إعداد: ابتهال الشايب
عن عمر يناهز 105 أعوام، رحل، الأحد، 31 مايو، المفكر الفرنسى، إدجار موران، بعد مسيرة طويلة من العطاء، شملت نحو 60 كتابًا منها: «إلى أين يسير العالم؟»، «هل نسير إلى الهاوية؟» و«الفكر والمستقبل» و«مدخل إلى الفكر المعقد» وغيرها. ووصفه الرئيس الفرنسى السابق، نيكولا ساركوزى، بأنه «مفكر القرن».
ولد موران فى باريس عام 1921، من أبوين يهوديين، ويعتبر من أهم مروجى مفهوم التعقيد، إذ يصف نفسه بأنه «صائد المعرفة»، وقد درس فى تخصصات عديدة، وتخرج من كلية الحقوق فى باريس. لعب موران، دورًا بارزًا فى المجال السياسى فى فرنسا، إذ انضم إلى حركة المقاومة، بعد الاحتلال النازى أثناء الحرب العالمية الثانية، ثم انتقل إلى مدينة تولوز (جنوب غرب فرنسا)، وواصل دراسة القانون، ثم التحق بالحزب الشيوعى ثم بحركة مقاومة الاحتلال الألمانى، التى تعاونت فيما بعد مع حركة الأسرى التى أسسها فرانسوا ميتران.
أصبح موران رئيس مكتب الدعاية فى الحكومة العسكرية الفرنسية، بعد التحاقه بالجيش الفرنسى الأول فى ألمانيا عام 1945. بعد هزيمة ألمانيا، كتب «العام صفر لألمانيا»، وصف فيه معاناة الألمان من اكتئاب وجوع وشائعات. فى عام 1946 قرر ترك مسيرته العسكرية، وعاد إلى باريس, وتابع أعمال الحزب الشيوعى، ثم طرد منه بعد عشر سنوات، وأصدر كتابه «النقد الذاتى» عام 1959، الذى يصور فيه تجربته فى الحزب الشيوعى، وأضرار الأيديولوجيات.
اتخذ موقفًا داعمًا للجزائر ضد الحرب، ورفض التوقيع على «بيان 121»، وهو إعلان الحق فى العصيان فى حرب الجزائر، وكان يرى أن فرنسا والجزائر فى حاجة إلى الابتعاد عن الأنظمة الديكتاتورية، حارب تجاوزات النظام السوفيتى، وهاجم إسرائيل، من خلال مقال نُشر له فى صحيفة لوموند عام 2002، وصفها بأنها قمعية وظالمة، موضحًا أن اليهود عانوا من نظام لا يرحم، الآن يفعلون نفس الشىء مع الفلسطينيين. تعرض إثر ذلك إلى انتقادات كبيرة، ووجهت إليه تهمة معاداة السامية، لكن ألغت محكمة النقض إدانته.
انضم، عام 1950، إلى المركز الوطنى للبحث العلمى، وسافر إلى أمريكا اللاتينية، وقام بالتدريس هناك، وبدأ اهتمامه بمفهوم التعقيد، فى نفس العام أصدر كتاب «روح العصر» الذى تناول الثقافة الشعبية، حصل على العديد من شهادات الدكتوراه الفخرية من عدد من الجامعات.
وُصف موران بأن لديه القدرة على إتقان جميع المهن، واهتم بأفكار يحتقرها معظم الباحثين، مثل التلفزيون والشباب وغيرها، على سبيل المثال: وصف نجوم موسيقى البوب فى ستينيات القرن العشرين بمصطلح «يى يه».
تمتع موران بشخصية متفائلة، شغوفة بالمعرفة، ورأى أن الإغلاق يحيى مفهوم الإنسانية؛ من خلاله يستطيع المرء تحديد ما هو مهم وما هو غير ذلك، واعتبر أن مرحلة الشيخوخة مرحلة نمو إنسانى، وليست خطوة للاقتراب من الموت. وكان محبًا للسينما، وكان موضوعًا لفيلم وثائقى فى عام 2014.
يقول وزير التربية الوطنية السابق جان ميشيل بلانكير، الذى شاركه فى تأليف كتاب «أى نوع من المدارس نريد؟» فى عام 2020، أنه يحب أن يواجه أفكاره بكل الطرق المختلفة، وكانت مناقشتهما تستمر لساعات. وأنه مفكر العصر الحديث الذى لا يمتلك حدودًا، والذكاء النقي.
من ضمن أعماله كتاب «شائعة أورليان»، الذى يتناول فيه قصة اختفاء فتيات فى غرف قياس ملابس لمحال تابعة لليهود. طور دراسته لمفهوم التعقيد مع جاك مونو، وأصدر درة أعماله «المنهج» الذى يشبه الموسوعة، مكونًا من عدة مجلدات، قدم فيه مفاهيم النظام والفوضى والتعقيد، ثم حولها إلى مفاهيم عامة.
اعتبر مسألة التعقيد تحديًا، لا تشمل فقط المعرفة العلمية، بل أيضًا المشكلات الإنسانية والاجتماعية والسياسية.عرف التعقيد بأنه هو المعرفة، لا يمكن اختزاله إلى مبدأ واحد، بل يتضمن علاقات كثيرة متبادلة وعوامل حاسمة. حرص على تدريس التعقيد فى الظواهر وردود الفعل المعاكسة. يقول فى إحدى كتبه: «أن التعقيد ليس البساطة بل التشويه.» ويستكمل:« قد يمتلك التشويه شكل مفهوم أحادى البعد أو مفهوم اختزالى. ويحدث التشويه عندما ننكر كل واقع وكل معنى للأشياء التى استبعدناها.
عادى موران التفكير التبسيطى، فالتبسيط يحمل خطر الغموض. فكر أيضًا فى شروط إمكانية التعقيد، ولم يؤلفها، أفكاره مثل أداة علمية عملية، تستخدم فى الخطابات التربوية والتعليمية والسياسية. اهتم، طول مسيرته، بفهم كيفية تقدم العلوم مع تحدى المسلمات، وكيف تتطور من خلال دحض نفسها. من خلال مقال نُشر لموران عام 2004 بعنوان «إدجار موران، عالم الاجتماع ومنظر التعقيد: من الثقافات الوطنية إلى الحضارة الأوروبية»، يشير على آيت عبد الملك، وهو أستاذ علم الاجتماع فى جامعة رين دو الفرنسية، إلى أن موران يريد عدة أشياء وهى: أن يوفر ثقافة تستطيع أن تميز بين المشكلات الأساسية، وأن يكون هناك إعداد للعقول؛ من أجل مواجهة تحديات تزايد تعقيد المشكلات، وأن يكون هناك تفاهم بين الناس، بالإضافة إلى تعليم الانتماء والمواطنة.
امتدت طموحاته الفكرية إلى المجال السياسى أيضًا، فأراد توفير الوسائل لمواجهة التحديات الاجتماعية، والتراجع الديموقراطى الذى ينتج عن زيادة سلطة الخبراء والمتخصصين، مما يقلل من كفاءة المواطنين. يوجه موران أفكاره لجمهور واسع، وليس شرطًا أن يكون من المتخصصين فى مجال العلوم، يستخدم نماذج تبسيطية للغاية (بمعنى أن السبب يؤدى إلى النتيجة)، ويبدو أن عددًا كبيرًا من المهتمين بالعلوم الإنسانية أصبح لديهم قابلية لمفهوم التعقيد، كذلك استجاب للحاجة الإيديولوجية لمواجهة التهديد التكنوقراطى والبيروقراطى المحتمل، عن طريق تقديم منهج مبسط ومحدود. تعتبر مساهمته أيديولوجية وثقافية أكثر من كونها مساهمة علمية.
بعد مسيرة حافلة بالإنجازات الفكرية، رحل موران، وقد حاز على تقدير واسع من السياسيين الفرنسيين. أشاد به الكاتب والاقتصادى جاك أتالى ووصفه بأنه كان عملاقًا فى مجال الفكر وإنسانًا محبًا للحياة ورجلًا طيبًا وشجاعًا وصديقًا حقيقيًا، ورثاه الكاتب الصحفى والمخرج الفرنسى جان ميشيل دجيان قائًلا أنه سيفتقده، وأن حياته كانت عبارة عن صورة مصغرة تجسد الإنسانية بكل ما تحمله من تناقضات وجمال ووحشية وغموض.كذلك كتبت زوجته صباح أبو السلام فى بيان أرسلته إلى وكالة فرانس برس أن موران ظل مهتمًا حتى أيامه الأخيرة بالعالم والآخرين وبالقضايا الإنسانية الكبرى، وأنه ترك فراغًا كبيرًا، لكن ولاءه للأفكار وللناس وأمله سيبقى معنا.
صرصار عظيم!
ثلاثة وجوه
نصائح غريبة للكتابة







