القضاء يقتص من الصديق الخائن

بدأت بصداقة.. وانتهت بخطف وطلب فدية وجريمة قتل

الضحية
الضحية


الشرقية‭ - ‬إسلام‭ ‬عبدالخالق

 

»القصاص».. كلمة قد يتسع وصفها ليملأ مجلدات تبرهن على البرد والسلام الذي ينزله وقع تأثير تلك الكلمة، وعظمة ما تفعله في قلوب المظلومين، وما شهدته قاعة المحاكمة داخل محكمة جنايات الزقازيق بمحافظة الشرقية، قبل ساعات، كان أبلغ رد يجسد عظمة القصاص على أرض الواقع؛ حيث أسدلت المحكمة الستار على قضية ظن مرتكبوها أنهم بعيدين عن أعين العدالة، لكن الحكم والقصاص جاء ناجزين، وعاقبت المحكمة المتهم الرئيسي بالإعدام شنقا، وقضت بمعاقبة شريكه بالسجن المؤبد، جزاءً لما اقترفاه من سفك الدماء وقتل نفس لم يكن لصاحبها ذنب يجعله يستحق أن تكون نهايته مقتولا، وجثمانه ملقى هناك وسط المياه الضحلة داخل مصرف بعيدا عن العمران على أطراف مركز الزقازيق، وهو، في حقيقة الأمر، كان في ظاهره أرحم بمن حوله رأفة بالحيوانات الضالة التي لا تجد المأوى، فيعطف عليها ويرعاها داخل ملجأ أسسه من أجلها.

لم يكن «محمد جمال السيد جاب الله» مجرد شاب في السابعة والعشرين من عمره، أو صاحب دراجة نارية يتنقل بها بين القرى، بل كان اسمًا ارتبط في محيطه بالرحمة قبل أي شيء آخر؛ ففي قرية «بنايوس» التابعة لمركز الزقازيق بمحافظة الشرقية، عرفه الجميع باعتباره مؤسس وصاحب «ملجأ الرحمة» لرعاية حيوانات الشوارع، ذلك المكان الذي احتضن الكلاب والقطط المصابة والمشردة، وجعل منه ملاذًا لكل كائن عجز عن الدفاع عن نفسه.

كان الشاب يقضي ساعات طويلة بين الحيوانات، يطعمها، ويعالج المصاب منها، ويوفر لها مأوى بعدما لفظها الشارع، لم يكن ينتظر مقابلا ماديًا، بل كان يرى فيما يفعله رسالة إنسانية قبل أن يكون عملا تطوعيًا، لذلك لم يكن غريبًا أن يحزن عليه كثيرون ممن لم يلتقوه يومًا، بعدما تحولت قصته من شاب يداوي الحيوانات إلى ضحية لجريمة هزت محافظة الشرقية، وانتهت بإصدار حكم الإعدام شنقًا بحق قاتله، ومعاقبة شريكه بالسجن المؤبد.

مكالمة تليفونية

لكن خلف هذا الحكم، كانت هناك قصة طويلة من الثقة التي انتهت بالغدر، وصداقة تحولت في لحظات إلى مصيدة للموت؛ فقبل الجريمة، لم يكن أحد يتوقع أن تنتهي علاقة الصداقة التي جمعت «محمد جمال» بالمتهم الأول «هيثم» إلى هذه النهاية الدامية، فقد جمعتهما معرفة استمرت لفترة، وتشابكت بينهما معاملات مالية وخلافات لم تصل يوما- في نظر المجني عليه- إلى الحد الذي قد يدفع أحدهما إلى التفكير في إنهاء حياة الآخر.

ولأن الثقة كانت أكبر من الشك، لم يتردد «محمد» عندما تلقى اتصالا من صديقه يطلب منه الحضور إلى منزله لتسوية الخلافات المالية العالقة بينهما، فقد جاءت المكالمة هادئة لا تحمل ما يثير الريبة، وبكلمات قليلة قال فيها المتهم إنه يريد إنهاء كل ما بينهما، والجلوس جلسة ودية لإغلاق صفحة الخلافات، بينما كان «محمد»، بطيبته، لا يعرف أن تلك الدعوة لم تكن سوى بداية خطة أعدت بعناية.

داخل منزل الصديق الغادر، لم يكن «هيثم» بمفرده، بل كان شريكه «إكرامي» قد سبقه إلى المكان بعدما اتفق الاثنان على كل تفاصيل الجريمة، بداية من استدراج المجني عليه، مرورًا باحتجازه، وانتهاءً بقتله والتخلص من جثمانه، وما هي إلا سويعات فصلت بين المكالمة الهاتفية ووصول «محمد» إلى المنزل مطمئنا، فهو يدخل بيت شخص يعرفه، لا وكر مجرمين ينتظران اللحظة المناسبة للانقضاض عليه.

في البداية، دار الحديث بصورة طبيعية، ثم تغيرت الأجواء تدريجيا؛ أُغلق باب المنزل، وتبدلت نبرة الحديث، وأصبح المجني عليه فجأة محاصرا داخل المكان، وبحسب ما كشفته التحقيقات، لم يكن الهدف الأول هو القتل، وإنما الحصول على المال؛ حيث أجبر المتهمان المجني عليه على التواصل مع أسرته تحت وطأة الإكراه، طلبا منه أن يطلب من أسرته تحويل مبلغ 35 ألف جنيه، وسط لحظات ثقيلة عاشها الشاب وهو يدرك أنه وقع في قبضة شخصين لا يعرف إلى أي مدى يمكن أن يذهبا، لكنه، رغم الخوف، حاول تنفيذ ما طلباه منه على أمل أن يتركاه بعدها حيا.

استجابت الأسرة، وحولت المبلغ المطلوب، وظن الضحية أن الأزمة ستنتهي بمجرد وصول الأموال، لكن الحقيقة كانت أكثر قسوة؛ فبعد أن حصل المتهمان على المال، لم يعد وجود «محمد» بالنسبة لهما سوى خطر قد يكشف جريمتهما، وهنا اتخذ المتهم الأول قراره الأخير، واقترب من صديقه الذي وثق به حتى اللحظة الأخيرة، وأمسك حبلا لفه حول عنقه، ثم بدأ يشده بكل قوته، وفي تلك اللحظات، كان المجني عليه يحاول المقاومة بكل ما يملك من قوة، لكن عنصر المفاجأة، إلى جانب وجود المتهم الثاني الذي ظل بجوار شريكه يشد من أزره ويمنع أي محاولة للنجاة، جعل فرصته في الحياة تتضاءل ثانية بعد أخرى، فيما ظل الحبل يضيق حول العنق، وتراجعت أنفاس الضحية تدريجيًا حتى سقط بلا حراك.

لم يتوقف المتهمان عند القتل؛ فبمجرد أن تأكدا من مفارقته الحياة، انتقلا إلى المرحلة التالية من مخططهما، بأن استوليا على دراجته النارية، التي كانت وسيلة تنقله الأساسية، كما سرقا متعلقاته، ثم بدأ الاثنان في التفكير في كيفية إخفاء الجريمة، كانا يدركان أن بقاء الجثمان داخل المنزل سيقود الشرطة إليهما سريعا، ولهذا قررا التخلص منه بعيدا، وفي ساعات الليل حملا الجثمان وانطلقا به إلى مصرف «الزنكلون»، أحد المصارف التي تمر بمناطق زراعية بعيدة نسبيًا عن الكتلة السكنية، وهناك، وسط الظلام والمياه الراكدة، ألقيا الجثمان داخل المصرف على أمل أن يخفي الماء آثار جريمتهما، وأن يظل الشاب في عداد المفقودين لأطول فترة ممكنة، لكن الجرائم، مهما أحيطت بالتخطيط، تترك دائمًا خيطًا يقود إلى مرتكبيها.

كشف الجريمة

بدأت رحلة البحث عن «محمد جمال» بعد ساعات من اختفائه، وفي البداية اعتقد المقربون منه أنه ربما انشغل بعمله في ملجأ الحيوانات أو سافر لقضاء أمر ما، لكن مرور الساعات دون أي اتصال أثار القلق، وتحول القلق إلى بلاغ رسمي، لتبدأ الأجهزة الأمنية في تتبع آخر تحركاته، وشيئا فشيئا ظهرت الخيوط، وكان آخر شخص التقى به المجني عليه هو صديقه «هيثم»، ومع تكثيف التحريات بدأت الروايات تتهاوى.

لم يصمد المتهمان طويلا أمام الأدلة الفنية وتحركاتهما التي رصدتها التحريات، فيما كشفت التحقيقات أن المجني عليه لم يذهب إلى المكان مصادفة، وإنما استُدرج عمدا بحجة حل خلاف مالي، كما أثبتت التحقيقات أن طلب الفدية لم يكن عملا عشوائيًا، بل كان جزءًا من المخطط الإجرامي، وأن القتل وقع بعد حصول المتهمين على الأموال، وعقب تقنين الإجراءات، ألقي القبض على المتهمين، وبمواجهتهما بما أسفرت عنه التحريات، انهارت محاولات الإنكار.

أحيلت القضية إلى محكمة جنايات الزقازيق، وخلال جلسات المحاكمة استعرضت النيابة العامة تفاصيل الجريمة منذ لحظة الاستدراج وحتى إلقاء الجثمان داخل مصرف المياه، مؤكدة أن المتهم الأول هو من نفذ فعل القتل بخنق المجني عليه بالحبل قاصدا إزهاق روحه، بينما كان المتهم الثاني حاضرًا على مسرح الجريمة، يقدم الدعم والمساندة، ثم شارك في سرقة الدراجة النارية وإخفاء الجثمان.

واستندت المحكمة إلى ما تضمنته أوراق القضية من اعترافات وتحريات وأدلة فنية، انتهت جميعها إلى ثبوت الاتهام في حق المتهمين، ورأت المحكمة أن المتهم الأول ارتكب جريمة قتل عمد اقترنت بجناية الخطف والسرقة، وأن مسئوليته الجنائية ثابتة بما لا يدع مجالا للشك، فيما ثبت اشتراك المتهم الثاني في الجريمة ومساندته لشريكه في تنفيذها وإخفاء آثارها، وبعد استكمال إجراءات التقاضي، واستطلاع الرأي الشرعي، نطقت المحكمة بحكمها؛ إذ عاقبت المتهم الأول «هيثم أ ع»، البالغ من العمر 23 عاما، بالإعدام شنقًا، وقضت بمعاقبة المتهم الثاني «إكرامي م ص»، البالغ من العمر 23 عاما، بالسجن المؤبد، لتسدل الستار على قضية بدأت بخلاف مالي وصداقة وثقة، وانتهت بجريمة خطف وفدية وقتل وسرقة وإلقاء جثمان داخل مصرف، لتبقى واحدة من أكثر القضايا التي رسخت في أذهان أهالي الشرقية باعتبارها نموذجًا مأساويًا لكيف يمكن للطمع أن يقتل الصداقة، وكيف يمكن أن يتحول بيت الصديق إلى المكان الأخير الذي تطأه قدما الضحية.

اقرأ  أيضا: تأجيل محاكمة الطالب الجامعي قاتل أمه بالشرقية

;