سمكة وطيارة وأنا.. حكايات ملوَّنة فى بيكاسو

صورة موضوعية
صورة موضوعية


منى عبد الكريم

«هذه المسافة بين طيارة ورق فى الهواء وسمكة فى نهر، تحوى كل حيز الحياة، بحقيقته ولامنطقيته، بمن حضر ومن غاب، بكل الكائنات كما أراها تحيا وتلعب، تصطاد النجوم، تطير مع الأبقار وتضىء الأجراس. كلها كما رأيتها حاضرة على لوحاتى وأنا معها».

بهذه الكلمات قدمت نورا بركة لمعرضها الفردى الثالث «سمكة، طيارة وأنا» الذى أقيم مؤخراً بجاليرى بيكاسو بالزمالك وهو العنوان الذى ترك مساحة لتأمل تلك العلاقة الثلاثية التى جمعت بين سمكة النهر والطيارة الورقية ونورا بركة، إذ لم أعرف مثلاً لماذا اختارت نورا النهر بديلاً عن البحر، على الرغم من اتساعه وارتباطه بالأسماك بشكل أكبر، ولماذا الطائرة الورقية رغم أنها لم تكن موجودة فى لوحات المعرض بشكل واضح.

كذلك فإن اللوحة التى تم اختيارها كبوستر للمعرض كانت سبباً رئيسياً فى اجتذاب كثير من الناس لزيارته، إذ أنها تعِدُ من يراها بسعادة التحليق التى تفوق مغامرة إطلاق طائرة ورقية، ففتاة اللوحة تمارس التحليق الحر من أعلى نقطة فى سلم خشبى رسمته نورا باللون الأبيض فيما يشبه الرسم بالطباشير.. طفلة تجاوزت فى تحليقها العصفور نفسه. كل ذلك كان دافعاً لزيارة المعرض ولمشاهدة الأعمال واقتسام البهجة مع كائنات نورا اللطيفة التى سكنت اللوحات.



لم تعط نورا أسماء لأى من لوحات معرضها هذا، إذ أرادت لها أيضاً التحليق الحر بعيداً عن أى قيود، كانت ترغب فى أن يختار كل منها حياته التالية وأن يتحرر من الماضى، ولكن ثمة علامات تميِّز كل لوحة يمكنك أن تسميها بنفسك حسب رؤيتك، وحسب علاقتك بها لحظة التأمل، تتذكر نورا جملة بإحدى لوحات كانت فى حد ذاتها دليلاً لها فى تعريف اللوحة التى كتبت بها «اليوم الذى صرت فيه طائراً» لتخبرنى أنها أدركت من خلال تلك الجملة وكذلك اللوحة أن بإمكاننا حقاً أن نكون ما نريد.

تعيد بركة اكتشاف العالم من خلال لوحات هذا المعرض. تقول: «المعرض بدأ كمحاولة لتأكيد وجودى فى العالم بعد لحظة فقد عظيمة. تلك اللحظات المليئة بالفقد تفقدك الاتزان. وقتها لم أكن أدرك مكانى، وشعرت أن وجودى مهتز بين عالمين، العالم الذى نعرفه والعالم الآخر الذى يذهب إليه الأحبَّة أو كما ننظر للسماء باعتبارها المكان الذى يصعد إليه الراحلون، ولذا كنت أريد أن أرسم العالم بكل ما فيه بين الأرض التى نعيش عليها فعلياً، والسماء التى تمثل ذلك العالم الغيبى، لأتأكد من وجودالأشياء».

وبتلقائية الأطفال وطريقتهم فى تحديد الأشكال تقترب نورا من المسطَّح، فتبدأ بوضع أشكال هندسية بسيطة كالدائرة والمربع والمستطيل والخط  ومنها تولد باقى الأشكال والكائنات، فالمربع الذى ضم عدداً من أفراد العائلة  فى أولى لوحاتها يتحول لكائن حى يبتسم وينطلق من لوحة لأخرى بأشكال متنوعة، وإذا بك تكتشف أن هذا الكائن هو معادل لمشاعرها التى تحاول احتواءها، ثم يستقل بذاته كشخصية منفصلة تتمتع بالحرية لاتخاذ قرارات يستكشف من خلالها الحياة، بل ويكتشف نورا ذاتها ويمنحها فرصة لأن تبدأ من جديد، وكأن لكل منا فرصة أن يعود طفلاً وأن يعيد تحديد معانى الأشياء وحيز وجوده.  تقول نورا: «مع تسلسل الأعمال ومنح كل الأشياء الحرية الكاملة للاستقلال، بدأت أظهر أنا فى اللوحات، ومع ظهورى أدركت أن الحكاية انتهت، وأننى عدت مرة أخرى وتأكدت من وجود العالم الذى أعرفه، ولذا فإن ممارسة الفن هو ما يجعلنى أتيقن من وجودى، وهو المرآة التى أفهم من خلالها نفسى، ومن الصعب أن أعبر عن نفسى بشىء غير الرسم».

ولأن المعرض ينطلق من فكرة مؤلمة أرادت نورا أن تكون كل تفاصيل اللوحات مبهجة أو كما تقول «عاوزة الحكاية دائما سعيدة»، وتضيف: «أريد أن أتذكر كل مَن رحلوا بذكريات سعيدة ولا أريد أن أحزن، ولذا جمعت كل الأِشياء التى أحبُّها فى اللوحات».

وحين سألت نورا عن اختيارها لسمكة النهر بديلاً عن البحر والطيارة الورقية دون غيرهما، أخبرتنى أن النهر كان الأقرب لها دائماً بحكم انتمائها للمدينة، أما السمكة فقد تجسَّدت أمامها على المسطَّح وعلى الرغم من كونها خارج الماء كانت مبتسمة والبنت الصغيرة تحملها، والسمكة رمز أصيل فى دلالات عديدة فهى كل خير الأرض.

أما الطيارة الورقية فهى بهجة محلقة وهى لا تنال حريتها الكاملة إلا حين تفلت من بين أيدينا، فالطيارة تحمل فلسفتها،إذ يبدو أنك تتحكم فيها بعد أن تختار لحظة إطلاقها، لكن هناك دائما عوامل أخرى ربما أقوى منك، لأنها فى النهاية قد تفلت من بين يديك، وهنا تنطلق الطيارة وحدها، الأمر الذى عكسته الفنانة فى أعمالها، فقد جعلتها تلك اللوحات حرة ومن ثم أرادت الحرية لكل الكائنات التى رافقتها فى المعرض.

ولكل مفردة فى اللوحات مغزى له علاقة تتصل بأحداث مباشرة فى حياة بركة الشخصية، الحقيقة أن هذه اللوحات هى دفتر يوميات ملون، فمثلاً حين رسمت بطلة إحدى اللوحات بدون فم على الإطلاق كان ذلك لأنها على وشك الخضوع لعملية جراحية وقت خشيت فيه فقد القدرة على الكلام، حتى الكتابات التى وظفتها بالمسطح سواء بالكتابة أو الكولاج، اختارت أن تكون بالفرنسية لأنها اللغة التى يدرس بها صغيرها سليم. تقول نورا: «سليم هو المحرك الأساسى لأعمالى وأنا أريد أن أحكى له، ولكنى أنسى الأشياء وأتذكرها بالرسم».

ويأتى هذا المعرض بعد معرضين فرديين هما «ورقة طوبة مقص» الذى استضافه كذلك جاليرى بيكاسو بالزمالك، و»أحلام غير عادية» الذى استضافه جاليرى إيزل آند كاميرا للفنون،وإذا كان ثمة رابط بين تجاربها الفنية فهو السرد، إذ تقول نورا إنها تدون بالرسم، وهو أمر يمتد لجذورنا من أول المصريين القدماء الذين دونوا يومياتهم على الجدران.

الجدير بالذكر| أن نورا بركة تخرجت فى كلية الفنون التطبيقية عام 2007، وحصلت على العديد من الشهادات والدبلومات فى علم النفس والعلاج بالفن، كما عملت كمعالجة بالفن فى منظمات غير حكومية لمساعدةالأطفال المعرضين للخطر من خلال الفن.