رحيل أخته الصغيرة المفاجئ جعلَ سؤال الغياب هاجسه: الشاعر العراقى ماجد موجد: أواجه الموت بقوة الحياة

 ماجد موجد
ماجد موجد


حوار: إبراهيم فوزى

ماجد موجد شاعر وكاتب عراقى، من مواليد 1971. عمل فى الصحافة العراقية، وتولى منصب محرر الصفحة الثقافية فى جريدة الصباح (الجريدة الوطنية الرسمية العراقية).

صدرت له ست مجموعات شعرية بالعربية فى العراق ومصر. هاجر من العراق بسبب العنف الذى استهدف الصحفيين، وعاش فى مصر لمدة خمس سنوات، ثم انتقل إلى دبلن بأيرلندا منذ عام 2015. حصل على عدد من الجوائز فى العراق وأيرلندا.

يدعو فى كتاباته القراء إلى التفكير فى الحياة والحب والسلام من خلال إدانة الحروب وما تسبببه من دمار. قصائده مشبعة بالحب حتى وإن صورت الحب.

فى هذا اللقاء، تحدثنا عن ديوانه «كتاب الهوامش» الصادر باللغتين العربية والإنجليزية عن دار نشر سكين بريس بأيرلندا عام 2023، بترجمة كريم جيمس أبو زيد، كما تحدثنا عن الشعر، والحب، والحرب، والأمل، والموت، واللغة، والترجمة.

 



ما هو تعريفك للشعر؟ وإلى أى مدى يعد الشعر قادراً على التغيير؟
ذلك الشعور الذى يتدفق من بؤرة الفن، من كلِّ ما هو جمالى مضىء وخلاق. الشعر هو ذلك الشىء الذى يحمل جينات الصيرورة البشرية الصافية، ويخاطبها بكل أمثلتها الإلهية، وبنصوص نواميسها القارة فى أصل الوجود، إن شعراً مثل هذا بكلِّ تأكيد سوف يترك أثراً واضحاً بمزاياه الجمالية والفنية المبتكرة، أثراً يجعل رؤيا الوعى أكثر اتساعاً وعمقاً، أكثر توهجاً للذهن فى إدراك الحقيقة، واستيعابها، وتقبل عواقبها.

بالتالى، من خلال هذا التأثير يكون الالتفات للجوانب الإنسانية له الأولوية قبل أى خيار أو أى سلوك متخلّف ومضطهِد للإنسان. بالطبع، هذا لا نتلمّسه فى الشعر فقط بل فى مجمل الفنون، والأنشطة الفكرية والفلسفية.

وعندما نقول الفن يغير العالم فنحن نقصد يغيّر الإنسان، والإنسان يمكن لطريقة تفكيره وثوابته الأخلاقية غير السليمة أن تتغير.

كذلك، يمكن تغيير مناخ فهم التلقى الثقافى والفنى؛ حيث يسعى المبدع دائماً إلى خلخلة نظم الفهم والمعرفة الاجتماعية والأخلاقية من خلال عمله لصالح تسيُّد قيم العدالة والشراكة فى الخير والعطاء.

كتبت أنه لا يمكن للشخص أن يفهم الحياة بالكامل دون تجربة الموت. هل يمكنك مشاركة أفكارك حول الترابط بين الحياة والموت؟ 
لدىَّ علاقة غريبة مع الموت حددتها ظروف بعينها واستمرت إلى فترات طويلة. حدث هذا لأول مرة -ولا أنسى ذلك- وأنا فى سن السابعة عندما ماتت أختى التى تصغرنى بعامين بسبب تفاقم إصابتها بمرض شلل الأطفال، لقد رأيتها ممددة على مصطبة المغتسل، ثم لُفّ جسدها الهش الأصفر بقماش أبيض.

أتذكر كيف حُملت إلى المقبرة، ووضعت فى حفرة صغيرة، وأُهيل عليها التراب، ذلك الانهيار المروع الذى أصاب عائلتى بسبب موت أختى جعلَ سؤال ما الموت؟ يمتص كلَّ حواسى فى اليقظة والمنام حتى أكل شيئاً من صفو بهجتى وبراءتى. بعد عامين من وفاتها، اندلعت الحرب بين العراق وايران.

التهمت نيران تلك الحرب اللعينة على مدى ثمانى سنوات الكثير من أقاربى وجيرانى. ومن الظروف الغريبة أيضاً أن يكون مغتسل الموتى قريباً من منزلنا، ولذلك كنت -وأنا فى العاشرة أو أكبر قليلاً- أرافق جنازات قتلى الحرب ممن أعرفهم وحتى الذين لا أعرفهم أحيانا لأتحرى ما يفعله الموت بهؤلاء الناس.

هناك أتأمل التوابيت التى تحمل أجسادهم المصابة بإصابات مروعة، نادراً ما أرى جثة أحدهم كاملة بينما فى أحيان لم يكن فى هذه التوابيت سوى رأس الجندى القتيل وبقايا أعضائه.

بعصف غريب يضرب الروح والقلب كنت أرى الأشخاص الذين أعرفهم وقد تحولوا إلى قطع ممزقة منتهَكة وبشعة فقدت جمال وسمات شكل البشر، لا أظن أن أحداً بعمرى يمكنه تحمل مثل تلك المشاهد المروعة دون أن يصيبه الجنون، لكن مشاعرى كانت فى وادٍ آخر.

بالمناسبة كانت قناة التلفاز العراقية الوحيدة آنذاك تعرض كل يوم برنامج اسمه «صور من المعركة»، هذا البرنامج اللا إنسانى هو عبارة عن كاميرا تدور بين أشلاء وبقايا القتلى الإيرانيين المشوَّهة، وكان ثمة شخص يلقى بصوتٍ أجشٍّ تعليقاتِ تتشفّى بجثثهم؛ بعضها متفحم، وأخرى مجرد أوصال لحم بشرى متناثرة. 

كيف أثّر الموت على كتاباتك؟
حسناً، أنا الشخص الذى امتلأت طفولته وشبابه بكل رعب الموت الشنيع ذاك. هل كنت خائفاً؟ أبداً! فقط كنت حزيناً وغاضباً ومنفعلاً ومتسائلاً أى أسباب تلك التى تستحق أن يسحق البشر بعضهم بعضا هكذا؟ لكن فى الجانب الآخر وهذا بشكل مبكر- أعطانى فكرة جوهرية وهى التعلق بالحياة وتقديرها، التمسك بكل لحظة منها وفهمها والتأمل فى مزاياها وجمالها.

طبعاً، لا أريد أن أتورط أكثر فى سرد ما رأيت من عنف بشع وكارثى بعد ذلك، سواءً كان ذلك فى حرب الخليج الأولى عام 1991 إبان دخول العراق إلى الكويت وما تبعها من دمار فى كل مبنى وقلب، أو فى حرب اجتياح أمريكا للعراق عام 2003 وما سببته من دمار حقيقى لكل ملامح الدولة لتشتعل فى خضم ذلك الخراب الحرب الطائفية التى حدثت ما بين 2006 و2008.

فى تلك الفترة كانت هناك مجازر شبه يومية وحفلات شواء بشرى فى الأسواق والأحياء بالسيارات المفخخة والعبوات والأحزمة الناسفة التى يرتديها الانتحاريون ويفجرونها بين حشود الناس المدنيين العزل، لقد نجوت من بعضها بإعجوبة، لكنها أخذت الكثير من الأقارب والأصدقاء وزملاء العمل. لقد ذكرت كل تلك التفاصيل المروعة والتى يصعب ذكرها هنا فى رواية أو سيرة ذاتية أكاد انتهى منها.

هذه هى علاقتى التى يصعب وصفها مع الموت. ظلَّ تأثير ذلك واضحاً فى قصائدى؛ وهذا لا يعنى أننى دائماً ما أدين فكرة الموت بصفته ومرادفاته، وإنما بمثل قوة الموت التى تخللت كل سنوات حياتى بقيت أحاول أن أجابه الموت بقوة المعانى التى تدعو للتشبث بالحياة، والحب، وجمال المشاعر الإنسانية المضيئة فى حياة الناس، وكل ما يجعل أرواحهم محاطة بالطمأنينة والسلام.

نقرأ فى مطلع «كتاب الهوامش» أن «الحب هو أن يكون لديك أمل». ما العلاقة بين الحب والأمل، من وجهة نظرك؟
فى الواقع، كان من الممكن أنْ أقلب هذا الاستنتاج وأقول «الأمل هو أن يكون لديك حب». لا انفصال بين الأمل والحب، كل منهما فى مسار لإتمام الآخر، وهما مسبار للوصول إلى غاية بعضهما. فى الفلسفة الشرقية الروحية، كل محبة بما فيها تلك التى تتجلى لله تحتاج إلى جهد وتمارين جادة لكى تظل عالقة ومتواصلة بعمق.

وعلى قدر المداومة بتحمل ثقل شعور الصبر وتدريب النفس على عدم الانصياع إلى الشهوانية تشرق الخفايا السرية للمحبة وتزداد مسراتها وغايتها الأبدية.

هذه الغاية، أعنى غاية الوصول إلى هذه المحبة، تحتاج إلى أمل، وهذا الأمل بحاجة إلى المحبة لكى يكون ويتواصل ويتم، بقدر قوة الأمل يتحقق الحب، وبقدر قوة الحب يكون الأمل ويظهر أثره، ولعل تلك الميزتين لهما حضور واضح فى مهمة الشعر والفن بشكل عام، الأمل فى الإبداع الخلاق من أجل المحبة، والمحبة العالية فى الحضور والجود من أجل الأمل.

أيضًا، ينتهى الكتاب بعبارة: «حتى تكبر القصيدة ويصير فيها شعر». كيف يتحقق الشعر؟ 
ليس بالضرورة أن يتحقق الشعر بتخطيط من قِبَل الشاعر. ربما يحدث فى بعض الأحيان مثل هذا الأمر، ولكن فى أحايين أخرى يتسلل الجوهر الشعرى ويفرض وجوده دون تخطيط بعينه. ذكرت ذلك فى مقال عن الاختلافات العميقة فى عملية التعبير الشعرى الفنى بين ما تنتجه حكاية القصيدة، وبين ما تصنعه العلاقات الخاصة والحساسة بين الكلمات، ونوع هذه الكلمات من كينونة شعرية متوهجة من خلال مجاورات خلاقة ومختلفة عن المجاورات التى يتطلبها الكلام المعيارى، وهى كينونة جمالية موازية للكينونة الجمالية المفترضة فى مضمون القصيدة السردى.

وفى بعض الأحيان يكتفى النص الشعرى بحكايته الشعرية أى مضمونه السردى دون أن تكون هناك فعالية لغوية شعرية. فيما يخص علاقتى أنا وفهمى للتعامل مع اللغة بوصفها وسيطا للتعبير عن شعور النص وفكرته.

ما علاقتك باللغة، وكيف تعمل على قصائدك؟
 فى أكثر الأحيان، أقفز بالتوهج الشعرى الذى تحدثه المجاورات الجمالية للكلمات على جسد حكاية القصيدة لتشتيته بطريقةٍ حذرة آمل فيها عادة إشراك المتلقى فى متعة الكشف والتواصل الخفى للقبض بلذة على الفكرة الجمالية، تغرينى كثيراً فكرة الكيمياء الساحرة التى تسببها اصطدام كلمة بأخرى بشكل مفاجئ، ويكون المجاز الذى تحدثه غير متوقع. دائما أحاول أن أفلت من التكرار بخلق مجاورات جديدة وأى اشتغال من هذا النوع جرى تداوله أحاول تجنبه بقوة، حتى المجازات التى ظهرت من اشتغالى الخاص أبقى مخلصاً فى محاولة عدم تكرارها.

هناك مجازات تموت؛ أعنى هناك استخدام غير معيارى للغة، وهناك استخدام مجاورات مختلفة لكنها من كثرة استخدامها تفقد بهجتها وسحر تفردها. وعلى ذكر السحر يقول الشاعر الفرنسى جان كوكتو إن «الشاعر الحقيقى مطالب دائماً أن يدهشنا بما لم نعرف من قبل، ولا يمكن أن يكون مثل ذلك الساحر التقليدى الذى فى كلّ مرة يخرج لنا أرنبا من قبعته».

بالمناسبة مصطلح (المجاز الميت) هو للعالم اللغوى العربى عبد القاهر الجرجانى المتوفى سنة 1078. تصور إلى الآن بين حين وآخر أقرأ لشعراء مجازات من مثل تلك التى عابها الجرجانى قبل أكثر من ألف عام؛ يغرسونها فى قصائدهم ويظنون أنهم يحسنون صنعا.

أنا فى الواقع لا أحفل إلا بالقصيدة التى تحملها آليات بناء مبتكرة تتمثل الحداثة الحقيقية المتطورة باستمرار وبالتالى مضمونها يكون خلاقا ومبتكراً.

بطبيعة الحال هناك قصائد لشعراء أفذاذ رغم قدمها ظلت تحمل سحر تفردها وإلى الآن حداثتها متوهجة، لكنى أرى أنه لا يمكن عزل النص الشعرى والفن بشكل عام عن التحديث والتطور.

لا أملُّ من مطاردة التجريب الإبداعى الحقيقى حتى لو كان عند شعراء شباب جدد بينما أتجنب قراءة شعراء يسمون كبارا فى الحاضن الثقافى العراقى أو العربى أو حتى العالمى. وتغرينى جداً فكرة أن يكون النص الذى سأقرأه مختلفاً عن النص الذى انتهيت منه.

بالطبع ليس دائما يتم المسعى بشكل كامل، لكن هدف إحداث فرق أو إضافة على الجنس الأدبى يشغلنى دائما، لقد أشار نقاد كثر إلى تجربتى على أنها متفردة بخصوصية هذا المنحى؛ أعنى الابتكار والتجريب.

وبطبيعة الحال كل شاعر أو كل مبدع مشتغل فى الفن يسعى لصياغة تصور ما عن هدفه فى هذا الوجود، المبدع الحقيقى هو مشروع جبهة يسارية ولا أعنى الانتماء الأيديولوجى، بل هو جبهة الاختلاف مع السائد بهدف التغيير.

كيف كانت عملية ترجمة «كتاب الهوامش»؟ وهل تعتبر الترجمة خيانة أنيقة للنص الأصلى أم ترويضًا للغة؟
لقد كنت أقرأ عن المشكلات التى تواجهها ترجمة الشعر، وهناك كتب كثيرة ومقالات ودراسات أكاديمية متخصصة تناولت هذا الموضوع، لكنى فيما مضى كنت أجد أنّ هناك نوعاً من المبالغة فى تناول مشكلات الترجمة على محمل الجد هكذا، وهل فعلاً تحمل استفهامات مريرة لا بد من التطرق إليها والاجابة عليها فى كل تلك الكتب؟ حتى واجهت المعضلة بنفسى حين شرع المترجم الصديق كريم جيمس أبو زيد بترجمة كتابى الأول «كتاب الهوامش»، وعلى الرغم من أن القصائد التى وردت فى هذا الكتاب قصيرة جداً وتعتمد على شعرية المضمون وليس على شعرية استخدام تقنيات اللغة، لكن أثناء الحوارات مع المترجم شعرت إلى أى مدى ممكن أن يفلت النص من المعنى الأصلى لو حدث ووردت كلمة واحدة ليست هى المعنية أو أنها تحمل معنى لا يفى بالغرض المقصود فى اللغة المصدر.

التقيت بكريم الذى يعيش فى أمريكا عبر زوم وسكايب مرات كثيرة لمراجعة النصوص كلمة بعد كلمة وصولا للمعانى الإنجليزية الأكثر تعبيراً عن أصولها كما هى فى اللغة العربية. بطبيعة الحال أنت متخصص فى الترجمة وتعرف مقاصدى، ولكن دعنى أقول لك ماذا حدث مع المترجمة العراقية عذراء الناصر التى ترجمت كتابى الثانى الذى انتهيت منه مؤخراً، وهو بعنوان «لا أحبك أقل من ذلك».

وكانت أغلب القصائد تستمد توهجها الشعرى من مسارين شعريين. أحدهما مسار السرد النصى والآخر هو مسار المجاورات بين الكلمات، وأنا فى كل نص أحاول ابتكار شكل مختلف يمزج الحكاية الشعرية مع آلية بناء مجاورات مختلفة بين الكلمات.

وتصور كيف يمكن للمترجم أن يوصل هذه التجربة الشائكة إلى لغة أخرى، كيف يمكن ترجمة الإيحاء الشعرى الذى تلوح به كلمة بجوار كلمة، هذا الإيحاء سرعان ما ينطفئ فى أية لغة أخرى. تنطفئ المحمولات الثقافية فى الكلمات التى اعتمدها فى بناء لغتى الشعرية ما إن تُترجم.

لقد بقينا أنا والمترجمة لمدة عام نعمل على ذلك حتى أننى اضطررت فى بعض الأحيان إلى حذف بعض المقاطع التى يصعب ترجمة مقاصدها إلى اللغة الإنجليزية، وبعض النصوص غيرت الكلمات بمرادفات أخرى.

حينها عرفت مقدار الأهمية التى يجب أن يوليها الدارسون والمختصون إلى مسألة ترجمة الشعر والشعر فقط لأن فى السرد القصصى والروائى هناك دائما فرشة خطاب وكشف يعتمدها القاص أو الروائى وتتطلبها عملية السرد يجعل ترجمة أى عمل سردى أقل خسارة لمحتواه خصوصيته. أريد أن أضيف شيئاً آخر وهو أن موضوع الترجمة من لغة إلى أخرى تتحكم به ذائقة المترجم الفنية ومستوى مقدرته على معرفة اللغتين.

وهذا يعنى إلى حد بعيد أن وجهة نظر مترجم قد تختلف، وهى كذلك فى الغالب، عن وجهة نظر مترجم آخر يمتلك معرفة مختلفة وفهماً آخر. 

كيف بدأت الكتابة؟
بدأ عملى بشكل مختلف؛ إذ فى سنوات الشباب رغم الهياج الشعرى والثقافى المنفلت، والانكفاء الدائم على القراءة، وتصيُّد كل ما هو حديث ومشوق من كتب المعرفة والدرس النقدى لكنى، لم أنجز كتباً كثيرة بسبب كل تلك الظروف المأساوية التى عشتها وأبناء بلدى من حروب إلى حصار اقتصادى أممى دام لعشر سنوات.

وصدر أول ديوان شعر لى فى بغداد وأنا فى عمر السادسة والعشرين بعدها بثلاثة أعوام أصدرت ديوانين بطريقة الاستنساخ وبعدد لا يتجاوز مائة نسخة لكل ديوان وتمت توزيعها بشكل شخصى بين الأصدقاء والمعنيين من نقاد وصحفيين ثقافيين ممن أعرفهم.

وبعد ذلك، توقفت ولم أصدر شيئاً حتى عام 2011، حين صدر لى ديوان فى مصر، بعدها بأربع سنوات صدر الديوان الخامس فى مصر أيضاً. ثم توقفت مرة ثانية ولم يصدر لى شىء حتى عام 2023، حيث صدرت لى ثلاثة دواوين شعرية، اثنان فى بغداد، وواحد هنا فى أيرلندا باللغتين العربية والإنجليزية، وأنا بانتظار طبعته الثانية؛ حيث أخبرتنى دار النشر أن الطبعة الأولى نفدت تقريباً.

كيف تصف حياتك الكتابية. هل تنتظر وصول الإلهام ثم تكتب؟ أم أنك تجلس على كرسيك وتستمر حتى تبدأ فى الكتابة؟
يقول نيتشه: «نحن نهرب إلى خيال الفن من عذاب الحقيقة». وفى مكان آخر يقول: «لا يوجد فنان يطيق الواقع». كأن الكتابة، ببساطة، محاولة لتقبُّل الواقع والمضى قدماً فى ممارسة الحياة. هذا فضلا عن الكشف عن كل ما يعترى الحياة من صعوبات وخلل فى فهم مقاصدها الشائكة.

الطفولة، والحرب، والموت، والحب، وكل الإرهاصات التى تتشظى من هذه العناصر ومما علق ويعلق بها فى الفكرة تتجلى فى أحايين لا ميعاد لها وتخترق الروح والقلب وتحتك بكل كدرها وتوهجها فى خفايا تكوين الذات وصيرورتها ومواقفها.

ومن ثمَّ، فى تلك اللحظة التى يهتاج فيها كل هذا الكورال الشعورى بين خفايا اللاوعى وصحوة الوعى يسطع الشعر. ولكن لا تحين كتابته دائماً فى لحظة تدفقه، لا بد من محفز ما يستل الدفق الشعرى، ربما يكون أن تقرأ قصيدة ما فى كتاب، أو ترى منظراً، أو تشم رائحة، أو تسمع مقطعاً موسيقياً أو أغنية. ولكن هل يمكن أن تشع حاجة الكتابة دون مؤثرات؟ نعم يمكن.

دعنى أقول لك الأمر شائك للغاية فى الشعر تحديداً، فى أنواع الكتابة الأخرى يمكن أن يكون الأمر أكثر انتظاماً، أما فى حالة الشعر، لا يمكن أن ينتظم ميقات الكتابة وتجلياتها. بالنسبة لى الأمر فوضوى. لقد قرأت سير العديد من شعراء العالم وعرفت أنهم يستغرقون فى طقوس كتابة جنونية.

فى السابق، كان معنى كتابة قصيدة هو أن يتجلى لك موضوع واحد ولذلك عندما يأتى الإلهام تكتب القصيدة كاملة بما يتطلب موضوعها. أنا الآن بين الحين والآخر، أكتب أفكاراً ومقاطع أدونها فى هاتفى.

لا أعرف متى يأتى هاجس آخر لأكملها وأرتب الأفكار وأجعل لها شكلاً متفرداً وغير مكرر كما أريد، وحين لا أجد أدعها وأعود لها مرات كثيرة حتى أنتهى منها، ربما فى آخر المطاف أمحو مقاطع كنت أظنها الأجمل، وأغيّر مكان مقاطع، وأضيف لمسات لم تكن فى لحظات التجلى الأولى. تعرف، أحياناً، عندما أعود لقراءة القصيدة بعد كل هذا الجهد ومحاولات الإصلاح أقوم بمحوها تماما.

ربما أكتب قصيدة فى يوم واحد أو خلال أسبوع، وربما يأخذ منى الأمر وقتا أطول. أدع قصيدة دون أن أكملها وأشرع فى كتابة قصيدة جديده. هذا هو ديدن العقل النقدى فى كل مبدع حقيقى، عادة لا يقتنع بسهولة، وأظن أن شيطان الشعر متلبس بى بشكل أكثر جدية من مجرد كتابة يفرضها موضوعها.

وفى الكتابة الأخرى، أية كتابة، الأمر مختلف. أحياناً لا يحتاج الكاتب المبدع الموهوب سوى فكرة وجهاز كمبيوتر. وأهم شىء أن يبدأ، وربما يبقى مستمراً يكتب بلا انقطاع حتى ينتهى من عمله.

أقول (أحياناً) لأن أمر الإبداع فى الفن بشكل عام إنما هو وهج من الجنون، وتفرد فى سعة المخيلة، وثراء فى المعرفة الثقافية. كل ذلك يصل بالمبدع أحيانا إلى تقلبات مزاجية تعيق روتينه، سواءً كان فى الوقت أو المكان أو أية آليات يتبعها.

ما مشاريعك الإبداعية القادمة؟
قبل شهور قليلة انتهيت من ديوانين شعريين، أحدهما باللغة العربية والآخر باللغة الإنجليزية، وأيضا أكاد أنتهى من روايتى الأولى.