شكرى سلامة: لا أريد التأريخ للمدينة بل تفكيكها

شكرى سلامة
شكرى سلامة


حوار: أسامة فاروق

يعشق أبطال شكرى سلامة الحكايات؛ مفتاحهم لفهم العالم وتقبل أنفسهم. يتخيل زين الدين إسماعيل أحد أبطال روايته الأولى «أول دروب العودة آخر دروب الحنين» العالم مجرد حكاية يحكيها جدار ما فى زمن ما لأشخاص منسيين.

ويتساءل: «هل تملك كل الجدران القدرة نفسها على حفظ الذكريات والحكى؟» ما الذى يمكن أن يقوله الجدار؟ وما الذى يفهمه الإنسان البسيط؟ تشغله الفكرة والأسئلة فيسقطها على كل شىء؛ حياته وتعاملاته وتفسيره لما يشاهد ويقرأ، فيفتتح قصته بالتساؤل إن كان أوديسيوس بطل الأوديسة يعود لزوجته بنلوبى وابنه أم لمدينته إيثاكا وشعبه؟ ومع امتداد الصفحات، ومع ما يتكشف له من قصته هو نفسه وأصله وقصة مدينته، بعدما يعرف أنهم كانوا جميعا مجرد عرائس خشبية معلقه فى يد آخرين يحركون الخيوط فيرسمون المصائر ويغيرون وجه المدينة، وقتها فقط يتأكد من أن أوديسيوس عاد من أجل إيثاكا لأنه لم يتمكن من السيطرة على حنينه للمكان، وربما لأن زين الدين نفسه فقد ثقته فى البشر «البشر الضائعون فى أزمنة أخرى لا يعودون لشىء سوى لأماكن الألفة، فوحدها تملك الجرعات الكافية من الحنين لدفع المرء للعودة». يدرك أيضاً أن التشبث بالحنين للأمكنة هو السبيل الوحيد لإنقاذ مدينته من التحول الذى كاد أن ينتزع روحها ويقضى على ما تبقى منها.

أما بطل الرواية الثانية «الموت عادة يومية» فمبكراً يفقد والده منبع الحكايات وأصلها، الذى اختار أن يخلد قصته الأخيرة بالموت أو الضياع، وفى سعى البطل لفهم لغز الموت وتقصى أسباب الغياب يُحكَم عليه بالتيه الأبدى فى ثنايا حكاية دائرية لا تكتمل إلا لتبدأ من جديد.

تدور الحكايات جميعها فى ضيافة أطياف أساتذة الحكى وعمالقته، وفى حضرة الكتب الخالدة: الأوديسة، وملحمة جلجامش، وألف ليلة وليلة، ومقامات بديع الزمان وغيرها.

ولم يكن من السهل تجاهل أن صاحب تلك الأفكار والحكايات المدهشة والمكتوبة بتمكن كبير بالكاد تجاوز العشرين! فشكرى من مواليد عام 2002 بمدينة أشمون، ويعيش متنقلا بينها ومدينة شبين الكوم بالمنوفية.

يدرس العمارة والتخطيط العمرانى فى كلية الهندسة جامعة المنوفية، ويرى أنها أحد العوامل المؤثرة فى كتابته: «فى الحقيقة لا يمكننى أن أنكر تأثرى بدراستى الجامعية خصوصا فى شقها الأدبى حيث يطلقون على الهندسة المعمارية (آداب الهندسة)، ولا أنكر أنها ساعدتنى فى أن أفهم المدينة، كيف يعيش الناس بها، وكذلك ساعدتنى على فهم الإنسان وعلاقته بالحيز المحيط به، كيف يؤثر فى المكان، وكيف يتأثر به».



نشرت أول أعمالك فى عمر مبكر جدا.. كيف اتخذت قرار النشر؟ وما الذى سبقه. بشكل أوضح متى بدأت علاقتك بالكتابة الإبداعية وما الذى تطمح إليه من ورائها؟ 

لن أقول إن قرار النشر جاء مصادفة، بل على العكس كانت الرغبة فى النشر لدىَّ طيلة الوقت، فبعد انتهائى من كتابة أول عمل طويل وكان ذلك فى نهاية 2020 تقريبا، عرضته على أحد الأصدقاء وحين أشاد به سألته عن النشر، أخبرنى أن علىَّ تمزيقه وكتابة غيره، فى لعبة محفوظية، ربما أعجبتنى لتماسها مع ما حدث مع الأستاذ الكبير نجيب محفوظ فى بداياته.

وبالفعل لم يُنشر العمل حتى الآن. وكان علىَّ كتابة غيره. أما عن علاقتى بالكتابة بشكلها الأعم فهى أقدم، ولا يمكننى تأريخها بشكل واضح، بعض شذرات هنا، قصة هناك... هكذا، لكن ما يمكننى تأريخه بشكل أوضح علاقتى بالتأليف الشفاهى نفسه، والتى كانت مبكرة جدا، فى المرحلة الابتدائية تقريبا، فكان من عاداتى إذ أردت أن أقول فكرة أو حكاية ما للأصدقاء فى المدرسة، أختلق شخصية، أسميها جدى، ثم أقول لهم: «جدى قالى أو جدى حكى لى» وبعدها تأتى قصة من عالم العجائب تتضمن تلك الفكرة، وكبرت وكبرت معى تلك الرغبة فى خلق جد مواز لجدى الحقيقى، لتصبح رغبة فى خلق عالم كامل موازٍ للعالم الذى أعيشه، ووجدت فى الرواية السبيل لذلك.

ولست أطمح من وراء الكتابة سوى فى الاستمرار فى لعبة الحكى العجيبة التى تدور حول أفكار تصيبنى بالسهد والقلق إن لم أحكها.

تلك اللعبة التى كنت أمارسها فى طفولتى، والتى ربما كانت عادة قديمة لأحد أجدادى تسرَّبت عبر سلسة طويلة من الأبناء والأحفاد لتصل فى النهاية إلىَّ.

صدرت الرواية الأولى العام الماضى والثانية مطلع هذا العام. الفاصل الزمنى قصير إلى حد ما بين العملين فإلى أى حد يتوافق تاريخ الكتابة مع تاريخ الإصدار؟

البداية كانت مع كتابة «الموت عادة يومية» فى مطلع عام 2021. والتى كانت بعنوان «كتاب الدوران»، ووصلت للقائمة القصيرة فى مسابقة للنشر مع دار جرير، وفى فترة الانتظار كنت قد كتبت «أول دروب العودة آخر دروب الحنين» والتى نشرت مع دار المرايا للثقافة والفنون، وبعد ذلك أعدت كتابة «الموت عادة يومية» من جديد ونشرت مع دار بيت الحكمة للثقافة.



ربما لذلك هناك أكثر من خيط يربط العملين، ولا أقصد فقط القضايا المركزية كـ الموت/الغياب/الصداقة/الخرافة لكن حتى الفضاء المكانى وبعض الشخصيات. المقامات مثلاً: مقام أبى مدين فى الأولى ومقام الأنصارى فى الثانية، الابن الضائع والأب الضائع، سيدة وأم حسين، وفكرة المرايا فى العملين أيضاً.. لدرجة أننى أبالغ وأفكر أحيانا فى أنك تستكمل الرواية الأولى بشكل ما.. إلى أى حد تصح هذه الرؤية؟

هذه الرؤية صحيحة تقريباً لأنهما ضمن مشروع واحد، لكن السبب الرئيسى فى تشابه مكونات العالم الروائى هو أنى أحاول العودة إلى النماذج البدائية فى الحكايات، وأستخدم نفس الرموز فى كلا الروايتين مثل المقام ليشير إلى المركز الروحى للعالم الروائى، مثلما فعل الأستاذ نجيب محفوظ مع التكية فى أكثر من عمل له، كذلك الدور المحورى للمرأة فى العملين، والذى يتمثل فى الحكى. فحين يشرف عالم أو مرحلة على الانتهاء وتبدو إرهاصات عالم أو مرحلة جديد، تكون النساء هن الشاهدات على ذلك العالم القديم وهن من يمتلكن الحكاية التى تحفظه فى ذاكرة التاريخ، خصوصا فى طور الجدة التى تقوم بنقل حكاية العالم القديم لتعبر إلى العالم الجديد.

وكذلك نرى أن فى كل رواية حيوان مختلف يتكلم، فقط لينبئ بلحظة الخطر، كتهديد واضح يحطم كل السياقات المنطقية، وليشير إلى أن القادم يقف على نفس المسافة من الواقع والخيال.

والإصرار على أشمون كفضاء مكانى لأعمالك هل هو محاولة لصنع تأريخ مقصود لمكان كقاهرة نجيب محفوظ أيضا أم يمكن تغييره مستقبلا؟ ومن أين تستقى شخصيات أعمالك؟
شخصياتى من المقاهى والقطارات التى أستقلها بمفردى منذ كنت فى الثانية عشر من عمرى، كذلك من الحوارى التى أتمشى فيها يوميا، ومن شخصيات القصص التى تحكى عنها جداتى، والتى تبدو أسطورية تماما. 

أشمون بالنسبة لى مثل دبلن بالنسبة لجيمس جويس، مسرح لكل الروايات تقريبا، لكن على عكس جويس ونجيب محفوظ لا أريد التأريخ للمدينة، بل أفعل العكس تماما، أفكك المدينة لعناصر بعينها وأعيد استخدامها فى غير أماكنها، فمكان المقام مثلاً ليس واحداً فى كلا الروايتين، ولا يشبه مكانه فى الواقع أصلاً، كذلك المسجد والنعناعية، أريد لكل عمل أن يعيد صياغة نسيج أشمون بشكل جديد، لكن يحافظ على الخصائص الاجتماعية لأهلها، تلك النسخ المختلفة من أشمون، أريدها أن تكون مرادفاً للمدن المسحورة فى ألف ليلة وليلة، هى نفس المدينة تقريباً، لكن تضم كل العجائب فى الدنيا، فأشمون لا تعنى أكثر من مدينة النحاس أو جبال الواق واق.

ماذا عن الموضوعات الروائية، كيف تختار موضوعاتك وهل تكتب من أجل تبنى قضية بعينها؟ 
تأتى الموضوعات على هيئة سؤال يؤرقنى ولا أجد سبيلاً للإجابة إلا من خلال محاولة الكتابة عنه، فى «أول دروب العودة آخر دروب الحنين» أردت أن أتكلم عن مفهوم العودة، لماذا قد يعود الإنسان لمكان بعدما رحل عنه؟ وكان ذلك هو السبب الرئيسى للتناص مع الأوديسية والتى هى ملحمة عودة بكل تأكيد. كذلك فى «الموت عادة يومية» هى رواية حول أسئلة الموت والعزاء والصداقة، لذلك كانت هناك الإشارة «لملحمة جلجامش».

لكن أسباب ظهور تلك الأسئلة فى رأسى، يتعلق بأحداث فى حياتى الشخصية، أتساءل كثيراً عن الموت مثلاً، لأننى فقدت الكثير من أصدقاء طفولتى فى غمضة عين.

بمناسبة الأوديسة وجلجامش أريد التوقف قليلاً عند مسألة القراءة، فالحقيقة يبدو تأثير القراءة واضحاً على كتابتك، حضورها المادى أقصد الذى يصل إلى حد التأثير على الأفكار والأسلوب وظهورها أحيانا كاستلهام مقصود أو محاكاة، علاوة على الحضور الدائم لأسماء الكتَّاب وأعمالهم. فى الرواية الأولى نتابع الحضور الكبير للأوديسة وفى الثانية مقامات بديع الزمان وحديث عيسى ابن هشام ووديع سعادة وملحمة جلجامش، وفى كليهما ألف ليلة وليلة.. ما القراءات التى شكلت وعيك وأين موقعها منك الآن؟ وهل حضورها الكبير أسلوب مقصود أم أنها تتسرب لكتابتك دون وعى؟

أفضل هنا استحضار كتاب آخر وهو رواية «اسم الوردة» والتى يقول فيها أمبرتوا إيكو على لسان بطله الرئيسى غوليالمو: «غالباً ما تتحدث الكتب عن كتب أخرى.» أحب قراءة هذا النوع من الأدب الذى يدور حول نفسه، حيث يصبح كل كتاب إشارة لكتاب آخر، وتصبح كل قصة جزءا ًمن قصة أخرى، وهذا يؤدى بنا إلى فكرة فُتِنت بها ولا أتذكر صاحبها وهى «كتاب كل الكتب» وأعتقد أنها فكرة بورخيسية لأنها تليق بمراياه ومتاهاته.

هذه الفكرة «كتاب كل الكتب» كانت الدافع لذلك الحضور الكبير للقراءات داخل أعمالى. يريد المرء أن يحشر الكون كله فى كتاب واحد، وهذا يبدو مستحيلاً، لكن يمكن التحايل على ذلك بالإشارة إلى كتب أخرى، حيث تشير تلك الكتب إلى كتب أخرى... وهكذا.

أما عن قراءاتى الأولى فقد بدأت بداية عجيبة مع رواية «مائة عام من العزلة» للعم ماركيز، والتى تظل على قمة ما قرأت، ثم توجهت ناحية أدب نجيب محفوظ والذى كان شيئاً فارقاً فى قراءاتى فلم أرضَ بأقل من ذلك المستوى من القراءات، لذلك بعدها عدت لقراءة كل ما تقع عليه عيناى من الأدب العالمى، ثم بدأت فى التوحش والتهام الملاحم القديمة والقصص الشعبية لشعوب كثيرة.

فى الحقيقة أقرأ فى كل شىء، دون منهج واضح تقريباً، وأجد ذلك ملائماً لمرحلتى العمرية، فإذا كان علىَّ أن أطيش فى مرحلة الشباب فليكن ذلك الطيش فى التجوال فى الكتب المختلفة، حيث يقودنى شغفى للمعرفة.

استحضار أعمال من هذا النوع، وكتابة من هذا النوع، لن أقول إنها تحتاج لقارئ من نوع خاص لكن ربما يتأخر وصولها لقارئ متعجل وربما لا تحظى بقبوله من الأساس. هل تفكر فى هذا الأمر، وكيف تفكر فى القارئ بشكل عام؟
أفكر فى ذلك، وربما يكون محبطاً ألا تجد القارئ الذى يفهم كل ما تريد قوله، وهذا يضعك أمام أسئلة مثل: هل لم تكن الأمور واضحة بالشكل الكافى؟ هل غاليت فى الغموض؟ خصوصاً وأنت تتحسس خطواتك الأولى، لكنى لا أنكر أن فرحة وجود قارئ واحد يرى العمل من نفس زاوية رؤيتك تكون مثل فرحة العيد.

بالحديث عن الفهم. هناك أفكار أعمق وراء كل حكاية، وربما لا تبوح أعمالك بأسرارها من القراءة الأولى وتحتاج لإعادة قراءة. هناك من الكتَّاب من يزعجه عدم التقاط القارئ للمعانى التى يطرحها فى نصه.. بشكل عام ما هى رؤيتك لمسألة الفهم أو التأويل؟
أحاول دائما أن تكون الرواية ذات عدة مستوياتٍ فى عملية التلقى، بالطبع هناك قصدية واضحة لدىَّ فى كل عمل، لكنى مؤمن أن تلك القصدية لن يشاركنى فى فهمها إلا أولئك الذين يشبهوننى، ويشبهون قلقى ومخاوفى.

لا أريد التعميم على كل الكتَّاب، لكنى أؤمن أيضا أن كل الكتب مفتوحة على جميع التأويلات، لأن الكاتب لا يملك القصة وحده، بالطبع يكون هناك قارئاً ضمنياً داخل العمل أثناء عملية الكتابة، لكن الكاتب نفسه لن يستطيع تحديد ماهية ذلك القارئ تحديداً كاملاً، فيتسرَّب العديد من القراء الآخرين وهكذا تتشكل القراءات المختلفة لنفس العمل.

وفى الحقيقة أسعد بكل التأويلات المختلفة لأنها تخبرنى عما يكمل عملى، وأرى أن الكاتب يضع كتاباً ناقصاً فى الأساس يكمله القارئ بتأويله، ويشاركه فى ملكيته.

الوحدة أو العزلة ثيمة أساسية فى العملين. لماذا؟
الوحدة والعزلة سمتا الإنسان الحديث، خصوصاً النزعات الفردية التى تجعله وحيداً فى مواجهة عالم على هذه الدرجة من الضخامة والتعقيد، فأغلب مشاكل الشخصيات كانت ستُحل بسهولة لو كانت دائرة علاقاتهم أوسع، لو كانت لديهم فرصة للارتباط بالمزيد من الأشخاص بشكل حقيقى يتبادلون العزاءات، ولا أنكر أن الوحدة والعزلة مكون رئيسى فى حياتى الشخصية.

كيف تختار عناوين أعمالك ومَن أول قارئ لمسوداتك؟ وكيف تتقبل التعديلات ووجهات النظر؟  
اختيار عنوان للرواية مهمة صعبة، لكن أحاول فى كل مرة أن يعكس السؤال المطروح فى الرواية، مثلاً، هل أول دروب العودة آخر دروب الحنين؟ هل الموت عادة يومية؟ يمكن التعرف على ماهية السؤال المطروح فى العمل بوضع «هل» قبل العنوان ببساطة.

يقرأ مسوداتى صديق أو اثنان، فى المرحلة النهائية، وتدور بينى وبين بعض أصدقائى مناقشات كثيرة حول فكرة العمل قبل البدء فى الكتابة، أحياناً أحكيها كاملة لأحد الأصدقاء قبل أن أبدأ فى كتابتها، وأحب تعليقاتهم، وتفاعلاتهم مع ما أحكيه، هذا جانب من عملية الكتابة أحبه كثيراً، وأرحب بالتعديلات حين أجدها تناسب ما أريد قوله بالطبع.

أتطلع دائماً للتعلم، أحاول أن أسأل كثيراً عن كيفية كتابة فصل بطريقة معينة، ومؤمن أن الطريق أمامى طويل، لكن الحمد لله أن بجانبنا أصدقاء يستمعون بحب ويمنحون دون مقابل.

ما الجديد لديك ومتى يصدر؟
أعمل حالياً على رواية جديدة فى نفس الفضاء المكانى «أشمون» وتواجهنى الآن مشكلات فى الشكل الروائى نفسه ومناسبته للفكرة، وأحاول أن أعمق نظرتى للرواية كجنس وكمفهوم، فأنا فى النهاية لست سوى طفل يحبو أمام تلك المتاهة الضخمة المسماة رواية. وأتمنى أن تصدر الرواية خلال عامين على الأكثر.