غَـيْـبَـةُ مــــَىْ

نجوى بركات
نجوى بركات


نجوى بركات
 

- مــَىْ !

سقط الصوت علىّ مثل غلالة شفافة أوقفت شعر بدنى وهزّت قلبى فطنّ فى أذنىّ طبلا أجوف قويا. تسمّرتُ فى مكانى وقطعتُ نفَسى، فساد صمتٌ رحيم.

لكن، ما إن حرّكت قدمى أنوى التقدّم، حتى كرّر الصوت اسمى بنبرة عاتبة. فكّرت أنّ العتب ولا بدّ وليد معرفة سابقة والمعرفة، مهما كانت عابرة، تفترض أنّ الناطق ليس غريبا تماما.

أغمضتُ عينىّ وانكمشت أعضائى وتضرّعتُ: يا إلهى، اجعلْه حلمًا أو حتى كابوسًا، لا يهمّ، إنما أتوسّل إليك، أعِنّى على الاستيقاظ. 

وما استيقظتُ برغم صحوى، بل شعرتُ بحضورٍ ما فى ظهرى وبنَفَس يصعد ويهبط لا مستعجلا ولا على مهلٍ. ماذا أفعل، أركض خارج الشقّة أو ناحية الشرفة، وأطلق صراخى؟ أنا على مسافة وسطى ما بين الاثنين، والوقت فجرٌ، ماذا لو هبّ إلىّ بعض الجيران لينجدونى وما وجدوا أحدًا.

سبق أن حصل هذا، سمعتُ حركة فى الشقّة، فأقفلتُ باب غرفتى علىّ واتصلتُ همسًا بيوسف الناطور، أنا لست خوّافة فى العادة، لكنى كنت متيّقنة من وجودٍ غريبٍ فى البيت، صعد يوسف إلىّ كالصاروخ وفتح بنسخة المفتاح التى يحتفظ بها، ثم أعطانى صوتَه بعد أن جال فى أنحاء البيت. 

لا أحد هنا، ستّ مىْ!
لم أرتَح. سألتُه أن يتأكّد مرّة أخرى، وألححتُ أن يزور كل الغرف، غرفة المؤونة الخلفية فى المطبخ، والحمّامين وحتى الحجيرتين اللتين تعلوهما، فربما اختبأ الدخيلُ فيهما. فعل ما أمرته به، ثم عاد إلىّ.

لا يوجد أحد!
فتحتُ الباب ولم أنظر فى عينيه وقلت: 
ربما هو جرذ ؟
معاذ الله! من أين سيدخل؟
بعضها يتسلّق الجدران الخشنة، أنا أراها تفعل.

استبعد يوسف الأمر بحزم، ثم دعّم حجّته بتعاقد العمارة مع شركة خاصة مكلّفة برشّ المبيدات وتوزيعها بسخاء ضد القوارض والصراصير والحشرات، مرتين فى العام! وكان على حقّ. أنا أيضا كنت على حقّ وقد سمعتُ ما سمعت وشعرتُ ما شعرت.

والآن؟ لن أعرّض نفسى ثانية للموقف المخجل إيّاه. المرة الأولى مرّت، الثانية ستدمغنى وتُسجّل علىّ، وفى الحالتين أستجلب لنفسى شُبهة الخرف أو الجنون. إلا هذا! أن يظنّ الناس أنى أفقد عقلى وأصير غير صالحةٍ للعيش وحيدة فى شقتى.  الموت أهون علىّ! 

لا أعرف كيف استجمعتُ قواى، أخذت نفسا عميقا، واستدرتُ بسرعة على ذاتى، مستحيل! أنا لا أهذى، ثمة امرأة جالسة فى صالونى، على كنبتى، ناظرةً إلىّ وكأننى أنا الكائن الدخيل الغريب الذى لا يُفهم سبب وجوده هنا.

إلتفتُّ مصعوقةً إلى باب المدخل، ثم إلى باب الشرفة، وأعدتُ الكرةّ، مقفلان، من أين دخلتْ؟ أُغمض عينىّ بقوة وأُخفى وجهى بيدىّ، فتختفى، بلى، أنا نائمة وسوف أكتشف بعد لحظة أنى ما زلتُ فى سريرى.

امتثلتُ لفكرةٍ ما وجدتُ أمامى سواها، ثم فتحتُ عينىّ. لستُ فى سريرى! ابتسامتها الخفيفة عالقة عند عتبة فمها وهى ترمقنى بملامةٍ وحزن. لا بد وأنها من كائنات الماضى التى لا يؤمَن لها، تظهر ثقبا أسود فاغر الفاه يشدّ ويسحب بقوة المغناطيس حتى ابتلاعك. لكن، من أىّ ماضٍ هى؟ فكّرتُ وأنا أتوجّه صوب الشرفة بعد أن قررت إغفال وجودها والتصرّف بشكل طبيعىّ. ليست هنا. لا شىء يحدث. 

شرفتى الجميلة، مضيافة ومحايدة فى آن، يضمن لى ارتفاعُها تسعة طوابق فى عمارةٍ يبلغ علوّها عشرةَ طوابق وسطحا، إطلالةً بانورامية على عالم انقطعتُ عنه، وفضاءً للسهر والترويح عن ذاتى عندما يستبدّ بى أرقٌ عصىّ، عندما شارفتُ على السبعين، خاصمنى النوم فكنتُ أبقى مفتوحة العينين، إلى أن يغافلنى الإعياءُ والنعاسُ بضربة على الرأس أهوى من بعدها على السرير، بعد أكثر من عشر سنوات، تأقلمتُ مع الأرق ووجدت له فوائد خصوصا لجهة التعارض الصارخ بين سنواتٍ تبقّت ورقادٍ يستهلك الساعات فى غير موضعها، تقنين النوم، تماما مثل تقنين العيش والانفعالات والكهرباء. ليس أكثر من 4 ساعات فى الأربع وعشرين ساعة.

هكذا أغفو بعد أن يتملّكنى تعبُ مَن حرث أرضا طوال النهار، أو كسّر صخرا، أو أفرغ بحرا. غريب أن تأتينى هذه الصور عن نشاطٍ يومىّ لا يعدو الانتقال من غرفة إلى أخرى، محادثة بعض النباتات وسقايتها، ومضغ أكثر ممّا يكفى لبقائى على قيد الحياة. 

أغفو صحيح، لكنى أصحو لأقلّ حركة، لأدنى خلجة، أنتفضُ مثل مَهْرٍ كبا سهوًا ثم انتصب مستعدًّا للعدو، أنا أيضا أكون مستعدّة، لكن لأىّ أمرٍ، لست أدرى، أستيقظ فأخلع سريعًا منامتى وأذهب إلى المطبخ مباشرة لأضع الركوة على النار، وبانتظار بلوغ الماء درجة الغليان الضرورية لصنع قهوتى، أذهب إلى الشرفة لأخبرَ العالمَ، بل لأفاجئه، أنى ما زلتُ هنا لم أمت بعد. أجول بنظرى على الشرفات القريبة والبعيدة، على الشارع الممتدّ طويلا والأزقّة المتفرّعة منه، ويسيئنى أن اكتشف أن ثمّة من سبقنى فقضم قبلى تفّاحةَ النهار. 



باستثناء الغادين إلى أعمالهم فجرا، لا أرى أحدا من سكّان العمارات. لا ضوء، لا حركة، فقط أسراب من عُمّال معظمهم من الأجانب يتّوجهون بشكل آلىّ نحو أماكن عملهم، ليطعموا أفواه تلك المطاحن العملاقة لا تنى تهرس عظامَهم منذ دهور، ينهضون تحت جُنح العتمة ليقصدوا أحياء «المدينة الصناعية» تُخفيها عن ناظرىّ البناياتُ المقابلة، ثم الاتوستراد، ثم الأبنية الأخرى على الجانب الآخر.

يسمّونها «المدينة الصناعية» وهى عبارة عن بضعة أحياء متقاطعة تمتلئ بالضجيج والشحوم السوداء وهياكل السيارت المهشّمة وقطع الغيار على أنواعها، مستعمَلة وجديدة.

قصدتها مع يوسف ذات مرة، حين اقتنعتُ أنه لا بدّ من بابٍ حديدى يُضاف إلى الباب الخشبىّ، خاصة وأنى أعيش وحيدة على ما قال لى الناطور.

فى عمقى، أنا لا أعتقد أن سارقا ماهرا يقبل بأن يصدّه خشب أو حديد، إذ يبقى الحلّ لخلع أقوى الأبواب فى قفلٍ يُكسَر أو مفاصل تُفكّك.



لكن، هذا ما درج عليه سكّان العمارة، وما عادت تطمئنهم بوابة حديدية ضخمة تمنع ولوج البناية إلا بمفتاح. هكذا فعل أيضا سكان العمارات المجاورة، لا بل سكّان المدينة بأسرها، وذلك أيا تكن طبقتهم الاجتماعية، ومهما كانت معدمة، إذ هناك دوما ما يستحقّ السرقة.

جملةٌ تستحقّ أن تذهب مَثَلا فى بلادٍ كهذه انعدمت فيها كلُّ مستويات الأمن والأمان، فكان لا بدّ من أقفالٍ تحمى أقفالا، وبواباتٍ تحمى أبوابًا. أقفالٌ ومغاليق لحماية السطوح، لغرف المياه والخزّانات والأعيرة، لغرف الكهرباء حيث العدادات الكهربائية وعدّادات الاشتراك، لأغطية البلدية الفولاذية فى الطرقات التى تحمى الحفرَ المودية إلى المجارير، لأسلاك الكهرباء فى الشوارع لأنها من نحاس، لكل ما هو معدنى ومن النحاس لأنه مرغوب ويُباع. حتى فى سنوات الحرب العنيفة المرعبة، لم نكن نخشى استباحة فضاءات عيشنا بهذا الشكل وهذا القدْر.

أتأمّل أسراب العمّال العابرين من تحتى بصمت، ولا أستوعب ما الذى يُبقيهم هنا. أعين مفتوحة وكأنها مغلقة، لذا تراهم لا يتلفتّون ولا يتحايّون ولا يتبادلون النظرات. فقط يتقدّمون فى قلب نفقٍ حفروه لتنقّلاتهم وحفظوه.

ثمة صبىّ، بالكاد عشر سنوات، يلوّح بكيس بلاستيكى أزرق وضع فيه زاده أو عدّة الشغل. شعره المبلول المسرّح بعناية يتنافى وزيّه الملوّث بشتى أنواع بقع الشحم. صبىّ ميكانيكىّ حتما أرسله أهلُه للعمل فى أحد كاراجات التصليح المتكاثرة هناك.

أتساءل ما الذى يُبقيهم وهل يُعقل أن تكون بلدانُهم أسوأ حالا من بلادٍ لا تنى تتخلّع وتتفكّك وتتهاوى منذ عقود. لا بدّ أنه الاعتياد على نوع من الشقاء وعدم الرغبة فى التمرّن على سواه. فالبؤس يبقى هو البؤس فى النهاية، هنا أو هناك.

رفعت نظرى عن الشارع عندما تحرّكت القطة وأخرجت رأسَها من الصندوق البلاستيكى حيث تنام، فى الزاوية الأبعد من الشرفة. تمطّت وتثاءبت ثم نظرت إلىّ بلؤم. تعرف أنى لا أحبّها.

ليس أنى لا أحبّها، لكنّها ليست قطّتى بالفعل. أنا لم أخترها ولم أتقصّد اقتناءها، فلست من عشّاق الحيوانات ولا أستسيغ البتّة فكرة عيشها فى البيوت. وهذه القطة بالذات، لا أحبّ مزاجىّتها واتكّالها علىّ لفعل أمور وجب أن يأتى تدبيرُها تلقائيا وطبيعيا ومن فِعلها هى.  

ليس على الحيوانات أن تتكّل علينا لإطعامها وغسلها وقصّ أظافرها، أخذها إلى طبيب أو اصطحابها إلى حلاق! القطة، وإن لم تكن قطتى بشكل طوعىّ، أُوفّر لها بدوافع أخلاقية إنما غير عاطفية، ما تحتاجه، وقد وقع الضَّررُ وتمّ إفسادُها من قِبَل سواى. 

وإذا كنتُ فى أحيان أنحنى لأملّس على وبرها الذى يعلق فى كفّى أو يتطاير ليبلغ أنفى، فلأنها تستنفد صبرى بدورانها حولى وتمسّحِها بى ومحاصرتى بموائها وحركاتها البهلوانية التى لا تتوقّف، ما لم أمسّد على رأسها وظهرها للحظات.

وأنا، إذ أفعل، أفعل آليا وبانفصال تامّ كأنى أمسح سطحًا من جماد، فلستُ أفرح ولستُ أغضب، بل آتى أمرًا يُنهى إنجازُه مصدرَ انزعاجى. والحقيقة أنى أهتمّ بها فى حدٍّ أدنى لأننى لا أحبّ نفسى إذ لا أحبّها ولا أوليها بعضَ ما تستجديه من اهتمام. ففى الآخرين تختبئ صورتُنا عن أنفسنا، وفى نظراتهم تلوح أعينُنا تنظر إلينا فى الخفاء.

ماءت بطريقة غريبة ونظرت إلىّ. ما هذا، وعاء أكلك ما زال ملآنا وكذا وعاء الماء، فماذا تريدين؟ لا تبدو على عادتها. يبدو أن القطط تكتئب أيضا، فكّرتُ، ثم خطر لى أن الغاز ما زال مشتعلا فى المطبخ، لمَ لا أتركها تتبعنى وأعبر معها الصالون.

يقال إنّ القطط تستشعر وجود الكائنات الدخيلة، وربما هجمتْ عليها وطردتها من المكان. انحنيتُ ورفعتُها وضممتها بقوة إلى صدرى، فاستغربتْ سلوكى وفتحت عينيها على اتساعهما. ليس من عادتى الاقتراب منها كثيرا، فكيف بحملها وضمّها؟ أزحتُ على مهل الباب الشبكى الذى يمنع دخول الحشرات، ثم مددت ساعدىّ بها أقصى ما استطعت، فصارت القطة فى الصالون، وبقيت أنا على الشرفة.

أدرتُها يمينا ويسارا، فلم تأتِ أى ردّ فعل. أَأُلقيها أرضا وأدفعها إلى الداخل؟ مططتُ رقبتى لأُدخل رأسى ونظرت مباشرة ناحية الكنبة. لا أحد! أفففف... تنفّستُ الصعداء. أترانى بدأتُ أسمع أصواتا وأرى أطيافا مثل مرضى الـ...؟ نهرتُ الفكرة، أعدتُ القطة إلى زاويتها، وعبرت الصالون مسرعة نحو المطبخ حيث أطفأت الغاز.

من الخزانة التى فوق المجلى، تناولتُ كوبا وضعت فيه ملعقة نيسكافيه غولد وملعقتى مبىّض حلّتا مكان الحليب الذى تخلّيتُ عنه لأن بطنى لم يعد يحتمله وقد تسبّب لى بكمّ من الغازات ما عدت قادرة على التحكّم بها.

أمشى، فأشعر أن بوالين صغيرة متسلسلة مربوطة بخيط إلى مؤخرتى، تفقع مع كل خطوة، وأحمد القدَرَ أنّ لا أحد يرانى أو يعيش معى ليُشعرنى بأى ضغط أو إرباك. متعةُ الضراط بحرية! وقتما كان وأينما كان! كان يُضحكنى تلميحُ أبى إلى ضراط عمّاتى وضجيجهنّ الذى يعلو من حوله نفيًا واعتراضًا، عندما نجتمع أيام الآحاد، أو حين يقصّ علىّ قبل النوم حكاية تاج الدُّجى وأخته بدر الدُّجى التى كانت تُكثر من أكل الفاصولياء كى تحشو قصبتَه الطويلة بريح بطنها، فتساعده على ركوبها والطيران نحو مغامراته العديدة. تُخفى عمّتى الكبيرة وجهها بيديها لإدراكها أنها المقصودة، ثم تنقلب على ظهرها مقهقهةً، فتبدو مثل كرة مستديرة بقدمين صغيرتين تتحرّكان بإيقاع يتواءم وضربات مدافع أحشائها، فيما تحتقن الوجوهُ ضحكا وسعالا.
دلقتُ مياه الركوة فى الكوب الأبيض السميك، فَعَلا البخارُ وفاحت معه الرائحةُ المُدوّخة. هذا هو التوازن المثالى، ماء غالية تفقفق ليذوب المكوّنان ويتداخلا بأريحية، وأيضا لأنى من الذين يتأنّون فى شرب قهوتهم، فلا تبرد ولا تأسن إلا بعد ما يكفى من الوقت. لا بأس بتناولها فاترة أيضًا، لأن فُرَصًا قادمة لتناولها ساخنةً ستتكرّر لحين انتصاف النهار، عندما أهجر القهوةَ إلى الشاى الأخضر، تعويضا عمّا يمكن أن تكون قد ألحقته كثرةُ الكافيين بى من أذىً، برغم ما يشاع عن مقدراتها على محاربة الخرف وتنبيه الذاكرة، وهما السببان اللذان زادا منسوبَ احترامى لها وتعلّقى بها. وعلى عكس تقاليد شرب الشاى فى بلاد الانجليز، فإنّ الخامسة عصرًا هى ساعة توقّفى عن احتساء الشاى وكافة المنبّهات الأخرى، والانكفاء إلى ما يهدّئ الأعصاب: بابونج، يانسون، قصعين، نعناع، قرفة، زنجبيل، وزهورات متنوعة. هكذا أعوّض عن كرهى شرب المياه، وأعيد إلى أعصابى بعضَ هدوءٍ سلبتُها إياه. 
حملتُ كوب القهوة ووعاء الرىّ بعد ملئه، اقتربت على مهل لأتأكّد مجدّدًا من فراغ الصالون، ثم خرجتُ إلى الشرفة. كانت أشعّةُ الشمس قد بدأت تزحف ببطء صوب أصص النبات، تتبّعتها القطّةُ بحثًا عن الموضع الأفضل للتمدّد والاستمتاع. مددتُ قدمى محاولةً إزاحتها من دربى، فانقلبتْ على ظهرها رافعةً قوائمها الأربع. تظنّ أنى أقوم بملاعبتها، أو أنها تُقنع نفسها بالأمر، مثابِرةً على سياسة المداهنة على أمل استمالتى عاطفيا علّى أفتح لها باب قلبى، أو خاصة باب الشقّة. منذ قدومها وهى تحاول وتسترضى وتتذلّل وتسعى. وما ملّتْ، وما تعبتْ، وما يئستْ. أو أنها على عكس ما يُعرف عن القطط، لا تتمتّع بأى دهاء. لا أنسى كيف بقيت تموء أمام بابى لأيّام. اختارت شقتّى بالذات، وليس الشقّة المقابلة التى يسافر أصحابُها عشرة أشهر فى العام. خرجتُ وكششتُها بعصا الممسحة، فهربت، لكنها ما لبثت أن عادت ورفعت من سقف موائها الذى كاد أن يقودنى إلى الصرع. ثم خطر لى أنها جائعة، فقلتُ أُطعمها حتى تشبع فترحل. وضعتُ لها قطع مورتديللا وبعضا من الماء، وكان هذا الخطأ الفادح الذى ارتكبتُ وأودى بى إلى ما أنا فيه. أطعمتُها كى أتخلّص من موائها، فاعتبرتْها المحتالةُ خطةً ناجعة وبقيت رابضة أمام الباب، تغفو، ثم حين يستبدّ بها الجوع، تُطلق نفيرها، وتصعّد وتخربش بأظافرها على الباب. إلى أن رفعتُ الانترفون وناديتُ وأنا أصرخ أكثر مما أتكلّم: 
- يوسف! هناك قطة لعينة أمام بابى، تعال فورا وخلّصنى منها قبل أن أرميها من البلكون!
دقائق وكان يوسف أمام باب المصعد يتفحّص عنقها ليرى إن كانت تحمل طوقًا. وحين لم يجد ما يدلّ على أصحابها، قال إنّ نظافة وبرها وسمنة بطنها الذى يكاد يلامس الأرض، تؤكّدان أنها ربيبة بيت. ثم انحنى مادًّا ساعده نحوها يريد أن يربت على ظهرها، لكنها تراجعت حذرة، قبل أن يحشرها فى الزاوية فتُسلم نفسَها له. رفعها يوسف وضمّها إليه وهو يملّس وبرها الكثيف ويقول إنه سيفتّش على أصحابها إذ لا بدّ وأنهم من أهل الحىّ، فلم تقاوم وانتظرت بهدوءٍ معه قدومَ المصعد.
أُفففففف... 
عدتُ إلى رتابة أيامى وقد ارتحتُ من عبء ثقيل، ففى سنّى وحالتى، يمثّل أدنى ما يُقلق سيَلانَ أوقاتى الرتيبَ حدثًا جللاّ. لكنّ اللّئيمة اسْتهدتْ إلىّ من جديد، وعادت بعد يومين بمواء متدافع متصاعد أشبه بجرس إنذار، وبخربشات بأظافرها أكثر شراسة من قبل على أسفل الباب، كأنّما قد بات لها، وقد أطعمتها مرّة، حقٌّ علىّ. رفعتُ الانترفون وهتفتُ ليوسف منذرةً:
- القطة عادت! 

فأجاب يوسف متلعثما بصوته الخفيض بأنه صاعد توا إلىّ. لستُ أدرى من أين يأتى بأطنان الصَّبر التى يُجبره سكّانُ العمارة على استهلاكها، يوميًّا، وكيف يبقى متبسّمًا لطيفا لا يستنفد جَلَدَه شىء. يوسف وحدانىّ وغريب، وهو من فئةٍ من الناس تتزوّج فى العادة خلال المراهقة، أو على عتبة عشرينياتها كأقصى حدّ. لكنّ يوسف المقيم فى غرفته الصغيرة المدهشة بنظافتها وترتيبها، إلى يمين المدخل أسفل العمارة، لم يتزوّج برغم بلوغه منتصف الثلاثين. ربما لأن عروسه المحتملة ما زالت خبيئة قريته التى غادرها منذ ثلاثة عشر عاما، عند اشتعال الحرب فى بلاده المجاورة. لا أنـِى أستغرب كيف يبقى غرباءٌ فى بلاد ضاقت بها الحالُ حدَّ الاختناق، بعد انهيار عملتها وإفلاس أهلها وانحلال مؤسّساتها التام. ألأنّه أصبح يقبض معاشه بالعملة الزرقاء - وقد اتّفق سكاّنُ العمارة مجتمعين على نِعَمِ وجوده الكثيرة عليهم، وأهمّها شعورهم بالأمان لتواجدٍ يردع ولو شكليًا، السرقاتِ المتكاثرة من حولهم ويُبعد احتمالَ ضمّهم إلى ضحايا حوادث قد تبلغ حدّ القتل من أجل مبالغ تافهة: سلسال ذهبى، أو محفظة لا يعدو محتواها ثمن ربطتى خبز؟ فى مطلق الحال، فإن مجرّد حضوره الدائم، مدعومًا ببوّابة حديديّة سوداء ضخمة، وبأضواء فاجرة تبقى منارة ليلا برغم الغياب التام للتيّار الكهربائىّ والارتفاع الجنونىّ فى أسعار الاشتراكات، بدا فعّالا بدليل عدم تعرّض عمارتنا لأية محاولة سرقة. حتى الآن.

ابتسم يوسف حين فتحتُ له الباب، رامشا بهدبيه، معتذرًا عن وقاحة قطّة لم يوفّق فى إيجاد أصحابها، فهاله أن يرميها إلى الشارع حيث ستتنازع لحمَها البضَّ مئاتُ القطط الداشرة والكلاب المستذئبة التى تخلّى عنها أصحابُها بسبب ضيق العيش. «تركتها فى المساحة المخصّصة لركن السيارات، أمام مدخل البناية - قال مستحيا- ثم التفت إليها متفكّرا، قبل أن يُضيف شبه هامس: كنت أطعمها وأترك لها ماءً، لكن يبدو أنها أحبّتك، ستّ مـَىْ»... 
قاطعتهُ، مقتنعةً أنه يرمى لى طُعما فى محاولة يائسة لإقناعى بإبقائها برغم يقينه أن جوابى سيكون لا، ففاجأتُه بخبثى المضمَر لإفهامه أنّى أكثر تعقيدا ممّا يظنّ، حين سألته ببراءة ظاهرة:
- أحبّتنى، حقا؟
اشرأبّ عنقُ يوسف فجأة حين سمع ما يشى باهتمامى، فانتصبت أذناه والتمعت عيناه، وقال وهو بالكاد يُخفى انفعالَه بابتلاع لُعابٍ تجمّع تحت لسانه: 
- ألم تختركِ دون سكّان البنايتين، وأنتِ لستِ حتى فى الطوابق الأولى لنقول إنها استسهلت المجىء؟
نظرتُ إلى القطة التى صمتتْ بمعجزة وكانت تقف فى الفسحة التى تفصلنى عن يوسف، مدّعيةً التفكيرَ والموازنةَ بين ما ينفّرنى من فكرة إبقائها معى وما يتركنى على حياد، فيما صغَر يوسف ناظرا إلى الأرض، محبوس الأنفاس، خشية أن يأتى ردّ فعل يؤثّر سلبا على قرارى.  ولمَ يهتمّ أصلا لمصيرها هكذا؟ ولم لا يتبنّاها هو إذا كان قد تعلّق بها إلى هذا الحدّ؟ لا أظنّ، فيوسف اعتاد مثلى العيش وحيدا، ثم إن راتبه لا يسمح له بإطعام فم آخر، حتى ولو كان لقطّ.
دارت القطّة على نفسها، ثم طوت جسدها واقتعدت الأرض. لست أدرى إن كانت هى رغبتى بمعارضة توقّعات يوسف بشأنى، أو إن كان لوناها الأبيض والأسود الملائمان لمزاجى الفاتر، أو أخضر عينيها الغامق المطفأ، أو انفصالها فى تلك اللحظة حيث بدت غير ساعية إلى عاطفة تعدو كفايةَ حاجاتها الأوّلية من مأكل ومشرب ومبيت، هى ما أقحمها فى مخيّلتى وجعلنى أتخيّل وجودَها معى.  مجرّدُ تخيّلٍ تسرّب إلى عقلى كما يتسرّب الغازُ، فجعلها فى مستقبلى قبل أن أُدخلَها بالفعل. رفعتُ عينى عنها وسألتُ: لمَ تقول هى؟ قد تكون ذَكَرًا. فأجاب يوسف مستعجلا ومتلعثما قبل أن يفتر اهتمامى المفاجئ بها: 
- وَلَوْ؟! ألم ترىْ بطنها المدلوق يكاد يلامس الأرض؟ 
شعرتُ بالانزعاج والإحراج فجأة، فبقيتُ دون حراك أتأمّل فى ملامح وجهه، متفكّرةً فى بطنى أنا، المدلوق والبارز جليًّا تحت ردائى الصيفىّ الخفيف. كانت صورتنا واقفيْن معًا وبيننا قطة سمجة سمّمتْ عيشى بموائها منذ أيام، وغضبى على نفسى وقد وضعتُ قدمى بملء إرادتى داخل ورطة، سببًا لمزيد من الحرج والاستياء. ومع ذلك، سرعان ما خطر لى أن ليس هناك ما يمنعنى من التراجع خطوتين، إمساك قبضة الباب وصفقه بقوة فى وجه يوسف. فأنا الستّ مى، وهو مجرّد ناطور!

***
أنهيتُ سقىَ النباتات بعد أن سخوتُ بالماء على الأصّ الكبير المستطيل حيث حشرتُ ثلاث بصلات صغيرة ورأس طماطم كرزية عصرته لتخرج منه بذورُه التى غطّيتها بطبقة رقيقة من التراب. أحبّ الزرعَ، ولو فى وعاء صغير. يشعرنى أنى أجيد فعل شىء ذى فائدة، ويصالحنى بمعنى ما مع دورة الأيام. يسحرنى نموُّ الزرع كأنْ من لا شىء، ترابٌ ونور وماء، فيُبرز رؤوسَه من تحت التراب، ثم يعلو ويمدّد سيقانه وأوراقه وثماره. وكم أُسعَد بقطاف أقلّ شىء، ورقة نعناع، عشبة، زهرة، أغتبط كمن وجد لقيّة أو وقع على كنز. حين عُلم وأُثبت أن النبات يشعر ويتجاوب مع الموسيقى واللّمس، أُحبطت. وحزنتُ. متى وكيف نبتت له مشاعر، وهو الموجود قبلنا منذ ملايين السنين؟ والحقيقة أنى شعرتُ بأسًى لحاله إذ كنت أخاله أقوى، أكثر مناعة ونأيا وانفصالا من بقية الكائنات. 

استرقتُ نظرةً عبر الزجاج إلى الصالون. الأثاث غارق فى الصمت والفراغ. لا شىء غريبا أو مثيرا للقلق. سوف أدخل وأجلس حيث يطيب لى أن أستضيف نفسى قبل أن تتحوّل خيوطُ أشعّة الشمس إلى سهام حارقة تصيب العينين. أحبّه صالونى الفسيح باعتدال، وأحب ألوانه ولوحاته، وأحبّ أن أشعر نفسى ضيفةً عليه تحتسى القهوة وهى تتأمّل التفاصيل وما يزيّنه من قطع وسجّاد. بل أننى حتى فى بعض الأحيان، أندمج فى الدور تماما، فأجدنى أجلس الساق على الساق، أُحادثنى وأُجيبنى كمن يؤدّى دورىْ شخصيتين فى آن. وإذ أفطن إلى استغراقى فى الكلام مع ذاتى، أرفع عينىّ إلى السقف لائمةً نفسى: متى تكفّين عن جنونك هذا يا مـَىْ، لقد تجاوزتِ الثمانين! أغمضتُ عينىّ وألقيت رأسى على مسند الكنبة أفكّر كيف هُيّئ إلىّ أن امرأةً كانت هنا، حيث أجلس؟ ما زال صوتها واضحا فى أذنىّ وشكل طيفها حاضرا فى ذهنى، لكنّ ملامحها الدقيقة غابت عنى وقد خفتُ من التمعّن فيها. هل أُخبر دكتور داود عنها؟ زرتُه منذ نحو ستة أشهر، وطلبت إليه أن يختبر وعيى ويفحص دماغى بإمعان.
- ما الذى يقلقكِ، أخبرينى؟
- لا شىء، أريد أن أتأكّد فقط أنى ما زلت صالحة للاستعمال.
قلت هذا وضحكت، فضحك بدوره، ثم قال إنه سيطلب لى مجموعة من التحاليل، فأوقفته: أريدك أن تفحص رأسى، دماغى تحديدا، فرمش بعينيه مستغربا وسألنى: 
- أثمة ما يقلقك بشكل خاص، أم أنه النسيان الذى سبق أن حدّثتنى عنه؟ لا تخافى، هذه حالنا كلّنا بسبب ما نعيشه من توتّر وضغوط. اللبنانيون جميعا يحتاجون علاجا نفسيا بعد أن عاشوا ما عاشوه منذ خمسين عاما، أتتخيلين، مضى علينا نصف قرن ونحن من سيئ إلى أسوأ! 
داود طبيب العائلة وصديقها منذ سنوات. وبرغم ثقتى به، أصررت أن يقبل طلبى إجراء تصوير مقطعى للدماغ بالرنين المغناطيسى.  رضخ بعد أن حاول إقناعى بالاكتفاء بالتصوير العادى وإذا ما... 
بعد يومين، عدت لمعرفة النتيجة. قال باسما «ما زال حجم دماغك كما لو أنك ابنة 14! هه، هل ارتحت الآن»؟ نعم ارتحت. فأكثر ما أخشاه هو أن أُصاب بالخرف أو بالنشاف كما يقولون، فأضيّع ذاتى وأفقد استقلاليتى.  حتى أنى كنت قد فكّرتُ بخطّة والاتفاق معه على تنفيذها، لكنى تراجعت. الوقت لم يحن بعد. جدّتى المسكينة كانت أصغر منى سنّا حين أضاعت عقلها. يصحّح لى والدى المعلومة: جدّتك خرّفت، وهذا أمر طبيعى يحدث لكبار العمر. أسأله عن المعنى، فيفكّر قليلا قبل أن يضيف: 
- هل تذكرين قصّة الأمير المسحور الذى تحوّل ضفدعا؟ الإنسان عندما يشيخ، يعود إلى مرحلة الطفولة، فيخترع ليسلّى نفسَه خرافاتٍ يقع فى شركها ويصدّقها. لا ينطبق هذا على الجميع، لكنّ جدّتك من هؤلاء القلائل أصحاب المخيلات الخصبة. 
لم يقنعنى تفسيره، لكنى سكتُّ على مضض لأن أبى من ضعاف القلب الذين يعتمدون دوما التفسير الأكثر مواءمةٍ لهشاشة قلوبهم، وقد كان مقهورًا لغياب أمّه عنه قبل أن ترحل، بخلاف أخواته الثلاث اللواتى استسلمن وقبلن بواقع الأمر. بدأ الأمر بتكرار جدّتى السؤال نفسه، مرات، أو بإعلانها أنها جائعة وطلبها الأكل بعد دقائق فقط من تناولها وجبة كاملة. كنت أعرف أن جدّتى لم تعد على حالها، أقترب منها وأهمس لها بما تودّ معرفته، أحاول أن أحفظّها إجابات فلا تُكرّر الشريط المزعج المملّ إياه. أجلس بقربها لأتشارك وإياها لوحَ شوكولا، فتأكل حصّتها باسمة، قبل أن تثبّت نظرَها فىّ وتسألنى: ابنة من أنت يا صغيرة وأين هم أهلك؟ فأُدخل فمى ما أستطعتُ فى أذنها لتكون المسافة إلى استيعابها أقصر، ثم أجيبها على مهل، بوضوح، كى تسمع جيدا وتحفظ. لكنّ جدّتى تقف، ثم تأخذ بيدى قائلة: تعالى، تأخّر الوقت، يجب أن أعود إلى بيتى.  أسير معها وأنادى عمّاتى أننا ذاهبتان، فيسرعن مُطَمْئِنات وحاضنات وباكيات، هنّ اللواتى أصبحن بعد مدّة غير مكترثات، قبل أن يتحوّلن شاكيات ومتذمّرات عندما دخلت أمُّهن فى نوبات صراخ، وساعات أرق، وقضاء حاجات فى غير مكانها. شيئا فشيئا، انسحبت جدّتى واكتمل غيابها لتحلّ مكانها مخلوقةٌ أخرى لا تعرفنا ولا نعرفها، نحاول التواصل معها فلا نَبْلُغُها مهما اجتهدنا، ذلك أنّ جدارا زجاجيا سميكا بات يفصل ما بيننا. وحده والدى استمرّ بمحاولاته استعادتها، يُريها صورا يَغرق فيها نظرُها كما تغرق نقطةُ ماء فى رمال لاهبة، أو يقصّ عليها حكايتها وقصصا من ماضيها وماضى عائلتها. وحين تُغمض عينيها ويفهم أنها لم تفهم حرفا مما يقول، يشعر بالذنب لأنه أنهكها، فينهض باكيا، يقبّل يديها ويدعونى متعجّلا أن ننهى زيارتنا، ليبقى الطريقَ كله واجمًا فى أثناء عودتنا.
ذاكرة جدتى محت ماضيها كلّه، فلم يبق لديها سوى ومضات قليلة من طفولة بعيدة من بينها صورة والدتها ووالدها الذى مات شابا فى الحرب الأولى. غابت جدتى لمدّة ليست طويلة، ثم ماتت. ربما هى رحمة الإله أن نفقد الذاكرة ونغيب عن العالم، فلا نواجه لحظة موتنا. أو هى ذريعة الدماغ للإنكار والتهرّب. أنا غبت ذات مرة ولم أكن مسنّة، لكنّى كنت أواجه ما هو أقسى من الموت الذى كان فى عينىّ رحمةً وما كان مُتاحا. دخلتُ فى غَيْبَةٍ استمرّت سبع سنوات على ما قيل لى، رجعتُ من بعدها إلى الحياة فى حدّها الأدنى، صحيح، إنّما بالقدْر الكافى لأبلغ العمرَ الذى أنا اليوم فيه. 
أيكون ظهور المرأة فجر اليوم، هو مِن أَثَرِ تلك الغيبة؟ 
(...)