جاء «تورونتو» متوجًا بأسد «فينيسيا» الذهبي.. «الغرفة المجاورة» تأملات ألمودوفار في الصداقة والحياة والموت

المخرج بيدرو ألمودوفار
المخرج بيدرو ألمودوفار


«الحجرة المجاورة» من أجمل أفلام مهرجان تورونتو التاسع والأربعين الذى اختتم فعالياته وعروضه المتنوعة أمس الأحد ١٥ سبتمبر، كان أيضا أكثر الأفلام جاذبية للجمهور رغم موضوعه التقليدى إلى حد كبير، وحالة الكآبة التى تسيطر على أحداثه وإن حاول المخرج المدهش بيدرو ألمودوفار تلوين كل لقطاته تقريبا بألوانه المفضلة بين الباستيل والنارية، لإضفاء حيوية وحياة على شخصياته التى تعيش حالة استثنائية فى انتظار الموت، تستدعى ذكريات وأحداثا وخيالا.. تتشبث بلحظات دافئة فى طريقها لقرار مأساوى تتلمس من خلاله الراحة والسلام.

كان استحواذ الفيلم على كل الاهتمام منطقيا، فقد جاء إلى تورونتو يحمل الأسد الذهبى لفينيسيا الواحد والثمانين، وحين عرض فى تورونتو للمرة الأولى للجمهور مساء السبت ٧ سبتمبر كانت جوائز فينيسيا قد أعلنت قبلها بساعات، وهو ما أثار ضجة كبيرة وأحاديث لا تنتهى عن ألمودوفار وأفلامه والجائزة المرموقة التى اقتنصها أخيرا.

لم يكن «الغرفة المجاورة» أفضل أفلامه للحق، لكن حصول ألمودوفار على الأسد الذهبى كان حدثا مبهجا، فلم يتوقف النقاد كثيرا عند مدى استحقاق الفيلم للجائزة ولكن اعتبرها الجميع تحية وتعويضا لمخرج خرج من جولات كثيرة خالى الوفاض من فينيسيا وكان يستحق التتويج.

اقرأ أيضًا | ملامح أولية للخريطة الرمضانية| 20 مسلسلاً دفعة أولى وسيطرة للدراما النسائية



غير أن الفيلم حالة إنسانية رائعة غزلها ألمودوفار ببراعة، وهو أول فيلم طويل ناطق بالإنجليزية للمخرج الأسباني، مأخوذ عن رواية للكاتبة الأمريكية سيجريد نونيز بعنوان «ماذا تمرين به؟» وقد شاركته كتابة السيناريو أيضا.. تبدو روح ومشاعر ألمودوفار مسيطرة ومتفوقة منذ البداية، ألوانه الزاهية المفعمة بالحياة تلون لوحاته/ لقطاته الأولى، حيث حفل توقيع كتاب إنجريد التى تلعب دورها جوليان مور، روايتها الجديدة «عن الموت المفاجئ»، فى الحفل تعلم إنجريد أن صديقتها القديمة مارثا وتلعب دورها تيلدا سوينتون مريضة بالسرطان فى مرحلة متأخرة، ورغم وقع الخبر إلا أنها تكمل احتفالها..

نعرف أنهما لم يلتقيا منذ سنوات طويلة رغم علاقة الصداقة القوية التى كانت تربطهما فى سنوات ماضية.. تذهب إنجريد لصديقتها فى المستشفي، وفى غرفتها الجميلة اهتمّ ألمودوفار كثيرا بالألوان وتكوين الكادر لتبدو الغرفة لوحة زاهية بألوان تعكس الحياة وليس الموت، وتبدأ الصديقتان الأنيقتان فى استعادة الود والذكريات، ليتجول المخرج كعادته فى نفسية بطلاته، مارثا التى تنتظر الموت كانت مراسلة حربية لعقود، تتذكر حبيبها الأول، كان محاربا فى فيتنام، فقدته بعدما عاد يعانى اضطراباً نفسيا قاده إلى مبنى مشتعل فمات محترقا، تاركا لها ذكريات الحب والموت والألم، وابنة وحيدة لا تتواصل معها! بعد حوارات وتأملات، تفاجئنا مارثا برغبتها فى إنهاء حياتها بعدما يوقف المستشفى علاجها الكيماوى فلم يعد مجديا، هى تريد أن تتخلص من الألم والعذاب فى انتظار الموت وتنهى كل ذلك بكرامة، وتختار أن تنهيه بتناول حبة مميتة، بمساعدة صديقتها، التى توافق بعد تردد وألم، هى التى كانت تحتفل بكتاب عن الموت وخوفها منه، تجد نفسها تواجه هذا الشبح مع صديقتها، فتذهبان إلى منتجع فى شمال نيويورك، فى شتاء بارد، تنتظران رحيلا باردا، وقد فقدت مارثا رغبتها فى الحياة بعدما جردها المرض والعلاج من رغبات كثيرة ومتع أكثر.

فلم تعد قادرة على الكتابة أو الاستمتاع بالقراءة أو الموسيقى أو حتى العلاقات، إلا أن أحاديث الماضى تفرض نفسها على الصديقتين فى البيت الذى اختارته إنجريد لقضاء إجازة معا حتى يأتى موعد الرحيل بقرار مارثا، وهناك تتجدد الذكريات والمشاعر، تعيدان اكتشاف الحياة ونفسيهما، وهما على النقيض، مارثا شديدة الهدوء بوجه بارد يعكس الموت، وإنجريد ببهجتها وألوانها التى تعكس الشغف بالحياة. رغم مباراة بين المخضرمين تيلدا سوينتون وجوليان مور، إلا أن التمثيل لم يكن بقدر التوقعات، وبدا التصوير من أفضل عناصر «الحجرة المجاورة»، فى تناغم رائع مع رؤية وعالم ألمودوفار، وهكذا كانت موسيقى ألبرتو إجليسياس.