أيمن الداكر
أريد أن أرحل إلى بلاد بعيدة.
كان يردّدها دائمًا لنفسه، حتى فاضت بها روحه وباح بها لقائده فى العمل، فكان الجواب قاصِمًا:
لا يمكن، أنت كنز يا عم حسن.
شجرة الجميز العتيقة تَتّكِئُ بجذعها على مكتب ناظر المحطة، تسدّ عنه الهواء وتضغط على جدرانه حتى كادت أن تصرعه أرضًا، اِجْتَثّ الناظر منها ذلك الفرع العاق الذى تجاوز المسموح له، فاستَوَتْ قائمة ولم تبدِ اعتراضًا أو تذمراً، لكنها ظلّت عامًا كاملاً يتقطّر من جميزها الدم، ومن العجائب أن طعمه كان يُعجب الناظر كثيرًا، حتى همّ أن يقطع بقية فروعها لولا نصيحة العم حسن له قائلاً:
ستموت وتُحرمك من ظلها والجميز للأبد.
جَلب العم حسن بعض الدقيق الممزوج بالماءِ المالح، وأضاف إليه قليلاً من الحناء، دسّها فى جرحها المفتوح كى لا يصيبها القيح والعفن، ثم ستر الجرح بضمادة من (الحَلف) الجاف المُغلّف بقماش الكتان، استأذنها فسَمَحتْ له، افتَرش جذعها المبتور بقطعة من (كليم) صوف الأغنام واتخذها مجلسًا مفضلاً له، ينزوى فيه بعيدًا عن أعين العابرين، والتى ترمق الجالس على المقعد بجوار نقطة الشرطة بشىء من الإجلال، ليَعفّ نفسه عن تلك النظرة متسائلاً:
هل هو الخوف أم الاحترام؟
فى البلاد البعيدة، لم يكن يؤرّقه ذلك السؤال، يرتدى الجلباب الصعيدى الفاخر والعباءة الصوفية السوداء، يجلس على المقاهى فى الحارات، يؤدى دور الصعيدى الثرى الذى بهرته أضواء المدينة، فيصادق شيوخها ومعلميها، وتارة أخرى يحمل كيسًا من قماش الكتان يعج بالفانلات البيضاء والملايات زاهية الألوان، أو الملابس النسائية الداخلية وملابس الأطفال، يدور على البيوت يبيع قليلاً ويحكى كثيرًا، وفى بلادٍ أخرى يرقد على ناصية الحارة كشحاذ فاقد العقل، أو ماسح أحذية بارع فى إلقاء النكات والأغنيات.
(حسن المحظوظ) ذلك لقبه بين زملائه، لم تخب معه قضية ولم تتأخر له ترقية، يتحدّثون عنه بعين حاسدة، لكن العم حسن يشعر أن شيئًا ما ينقصه بعد أن شارف على الخمسين من عمره، اشتَاقتْ روحه لجلسته على المصطبة أمام بيت أبيه، طَلَب النقل إلى بلدتهم فتمت الموافقة، هرول إليها محمّلًا بحنين جارف وأحلام مؤجلة عن تلك المصطبة، عن البيت والزوجة والولد، باحثًا عن رفقاء الطفولة وأيام الصبا، وراح يعود الجميع فى الأفراح والأحزان، يتودّد إليهم كثيرًا ويذكّرهم بما كان بينهم قديمًا، لكنه لم يشعر بذلك الدفء الذى عاد من أجله، يُخيّل إليه أن ضحكاتهم بلاستيكية، مودتهم زائفة ومُصطَنَعة واحترامهم له خوف وريبة، يجلس على المصطبة أمام دار أبيه شارداً وحيداً، يفتّش فى فعله معهم منذ عودته لعله يبلغ الأسباب، هو فقط يؤدى عمله الذى يعرفونه جميعاً، يكتب تقريره الشهرى عن الحالة الأمنية، يرشد عن المجرمين الهاربين ويحدّد أماكنهم بدقة عالية، لم يظلم أحداً ولم يقبل منهم هدية، يكذب كثيرًا من أجلهم وتجاوز عن كثير من خطاياهم، لكنًهم ما زالوا يصمتون عند رؤيته، تتبدّل ملامح وجوههم فى حضرته، لم يحتمل مرور عام بينهم ففاضت روحه بهمومها وهمس بها للقائد قائلاً:
أريد أن أرحل إلى بلاد بعيدة.
لم يعد يطيق همساتهم بعد أن ألقت الشُرطة القبض على مَن قتل منهم نفساً بالأمس، يغضبون عندما يُخرج السلاح النارى المُخَبأ فى (كنّ) اليمام، يخشى على ولده بينهم، أن يُحَمّلوه فوق كاهله ذنب أبيه، بل ذنب قلب أبيه الذى فرض عليه أن يحيا منفياً بعيدًا عن بلاده، لم يشيّد عمارة فى حى بولاق ولم يشترِ فدانين من الأرض الخصبة على أطراف القرية، ربما لو فعل ذلك -مثل رفاقه- ما شعر يومًا بالذنب ولم يصبه ذلك الهم، كان سيطيّب ضميره أنه قد تحصّل على ثمن كراهيتهم له مسبقًا، لكنه لم يفعل، لم يتجاوز خطوطه ولم يَجُر على أحدٍ، هو يحمل وزر كونه مٌخبرًا بالمجّان. يرغب فى العودة إلى تلك البلاد البعيدة التى لا يعرفه أحد فيها، لم يُجب القائد رغبته لكنه خفّف عنه ليكون موقعه الجديد على محطة السكة الحديد، يراقب الرائح والغادى ويحفظ الأمن، اتخذّ مجلسه على جزع شجرة الجميز، يبحث عن غايته فى وجوه الحائرين والمتعبين، وسؤال يطنّ فى رأسه، هل واجبه هو حفظ الأمن، أم تصيّد الأخطاء؟
لا يتوقّف القطار الفاخر كثيرًا فى تلك المحطة، مرتان فقط فى المساء وأخرى بعد أذان الفجر، قطارات الدرجة الثالثة هى التى تعلن دائمًا عن هدير محركاتها كل عدة ساعات، فَقَدتْ مقاعدها ونوافذها وأَلقَتْ بركابها فى مرجلِ يصبغ وجوههم وأجسادهم بلونِ واحد، لون الوجع والطين.
يتوقّف قطار الثانية ظهراً، يميلُ على الرصيفِ حتى كاد أن يرقد عليه من التعب والنصب، يعلو نفير ناظر المحطة فيفيق القطار من غفوته ويرحل متكاسلاً، يَخلُفَه على الرصيف بضع عشرات من طلاب الجامعة والموظفين، وعجوز تحمل فوق رأسها حصيرةً بلاستيكيةً يضمها حبلُ من (ليف) النخيلِ المجدول بعناية شديدة، وَضعتْ العجوز حملها على الرصيف ثم هبَطتْ إلى القضبان لتعبرها نحو الرصيف الآخر، والعم حسن يراقبها من بعيد يخشى أن تتعثّر قدمها فيصيبها مكروه، تبدو قوية وهى تساعد الرجل الذى يصاحبها على تسلق الرصيف، انزلقت قدمه وسقط فصرخت هى قائلة:
ولدى!
هرول نحوها العم حسن، قبض على كف الرجل وجذبه لأعلى الرصيف، لم يكن رجلاً وإن كان يحاول أن يضفى على نفسه تلك الصفة مستعيناً بقامته الطويلة، والتى تخبئ سنوات عمره التى لم تتجاوز عقده الثانى بعد، يبدو ذلك من الزَغَب الذى يغطى وجهه والخط الأسود الرفيع الذى يرقد أسفل أنفه، يرتدى جلبابًا صعيديًا فضفاضًا وعمامة كبيرة، يعلوها شال بنى كالذى يرتديه الشُيّاب من الرجال، يقبضُ على عصًا غليظة من السنط الجاف، صامت لا يتكلم.
مدّ العم حسن يده مرة أخرى ليجذب العجوز من ساعدها نحو الرصيف، نحيفة جدًا لا تتجاوز البضعة كيلوجرامات فَحلّقت عالياً من عزم يده واستوت بين يديه، وجهها أصغر كثيرًا جداً عما بدا من بعيد، القمطةُ السوداء التى تشد رأسها تُجعّد جبينها بخطوطِ مُصطنعة تضيف إليها سنوات كاذبة زائفة، الشال القطيفة الحزين يعجز عن احتواء شعرها الفاحم، وجلباب أسود يحتضن خاصرتها يبرز بقايا مفاتن تحاول أن تواريها، عيون ما زال الكحل يُسمًد أهدابها فتنهض فى قوة وجمال، عيون أجهدتها الأيام. كم هى مجهدة تلك الأيام؟
تنزع نفسها من بين ساعديه غاضبة، لا تكترث للتراب الذى يعفّر جلبابها، تحمل حصيرتها فى عجالة وتجذب يد ولدها، وكأنه عُكْاز تَتكئ عليه فى سعيها، سقطت الحصيرة رغمًا عنها فأحدثت جَلَبة عالية بين القضبان الحديدية، وهرول شرطى المحطة من الجهةِ المقابلة نحوهم، كان العم حسن قد سبقه ورفع الحصيرة والبندقية على الرصيف، وصرخ الشرطى قائلاً:
دائمًا مُرزَق يا عم حسن.
يلعنُ العم حسن ذلك الرزق وهو يراقب المرأة التى تَخشّبتْ فى وقفتها، تأتيه عيونها الغارقة فى الخوف والترقّب تكاد أن تنتحب، لكن نظرة ولدها الزائغة تمنعها، تَربطُ على قلبها الذى بلغ الحناجر وتُرَدّد فى لَهفةِ:
لا تخف، لا تخف يا ولدى.
يعبر الشرطى الرصيف ويقبض على الولد بيدِ، وبالأخرى يحاول أن يحمل البندقية، لكن العم حسن يزجره صارخًا فيه:
(يَدّك) يا حمدى.
يتراجع الشرطى وكأن الأمر قد صدر له من رتبة عُليا، أمسك العم حسن بالبندقية ثم قادهم أمامه نحو مكتب الضابط فى نقطة شرطة المحطة، تتحلّق العيون بالبندقية المُخْبأة تحت إبطه وهو يتعلق بشىء آخر، هَمَستْ له أم الولد بكلماتِ لم تنطقها... هو يفهمها جيدًا:
أريد ولدى مرفوع الرأس بين أبناء عمومته.
يجلس الضابط منتشيًا خلف مكتبه من مباركة الشرطى وعساكر النقطة، خطوة قد تُقرّبه من قرار النقل المُحتَمل، ترتسمُ فى عقله حكايات وفى عقل العم حسن تَعتمل حكايات أخرى، تَكوّمت المرأة فى زاوية الغرفة تحتضن رجلها الصغير، ما زال العم حسن محتضنًا البندقية ولم يسمح للشرطى بلمسها، يضعها أمام الضابط والذى صرخ فى المرأة قائلًا:
بندقية مَن هذه؟
بندقية زوجى.
أين هو؟
قتلوه قبل أن يرى وجه ولده.
وولدك تكبّرينه للقتل أم الحبس؟
يا مُرى يا مرى.
فَاضتْ بها المرأة وهى تضرب رأسها بيدِ وتحتضن ولدها باليد الأخرى، ثم أمسك الضابط بالبندقية وقال له الشرطى فرِحًا:
بندقية ميزر أصلى يا باشا.
تفحّصها الضابط قليلاً ثم تبدّل وجهه وهو يصرخ فى الشرطى:
أين الحصيرة؟
برّه يا باشا، خير؟
خير، هو فى بلادكم هذه، خير؟
ألقى البندقية وهو يأمر الشرطى بالبحث عن بقيتها فى الحصيرة أو على الرصيف، ويأمر آخر بتفتيش المرأة وولدها، يقترب منهما العسكرى فتصرخ فى يأس:
يارب.
يا باشا، هذه ست غلبانة هى وولدها.
يقولها العم حسن، ثم يمسك بالبندقية أمام الضابط، مستطردًا:
يا مجدى بك، البندقية مثل خيال (المآتة) الذى يهش العصافير عن سنابل القمح، خيال على الحائط يُخيف الغريب وولد الحرام.
ثم يولى وجهه نحو المرأة رافعًا صوته فى غضب:
صح يا ست.
فتجيب فى لَهفْةِ الغريق الذى وجد طوق النجاة:
صح والله يا بيه، نحن نعيش فى الخلاء بدون رجل.
تحتضن ولدها وتقول فى رجاء شديد:
هو حيلتى وتحويشتى للدنيا.
هزّ الضابط رأسه غاضبًا، انْهالَتْ المرأة على يديه تقبّلها بعدما فهمت إشارة العم حسن، جلس الضابط على مكتبه ثم أشار لها بالانصراف، مدّ العم حسن البندقية نحوها وهو يدعو للضابط طيب القلب ابن الأصول، وقد أمرها قائلاً:
إياك أشوف وشك هنا ثانية، وادعِ لابن الحلال مجدى باشا.
تَخرجُ المرأة حاضنة بقايا البندقية وصغيرها، تٌلقى على العم حسن نظرة يعرفها جيدًا، تهمّ أن تُقبّل يده فيبعدها سريعًا.
فى المساء.
قبل أن يستوى على المصطبةِ أمام بيته ليشرب الشاى وحيدًا، يبتسم مطمئن النفسِ وهو يُخرج بقية أجزاء البندقية من جيبه، يُلقى نظرة نحو السماء ثم يدفنها فى جدار بيته القديم.
الهوى هوانٌ
ممر أخير
قبل المونتاج





