. وعندما يُشار إلى زمان ومكان اقترنت فيهما القسوة والكرامة الإنسانية باسم كوانجچو، يتوقف هذا الاسم عن كونه اسمًا خاصًا فريدًا بمدينة ما، بل يصبح اسمًا شائعًا، ومثلما عرفت فى أثناء وضع هذا الكتاب، فهو يعود إلينا مرارًا وتكرارًا فى الزمان والمكان، لكن دائمًا فى زمن المضارع، وحتى الآن.
حين أنهيت الكتاب أخيرًا، ونُشر فى ربيع 2014، فوجئت باعتراف القراء بالألم الذى شعروا به فى أثناء قراءته. استغرقت بعض الوقت للتفكير فى كيفية ارتباط الألم الذى رافقنى طوال عملية الكتابة والانزعاج الذى عبر القراء عنه لى. ماذا عساه يكون وراء هذا الألم؟ هل نريد أن نضع ثقتنا فى البشرية، وعندما يهتز هذا الإيمان، نشعر كأن أنفسنا تُدمر؟ أهذا ما يلزم لنحب البشرية، وهذا الألم ناتج عن تحطم هذا الحب؟ هل يولِّد الحب الألم، وهل بعض الألم دليل على الحب؟
فى يونيو من العام نفسه، رأيت حلمًا، وفيه أنى أسير عبر سهل مترامٍ والثلج ينهمر بغزارة. وألوف من جذوع الأشجار السوداء مترامية فى السهل، ووراء كل منها تلة دفن. فى مرحلة ما، كنت أخطو على الماء، وعندما نظرت خلفى، رأيت المحيط يندفع إلى حافة السهل، الذى كنت أعتبره الأفق خطأً. وتساءلت لماذا توجد قبور فى مكان مثل هذا؟ ألم تجرف المياه كل العظام فى التلال السفلية الأقرب إلى البحر؟ ألا ينبغى لى الآن أن أنقل العظام إلى التلال العلوية، قبل فوات الأوان؟ لكن كيف؟ ليس لدىَّ حتى جاروف. والماء يصل بالفعل إلى كاحلى.
استيقظت، وبينما أتطلع من النافذة المظلمة، أدركت أن هذا الحلم يخبرنى بشىء مهم. وأتذكر أنى بعد تدوين الحلم، فكرت أن هذا قد يكون مدخل روايتى القادمة.
لم يكن لدىَّ فكرة واضحة إلى أين قد يقودنى هذا الحلم، ووجدتنى أبدأ، ثم ألغى بدايات قصص عدة محتملة تخيلتها بوحى من هذا الحلم. وأخيرًا، فى ديسمبر 2017، استأجرت غرفة فى جزيرة جيجو، وقضيت عامين تاليين، أو نحو ذلك، مقسمة وقتى بين جيجو وسيول.
تمشيت فى الغابات، وعلى البحر، وفى طرقات القرية، وشعرت بطقس جيجو الحاد فى كل لحظة، رياحها وضوئها وثلوجها وأمطارها، فى أثناء ذلك شعرتُ أن الخطوط العريضة للرواية تنجلى. وكما هو الحال مع رواية «أفعال بشرية»، قرأت شهادات الناجين من المذبحة، وتصفحت ما توفر من مواد، ثم، وبأكبر قدر ممكن من ضبط النفس دون تجاهل للتفاصيل الوحشية التى شعرت باستحالة صياغتها فى كلمات، كتبت ما أصبح «وداعات مستحيلة». نُشرت الرواية بعد نحو سبع سنوات من حلمى بجذوع الأشجار السوداء، وذلك البحر الهائج.
فى دفتر ملاحظات رافقنى أثناء وضع الكتاب، دوَّنت هذه الملاحظات:
الحياة تنشد أن تعاش. الحياة دافئة.
الموت أن تبرد. أن يتراكم الثلج على وجهك ولا يذوب.
القتل أن يشيع البرد.
البشر فى التاريخ. البشر فى الكون.
الرياح والتيارات البحرية. التدفق الدائرى للماء والهواء يربط العالم بأسره. نحن متصلون. أدعو الله أن نكون متصلين.
الرواية ثلاثة أجزاء. إذا كان الجزء الأول عبارة عن رحلة أفقية تتبع الراوية، كيونجها، من سيول إلى منزل صديقتها إنسيون فى مرتفعات جيجو عبر ثلوج كثيفة فى طريقها إلى طائر أليف كُلِّفت بإنقاذه، فالجزء الثانى يتبع مسارًا رأسيًّا يقود كيونجها وإنسيون إلى واحدة من أحلك ليالى البشرية، إلى شتاء 1948 عندما قُتِل المدنيون فى جيجو، وإلى أعماق المحيط. وفى الجزء الثالث والأخير، تشعل الاثنتان شمعة فى قاع البحر.
مع أن الرواية تستمر متناولة الصديقتين المتناوبتين على حمل الشمعة، فبطلتها الحقيقية والشخصية المرتبطة بكيونجها وإنسيون هى والدة إنسيون؛ جونجشيم.
الناجية من مذابح جيجو، والمناضلة لاستعادة حتى ولو جزءاً من عظام أحبائها كى تتمكن من إقامة جنازة لائقة بهم. الرافضة إنهاء الحداد. متحملة الألم الواقفة ضد النسيان. الرافضة للوداع.
وفى معرض اهتمامى بحياتها، التى كانت تغلى لفترة طويلة بالألم والحب بنفس الكثافة والحرارة، أعتقد أن الأسئلة التى شغلتنى هى: إلى أى درجة يمكننا أن نحب؟ وما حدودنا؟ وإلى أى مدى علينا أن نحب كى نظل بشرًا حتى النهاية؟
بعد ثلاث سنوات على نشر الطبعة الكورية من «وداعات مستحيلة»، لم أكمل روايتى التالية بعد. وكذا الكتاب الذى تخيلته سيلى تلك الرواية ها هو ذا ينتظرنى لفترة طويلة. فالرواية مرتبطة بـ«الكتاب الأبيض»، وقد كتبتها انطلاقًا من رغبتى فى إعارة حياتى، ولو لفترة قصيرة، لأختى الكبرى التى رحلت عن عالمنا بعد ساعتين فقط من ولادتها، كذلك للنظر إلى تلك الأجزاء التى تظل غير قابلة للتدمير فينا مهما حدث.
ومثلما هى الحال دائمًا، يستحيل التنبؤ بموعد اكتمال أى شىء، لكننى سأستمر فى الكتابة، ولو ببطء. سأتجاوز كتبى التى صدرت بالفعل وأستمر.
حتى ألتفت وأجدها اختفت من مجال رؤيتى. إلى أبعد مدى تسمح به حياتى. وحين أبتعد عنها، ستواصل كتبى حياتها بشكل مستقل عنى، وتسرى لمصائرها. كما فعلت هاتان الأختان، معًا إلى الأبد فى سيارة الإسعاف بينما تتوهج نيران خضراء خارج الزجاج الأمامى. وكما فعلت امرأة سرعان ما استعادت قدرتها على الكلام، وهى تكتب فى راحة يد الرجل بإصبعها فى السكون والظلام.
كما فعلت أختى التى رحلت بعد ساعتين فقط فى هذا العالم، وأمى الشابة تتوسل إليها: «لا تموتى، أرجوكِ لا تموتى»، حتى النهاية. إلى أين ستذهب تلك الأرواح التى تجمعت فى وهج برتقالى عميق تحت جفنى المغلقتين، غلفنى بنور دافئ لا يوصف؟ إلى أين ستذهب شموع أشعلت مكان كل عمليات القتل، فى كل زمان ومكان أهدرهما عنف عصى على التفسير، وحملها أناس أقسموا أنهم لن يقولوا وداعًا أبدًا؟ أستنتقل من فتيل إلى فتيل، ومن قلب إلى قلب، عبر خيط ذهبى؟
فى الكتيب الذى اكتشفته فى صندوق الأحذية القديم فى يناير الماضى، ساءلت نفسى فى أبريل 1979:
أين الحب؟
ما الحب؟
مع أننى وحتى خريف 2021، عندما نُشرت رواية «وداعات مستحيلة»، اعتبرت هاتين المشكلتين جوهر حياتى:
لماذا العالم عنيف ومؤلم إلى هذه الدرجة؟
ومع ذلك، كيف يمكن أن يكون بهذا الجمال؟
لفترة طويلة، اعتقدت أن التوتر والصراع الداخلى بين هاتين الجملتين كان القوة الدافعة وراء كتابتى. من روايتى الأولى حتى الأخيرة، باستمرار احتفظت بهذه الأسئلة فى ذهنى، ورغم التحولات والاكتشافات، ظلت هذه الأسئلة هى الوحيدة الثابتة. لكن قبل عامين أو ثلاثة، راودتنى الشكوك؛ هل بدأت حقًا فى سؤال نفسى عن الحب، عن الألم الذى يربطنا، بعد نشر «أفعال بشرية» فى كوريا فى ربيع 2014؟
ألم تكن أعمق طبقة من تساؤلاتى، من أقدم رواياتى إلى أحدثها، دائمًا بشأن الحب؟ أيمكن أن يكون الحب أقدم وأكثر نغمات حياتى جوهرية؟
فى أبريل 1979، كتبت الطفلة أن الحب يقع فى مكان خاص يسمى «قلبي». (فى صدرى النابض). وأما عن ماهية الحب، فجاء ردها (خيط ذهبى يربط بين قلوبنا).
عندما أكتب، أستخدم جسدى. أستغل كل التفاصيل الحسية من رؤية واستماع وشم وتذوق وتجربة الحنان والدفء والبرد والألم، وألاحظ تسارع دقات قلبى واحتياج جسدى للطعام والماء والمشى والجرى، والشعور بالرياح والمطر والثلج على بشرتى، وتشابك اليدين.
أحاول أن أغرس فى جملتى أحاسيس حية أشعر بها ككائن بشرى يسرى دمه فى جسده. كأن تيارًا كهربائيًا يسرى منى، وعندما أشعر به ينتقل إلى القارئ، أندهش وأتأثر. وهنا أختبر مجددًا خيط اللغة الذى يربطنا، وكيف ترتبط أسئلتى بالقراء عبر ذلك العنصر الحى الكهربائى.
عميق امتنانى لكل من تواصلوا معى عبر هذا الخيط، ولمن قد يتواصلون.
صرصار عظيم!
ثلاثة وجوه
وداعًا إدجار موران.. صائد المعرفة







