ريادة الأعمال ليست طريقًا مفروشًا بالورود، بل تحتاج إلى صبر وعزيمة من أصحاب المشروعات الصغيرة ومتناهية الصغر، وتكشف حكايات أصحاب المشروعات عن أزمات حقيقية دفعت بعضهم لاتخاذ قرارات صعبة، حيث اضطروا لتغيير نشاطهم وتوديع شغفهم للعمل فى مجالات بديلة بحثا عن قوت يومهم، نتيجة شلل حركة البيع وصعوبة التسويق..وفى المقابل، يتمسك آخرون ببارقة الأمل، ويرفصون الاستسلام ويحلمون بالتويع وزيادة الإنتاج، آملين فى اقتناص تمويلات ميسرة تمكنهم من شراء ماكينات حديثة لمواكبة التطور العالمى.. وتعكس هذه النماذج التباين بين الإصرار والاضطرار فى عالم البزنس، مؤكدين أن بناء السمعة الطيبة وحماية المنتجات الوطنية من الاندثار يتطلبان مرونة حكومية استثنائية، لتبسيط إجراءات التراخيص وتوفير دعم حقيقى يضمن استمرار هذه الكيانات الصغيرة كعماد للاقتصاد القومى.
«الهاند ميد» يفقد بريقه
رباب شوقى تودع مشروع «الجلد الطبيعى» وتغير نشاطها
صانعة المنتجات الجلدية والمفروشات اليدوية، رباب شوقى 58 عاما، اضطرت لاتخاذ القرار الأصعب فى مسيرتها المهنية بالتوقف التام عن العمل اليدوى الذى تعشقه منذ 35 عاما، حيث تمتلك موهبة استثنائية فى تحويل قطع الجلد الطبيعى إلى تحف فنية مبتكرة كـ «الجيليهات، والفيستات، والشنط اليدوية»، لكنها وجدت نفسها مجبرة على إغلاق الإبداع اليدوى منذ 3 سنوات، والاتجاه للعمل فى مجال تنظيم الرحلات العلاجية الوافدة إلى واحة سيوة خلال شهور الصيف، لتوفير مصدر دخل بديل.
الركود الخانق وضعف حركة البيع والشراء فى الأسواق المحلية كانا الدافع الرئيسى وراء هذا التحول، حيث توضح رباب أن منتجاتها الفنية، تعتمد فى المقام الأول على القوة الشرائية للسياح الأجانب والمصريين المهتمين بالفنون التراثية، وهذه الطبيعة الخاصة للمنتج تتطلب عرضاً مستمراً فى المعارض الخارجية، أو المعارض المحلية المقامة فى المناطق الساحلية والمقاصد السياحية التى يتردد عليها الزوار الأجانب، وهو ما بات مستحيلًا فى الوقت الراهن.. وتواجه مصممة الجلود عقبة مادية تتمثل فى ارتفاع تكاليف رسوم الاشتراك فى المعارض المتخصصة، مما تسبب فى عزوفها وعزوف الكثير من أصحاب الحرف اليدوية عن المشاركة.
وتناشد رباب أجهزة الدولة للتدخل السريع وتوفير معارض مدعمة.
عقدة التسويق
صاحب ورشة ملابس: المعارض المدعمة طوق نجاة
بين جدران ورشة صغيرة لإنتاج الملابس بالقاهرة، تتعالى أصوات ماكينات الخياطة لتلخص قصة كفاح وتحدٍ يعيشها سعيد محمد صاحب ورشة، الذى أفنى سنوات فى تصنيع العبايات والجلابيب الحريمى، وفساتين الاستقبال، والقمصان المنزلية بمختلف أنواع الخامات مثل «الفسكوز»، يجد نفسه اليوم يصارع أمواجا عاتية تهدد بقاء مشروعه متناهى الصغر، والذى يمثل مصدر رزق أساسى له وللعاملين معه.. المشكلة الكبرى التى تؤرق سعيد ليست جودة الإنتاج أو مهارة التصنيع؛ فالسوق المصرى كما يؤكد يفيض بالخامات المتنوعة والجيدة والعمالة القادرة على تقديم منتج محلى مميز، لكن العائق الحقيقى بات يكمن فى «التسويق» وصعوبة بيع المنتجات، فى ظل تراجع المبيعات وتغير طبيعة السوق عما كان عليه فى السابق.. ولعل الصدمة الكبرى التى تلقاها سعيد مؤخراً، كانت الارتفاع الجنونى فى تكاليف الاشتراك بالمعارض، إذ تضاعفت قيمة الإيجار لبعضها لأكثر من الضعف خلال عام واحد فقط، مما شكل عبئاً ماليا يفوق قدرته، وأجبره على الانسحاب والتخلى عن المشاركة.
هذا التراجع لم يقتصر على المعارض المحلية، بل طال المعارض الخارجية التى كان يشارك فيها سابقا بأسعار ميسرة ومدعومة، فضلاً عن تعثر قنوات توزيعه وتعاملاته مع جهات تسويقية كبرى مثل «الأسر المنتجة» ومحلات «عمر أفندي» مؤخرا، ونتيجة لهذا الركود الخانق وتراجع حركة البيع، اضطر سعيد مكرها إلى اتخاذ القرار الأصعب بإنقاص العمالة لديه من 18 فرداً إلى 5 عمال فقط، لتقليل النفقات ومحاولة الاستمرار فى الإنتاج بالحد الأدنى.. وطالب سعيد الجهات المسئولة بضرورة مواصلة دعم أصحاب الورش الصغيرة، وإتاحة الفرصة لهم للمشاركة فى المعارض بأجور رمزية، باعتبارها الرئة الوحيدة التى يتنفسون منها لتسويق منتجاتهم والتعرف على عملاء جدد، لإنقاذ تلك المشروعات البسيطة من الإغلاق التام.
مستلزمات الإنتاج
سيد عبد المنعم يطلب قرضًا ميسرًا لاستيراد معدات حديثة
يسطر صاحب ورشة لتصنيع مستلزمات الإنتاج من الاستانلس بمحافظة الجيزة، سيد عبد المنعم، قصة كفاح ملهمة فى قطاع الصناعات المغذية امتدت لأكثر من أربعين عاما، لكنه يواجه اليوم تحديات تشغيلية معقدة ويصر على التمسك بحلم تطوير مشروعه، حيث يسعى حالياً للحصول على تمويل ميسر بفائدة مدعمة يصل إلى 3 ملايين جنيه، بهدف شراء معدات حديثة تساعده على التوسع ومواكبة التطور التكنولوجى فى مجاله.. هذا التمويل المطلوب يمثل خطوة استراتيجية لتوطين صناعة «تنكات الاستانلس، والسيور الناقلة، والخلاطات، وماكينات التعبئة» التى تعتمد عليها كبرى شركات ومصانع المواد الغذائية والأدوية، ليكون المشروع بديلاً محلياً حقيقياً يغنى الدولة عن استيراد هذه المعدات بالعملة الصعبة.
ولمواجهة الركود وتقلبات السوق التى خفضت إنتاجه إلى النصف، نجح سيد بالتعاون مع أبنائه فى ابتكار قسم جديد لإنتاج الأثاث المعدنى والديكورات المنزلية بأسعار تنافسية حققت رواجاً كبيراً وساعدته على البقاء فى السوق.
وتواجه طموحات سيد فى نقل نشاطه إلى المنطقة الصناعية بمدينة السادس من أكتوبر أزمة تشغيلية حرجة، تتمثل فى ندرة العمالة الفنية المدربة؛ حيث يوضح أن مهنة التصنيع أصبحت طاردة للأيدى العاملة التى تفضل الهروب نحو كسب سريع وجهد أقل عبر قيادة «التوك توك».
وكشف سيد أن مجاراة متطلبات العمالة ورفع أجورهم بشكل مبالغ فيه سيؤدى بالتبعية إلى رفع تكلفة وأسعار المنتجات النهائية، وهو ما يهدد بخسارة عملائه الحاليين والتأثير على تنافسية المنتج المحلى، ولذلك، طالب بضرورة مساندة صغار المصنعين وتوفير حزم تمويلية ميسرة.

الإنتاج أولاً حـوافز لدمـج الاقتصاد غير الرســمى وتعـــزيــــز مشاركـة الشباب
«الششنجى» رجل الذهب| عمود أساس الصاغة وقاضيها.. مهنة تتوارث حكم المعدن الثمين
«أبيدوس» لم تبح بأسرارها بعد| خبراء: متى يوجه العالم أنظاره إلى أعظم كنوز الحضارة المصرية القديمة؟






