«الششنجى» رجل الذهب| عمود أساس الصاغة وقاضيها.. مهنة تتوارث حكم المعدن الثمين

الذهب
الذهب


هناك من يمسك الذهب فيحوله ترابًا، ومن يمسك التراب فيحوله ذهبًا، أما هذا الرجل فهو من يقول ويحدد إن كان هذا ذهبًا من الأصل أم لا، وإن كان ذهبًا فما عياره وكم نسبة المعادن الأخرى به، ومن بعد حكمه لا كلمات تقال ولا أحكام تستأنف، فعلى جميع العاملين بالصاغة ومرتاديها وزبائنها السمع والطاعة.. «قضى الأمر الذى فيه تستفتيان».

إنه «الششنجى» الرجل الذى يعاير الذهب وتمشى الصاغة على أحكامه.. كان أول ظهور لمهنة الششنجى فى القرن التاسع عشر، وتحديدًا فى عهد محمد على باشا بعد ظهور قانون دمغ المعادن، عند دخول المهنة لمصر كانت تحمل اسم (الجاشنجي) وهى كلمة تركية الأصل تعنى الفحص، لكن تم تحريف تلك الكلمة مع مرور الوقت وأصبحت (الششنجي).

وصدر أول قانون لدمغ المصوغات فى مصر عام 1847م، باسم قانون «الجاشنجى»، وكان كل «جاشنجى» يقوم بتحديد عيار الذهب بنفسه ودمغ القطعة الذهبية بخاتمه الخاص المنقوش عليه أول حرف أو حرفين من اسمه بجانب العيار لسهولة تتبعه ومنع الغش،

وتتبع مهنة «الششنجى» مصلحة الدمغة والموازين، وتشترط المصلحة الحصول على تراخيص مزاولة المهنة، عبر اختبارات للمتقدمين فى كيفية تحديد عيارات الذهب بالطرق اليدوية المعقدة.. ويحظر القانون المصرى ممارسة مهنة تحليل المعادن الثمينة «الششنجية» دون الحصول على ترخيص من مصلحة دمغ المصوغات والموازين، وتصدر هذه التراخيص لمدة لا تقل عن 3 سنوات طبقًا للأوضاع والشروط والإجراءات التى يحددها قرار الوزير المختص..

فى زخم المنازل والمساجد الأثرية وبالقرب من أجواء شارع المعز النابضة بالحياة فى جميع الأوقات، توجد منطقة الصاغة المكتظة بالمتاجر ومحلات الذهب والحلى والورش الخاصة بها، التقت «الأخبار» بواحد من المخضرمين بهذه المهنة فى مصر «إيليا مكرم الله» -52 عامًا - ويعمل «ششنجي» منذ 26 عامًا،

وعن هذه المهنة المتفردة يقول: «عمل الششنجى أساسى لكل المتاجر والورش التى تعمل بالذهب والفضة، نفحص قطعة المعدن ونحدد نسبة خلطه بالمعادن الأُخرى أو تحديد عيار القطعة، وتوجد طريقتان لفحص الذهب وتحديد عياره.. الاُولى هى الطريقة اليدوية التقليدية، ولها عدة خطوات بحيث يوضع جزء صغير من الذهب على ميزان وإضافة الفضة لتساعد فى الانصهار ثم تنقل المعادن فى وعاء فخارى يدعى (بوتئة) ثم إضافة مدة البوراكس (البورة) التى تساعد فى انصهار المعادن تحت النار،

بعد انصهار المعدن يتم كسر البوتئة لاستخراج المعدن ثم يجلخ يدويًا قبل أن يُغمر فى حمض النيتريك الذى يسمونه (الكذاب) مخفف بالماء ثم تعرضه للحرارة قبل تصفية المحلول، بعد مرور بعض الوقت يتم غمره مرة أُخرى فى حمض النيتريك غير مخفف، بعد الانتهاء من كل هذه الخطوات، تتبقى قطعة ذهب خالصة وخالية من الشوائب يمكننا تحديد عيارها، وتستغرق هذه العملية حوالى نصف ساعة.

وتابع قائلًا «أما الطريقة الثانية باستخدام التكنولوجيا الحديثة، وتخدش السبيكة من وجهيها فى ستة أماكن مختلفة، أو أربعة أماكن للسبائك الأصغر، للوصول إلى قلبها، وهذا لفحص قلب السبيكة غير الملطخ بمواد خارجية أو لكشف إذا كانت السبيكة مغشوشة ومطلية فقط من الخارج،

وتوضع الأماكن المخدوشة تحت عدسة أشعة سينية ليحلل المعدن وإرسال بيانات إلى برنامج معين يقرأ نسبة جميع المعادن التى تحتويها السبيكة، وتستغرق تلك العملية حوالى ست دقائق.. وأوضح مكرم الله أنه على الرغم من سهولة وسرعة الكمبيوتر لكنه ليس بدقة الطريقة التقليدية، لذلك يفضل الكثير من عملائه العمل بالطريقة التقليدية لتفادى أى أخطاء.