أحمد أبو خنيجر
فى العام 1990 انعقد المؤتمر الثالث لأدباء مصر فى مدينة أسوان، وبدا مناسبًا وقتها تدشين وإطلاق مصطلح «الأدب النوبي»، بعد تنامى الكتابات الأدبية حول النوبة والتى أبدعها كتاب النوبة أنفسهم، حيث استقبلها الوسط الأدبى وقتها بحفاوة كبيرة وتقدير عظيم، على أثرها فازت مجموعتين قصصيتين بجائزة الدولة التشجيعية فى الأدب: يحيى مختار مجموعة «عروس النيل»، وحجاج أدول «ليالى المسك العتيقة». غير كتابات: إبراهيم فهمى وحسن نور وأنور جعفر وإدريس على. حيث تم دعوة الجميع لحضور فعاليات المؤتمر وإفراد محور لمناقشة أعمالهم التى شكلت رافدًا مهما داخل الأدب العربي.
ولما كان المؤتمر منعقدًا فى مدينة أسوان، وكنت مشاركًا فى إعداد النشرة اليومية للمؤتمر، وقد أخترت أن أغطى وأتابع هذا المحور لصالح النشرة، وكان عليّ أن أجرى حوارًا مع الأستاذ حجاج أول، ليتم بذلك أول لقاء وتعارف بيننا.
كانت مجموعة «ليالى المسك العتيقة» الفاتنة بأجوائها السحرية ولغتها الغنائية البازخة بداية جيدة لحوار طويل وممتد كانت بدايته فى أسوان متشعبًا ومتجولًا بين النوبة القديمة الناعسة تحت سحر الليالى تحاول مدارة قلقها من المستقبل الغامض الذى بدأت طلائعه فى الظهور مع بدء بناء خزان أسوان، الأساطير الرابضة فى العقل والوجدان الجمعى تهيمن على وعى الكاتب وتمده بطاقة خلابة لمنابع السحر والجمال، يتلمس من خلالها وبها مكامن الأزمة وما حاق بالنوبة وأهلها، وهل لكاتب أن يتجاهل أحلام وأوجاع أمته؛ حوار كانت بدايته أسوان حتى حدود الاسكندية التى يقطنها، كواقع فرضه التهجير، لم ينته الحوار أو يتوقف، فقط تقطعه المسافة والزمن وبعض الانشغالات، لكن ما أن نلتقى حتى يتواصل ويستكمل من حيث وقف.
بدا لافتًا بالنسبة لى إشارته حجاج أدول أنه بدأ الكتابة فى سن الأربعين، وهو أمر لم أصادفه عند أحد، فالكل يخبرك بأنه بدأ الكتابة فى سن مبكر، وربما قبل أن يولد أيضًا. هذا الصدق وعدم الخجل من الإخبار به لكاتب يعتد بنفسه وكتابته كثيرًا سيكون مبعثًا ودافعًا لدى على نفس النحو؛ فى بيته فى الإسكندرية الذى كان ملتقى للكتاب وخصوصًا الشباب موطنًا للحفاوة والكرم والكتب والمكرونة والنقاشات الطويلة الممتدة والمحتدة فى بعض الأحيان، وجهاز الكومبيوتر العتيق ودسكات الحفظ المتعددة وضياع النسخ، وولادة «ثنائية الكشر»، مستفيدًا ومطورًا من قصته البديعة «الرحيل لناس النهر»، وهى ما سيقوم بكتابتها للمسرح بنفسه، لكن حازم شحاته رحمه الله، عند إعداده للعرض المسرحى -الذى سيقوم بإخراجه الفنان والمخرج الكبير ناصر عبد المنعم لصالح مسرح الطليعة- سينتبه للمشتركات بين النصين ولن يكتفى بهذا بل سيضيف عليها من «غزلية القمر» ويصنع الإطار العام والدرامى للنص والعرض المبهر الذى تهيمن عليه أجواء السحر والخيال، سيلاقى العرض اقبالًا جماهيريًا كبيرًا، وسيتلقفه صناع المسرح وسيتم إعادة إخراجه مرات ومرات على مسارح الثقافة الجماهيرية.
فى ذلك الوقت كانت جماعة «أصيل» الأدبية فى ذروة نشاطها محتضنة شباب الأدباء الموهوبين فى الأسكندرية، ستجدهم فى الندوة وفى البيت عنده، وكنت قد أصدرت مجموعتى القصصية الأولى، وقد تم مناقشتها فى إحدى ندوات الجماعة، وقام الأستاذ حجاج بتسجيلها وأرسل لى شرائط التسجيل فى واحدة من المفاجأت الجميلة بالنسبة لي.
وكذلك عن طريقه تعرفت على شباب الكتاب السكندريين: إيهاب عبد الحميد وماهر شريف وعبد الهادى شعلان وأحمد عبد الجبار وأحمد صالح وهند بكر وغيرهم.
فى أواسط التسعينيات وعبر مجلة «الثقافة الجديدة» سينشر قصة «هوجة أم حلمة» الغارقة فى بحار المماليك وأجوائهم التاريخية والسحرية، بدت كاكتشاف لرافد مهم وبداية لدخول حجاج فى مجال التاريخ وخاصة الفترة المملوكية.
وهو ما سوف يسفر فى المستقبل عن سلسلة من الروايات المنغمسة فى الخيال السحر حتى لتجنح مائلًا نحو سحر الليالى فاتحًا بذلك باب الخيال على مصراعيه، وليس ذلك بعيدًا بحال من الأحوال عن الهموم المعاصرة ليس على المستوى النوبى فقط ولكن على المستوى القومى المصرى، والقارئ الجيد والمدقق لتلك الروايات سيلتقط بسهولة ذلك الحس الذى ينفى تماما النظرة العنصرية التى ينظر بها البعض تجاه الكتابات التى كتبها كتاب النوبة، خاصة حول قضية التهجير الهجرات المتوالية التى حاقت بالجماعة النوبية، بدءا من الإهمال والفقر ومرورًا ببناء الخزان والسد.
بدا الاهتمام السياسى والأدبى للأستاذ حجاج عائقًا فى بلاد تعشق التقسيم والتصنيف، وهو ما سيجعل الجماعة الأدبية تنظر له على أنه رجل سياسة، وفى الجانب الآخر سيحدث العكس، إذ أن الجماعة السياسية سوف تنظر له على أنه أديب يمارس السياسة من باب الهواية.
وهو خطأ مزدوج فى الناحيتين، فكيف للكاتب المهموم بجماعته ووطنه له أن يتخلى عن ارتياد كافة الطرق التى تساعد جماعته عن نيل حقوقها والدفاع عنه، هو فى هذا لن يتخلى عن عشقه للسينما والفن والكتابة فيهما ليس من زاوية الناقد لكن من زاوية المتذوق المحب الفاهم لطبيعة الفن السينمائى ليس على المستوى المحلى فقط لكن فى تجلى السينما العالمية أيضًا.
رغم فوز رواية «معتوق الخير» بجائزة ساويرس فى دورتها الأولى فرع كبار الكتاب، إلا أنها لم تلاقى الصدى والاهتمام النقدى والجماهيرى الذى يليق بها، ربما كان حجمها الكبير والضخم سببًا فى هذا، لكنه السبب الأوهى والأقل. فى ظنى هى واحدة من عيون الرواية العربية، وببساطة شديدة هى عمدة الكتابة عن كاتبها الكبير قيمًة ومقامًا.
فى ختام تلك الكلمات المرتبكة والمتعجلة فقط أردت أن أقدم تحية للصديق والكاتب الكبير فى عيد ميلاده الثمانين، أطال الله فى عمره، ومتعه بالصحة والسعادة الإبداع.
داروين طنطا: الشخصية بوصفها وعاء الأفكار
كتابى .. شاعر أسود فى مدينة بيضاء
الرجل الذى لا يُقطع لسانه .. رؤية اجتماعية انتقادية وتشكيل جمالى






