«الرفض عقوبته الموت».. حادثتا قتل وطعن بسبب رفض العودة وفسخ الخطوبة

الضحية
الضحية


هل يعقل ان يكون الرفض سببا في القتل؟!.. هل يحق لكل رجل ترفض زوجته الاستمرار معه أو تطلب خطيبته الانفصال عنه أن ينهي حياتها؟! هناك بعض اشباه الرجال يعتقدون ان كرامتهم تأبى أن يتعرضوا للرفض مع انه حق أصيل للمرأة ان تختار الاستمرار او انهاء العلاقة كما انه حق اصيل للرجل أيضا؛  خلال الأيام الماضية، شهدت منطقتا ممشى 6 أكتوبر والمعصرة جريمتي عنف فتحتا هذا الملف المعقد، بعدما انتهت الأولى بمقتل سيدة على يد طليقها، بينما كادت الثانية أن تنتهي بجريمة قتل مروعة بعد اعتداء شاب على خطيبته بسبب رغبتها في فسخ الارتباط، في السطور التالية نحاول ان نبحث عن اسباب هذه الجرائم وخلفياتها من وجهة نظر الطب النفسي الذي يحلل سلوك مرتكبي هذه الجرائم العنيفة.

في الجريمتين، لم يكن الخلاف مفاجئًا أو وليد لحظة، بل سبقته شهور من التوتر والانفعال والاحتقان النفسي، حتى وصلت الأمور إلى لحظة انفجار تحولت فيها المشاعر المضطربة إلى قرار بالعنف.

وبين الطلقات والطعنات، يبرز سؤال واحد: كيف تتحول بعض الخلافات الشخصية إلى جرائم دموية يُبررها مرتكبوها تحت لافتة “كرامة الرجل”؟

يرى متخصصون في علم النفس أن الشخص الذي يدفعه شعوره بالرفض أو فقدان السيطرة إلى ارتكاب جريمة، غالبًا ما يكون صاحب شخصية مضطربة غير قادرة على إدارة الانفعال أو تقبل الخسارة العاطفية، حيث يتحول الغضب لديه إلى رغبة في العقاب أو الانتقام، بدلًا من اللجوء إلى الحلول القانونية أو الانسحاب من العلاقة بشكل طبيعي.

كما يؤكد علماء النفس أن بعض الجناة ينظرون إلى الطرف الآخر باعتباره "ملكية خاصة"، وعندما يشعرون بفقدان هذه السيطرة، يدخلون في حالة اندفاع خطرة قد تنتهي بجريمة.

وفي الحالتين، لم تبدأ المأساة بلحظة إطلاق النار أو لحظة الطعن، بل بدأت قبل ذلك بفترة طويلة، مع تراكم الخلافات، وتصاعد مشاعر الغضب، وغياب القدرة على الاحتواء النفسي، حتى وصلت الأمور إلى لحظة انفجار انتهت بالدم. 

ممشى أكتوبر

داخل الممشى السياحي بمدينة 6 أكتوبر، كانت الأجواء تبدو طبيعية تمامًا، أسر تتنزه، وشباب يجلسون على المقاهي، ومارة يتحركون بين المحال التجارية، قبل أن يتحول المكان خلال ثوانِ إلى مسرح جريمة هز الجميع.

صوت طلقات نارية قطع هدوء الممشى، لتسقط سيدة أرضًا غارقة في دمائها وسط صرخات المارة، بينما حاول البعض الاقتراب لإنقاذها، في حين تجمد آخرون من هول المشهد.

لكن الصدمة الحقيقية لم تكن فقط في الجريمة نفسها، بل في هوية المتهم، بعدما تبين أن مرتكب الواقعة هو طليق المجني عليها، اعترف لاحقًا أمام جهات التحقيق بتفاصيل دقيقة حول التخطيط للجريمة وتنفيذها.

التحقيقات التي باشرها المحامي العام الأول لنيابات أكتوبر المستشار مصطفى بركات، ورئيس نيابة أول أكتوبر المستشار كريم جلهوم، كشفت أن الخلافات بين الطرفين لم تتوقف بعد الطلاق، بل استمرت لفترة طويلة بسبب النزاعات المتعلقة بالأبناء والنفقات، إلى جانب أزمات أخرى تراكمت مع الوقت وخلقت حالة مستمرة من التوتر.

وخلال جلسات التحقيق أمام نيابة 6 أكتوبر، أدلى المتهم باعترافات مطولة قال فيها إن علاقته بطليقته تحولت إلى "سلسلة مستمرة من المشكلات"، مؤكدًا – بحسب أقواله – أنه كان يشعر باستفزاز دائم من جانبها، كما اتهمها بأنها كانت وراء أزمات أثرت على حياته المهنية قبل استقالته من عمله، مضيفًا أنه كان يشعر بأن حياته "انهارت تدريجيًا" بسبب الخلافات المستمرة بينهما، ولم تتوقف الاعترافات عند هذا الحد، إذ أشار المتهم إلى أنه كان يعتقد أن طليقته تزوجت عرفيًا بعد الانفصال، وأنها كانت تتحداه بعدم قدرته على إثبات الأمر، وهو ما تسبب – وفق روايته – في زيادة غضبه وتفاقم حالته النفسية.

ومع تراكم الخلافات، بدأ المتهم – بحسب اعترافاته – يفكر في التخلص منها منذ نحو شهرين، لكنه كان يتراجع في كل مرة خوفًا من ضياع مستقبله ومستقبل أبنائه، إلى أن اتخذ قراره النهائي قبل أيام قليلة من وقوع الجريمة، معترفا بأنه بدأ يراقب تحركات المجني عليها بشكل مستمر، وينتظر اللحظة المناسبة لتنفيذ مخططه، مستخدمًا "طبنجة" مملوكة لوالده الراحل، وفي يوم الحادث، توجه إلى المكان الذي اعتادت التواجد فيه، وانتظر حتى ظهرت أمامه داخل الممشى السياحي، قبل أن يقترب منها ويطلق عليها النار بشكل مباشر أمام الجميع.

الواقعة أثارت حالة واسعة من الجدل، ليس فقط بسبب بشاعة التنفيذ، ولكن أيضًا بسبب طريقة التخطيط التي سبقت الحادث، وهو ما دفع النيابة إلى إحالته للمحاكمة الجنائية بعد انتهاء التحقيقات.

جريمة المعصرة

وعلى بعد عشرات الكيلومترات من ممشى أكتوبر، كانت منطقة المعصرة بالقاهرة على موعد مع مشهد دموي آخر، لكن هذه المرة بطعنات سكين كادت تنهي حياة فتاة في الشارع.

البداية كانت عندما قررت فتاة إنهاء علاقتها بخطيبها، بعدما رأت أن استمرار الارتباط بينهما أصبح مستحيلًا، وهو القرار الذي لم يتقبله الشاب، لتبدأ الخلافات بينهما في التصاعد بشكل تدريجي، وبحسب التحريات الأولية، حاول المتهم أكثر من مرة إقناع خطيبته بالتراجع عن قرار فسخ الخطوبة، لكنها أصرت على موقفها، وهو ما دفعه للدخول في حالة غضب وانفعال متزايد.

وفي يوم الواقعة، التقى الطرفان في الشارع، قبل أن تنشب بينهما مشادة كلامية تحولت خلال لحظات إلى اعتداء دموي، أخرج المتهم سلاحًا أبيض وانهال على الفتاة بالطعنات التى وصلت إلى 28 طعنة أمام المارة، وسط صرخات مدوية وحالة من الذعر سيطرت على المكان، سقطت الفتاة غارقة في دمائها بعدما تعرضت لإصابات بالغة، أخطرها طعنة استقرت في الوجه ووصلت إلى قاع الجمجمة، إلى جانب إصابات معقدة في أعصاب وأوتار اليد.

تم نقل المصابة التى تدعى شهد  إلى المستشفى في حالة حرجة، قبل تحويلها إلى مستشفيات قصر العيني نظرًا لخطورة إصاباتها، وفي سباق مع الزمن، تدخل فريق طبي متعدد التخصصات لإنقاذ حياتها، بمشاركة فرق جراحات المخ والأعصاب، والتجميل، والرمد، والأنف والأذن، والتخدير، ونجح الأطباء في استخراج السكين بدقة شديدة، مع الحفاظ على أعصاب وعضلات الوجه، إلى جانب إصلاح التلفيات العصبية والأوتار المتضررة، في عملية معقدة استمرت لساعات طويلة.

وفي الوقت نفسه، تمكنت الأجهزة الأمنية من ضبط المتهم، وبدأت جهات التحقيق الاستماع إلى أقواله لكشف تفاصيل الواقعة والدوافع الكاملة وراء الاعتداء.

"كرامة الرجل"!

يرى الدكتور جمال فرويز، الاستشاري النفسي، أن بعض الجرائم المرتبطة بالعلاقات العاطفية أو الأسرية لا يمكن فصلها عن طبيعة الشخصية وطريقة تكوينها النفسي منذ الطفولة، موضحًا أن مفهوم "كرامة الرجل" في حد ذاته ليس أمرًا سلبيًا، لكنه يتحول إلى خطر عندما يرتبط بشخصية غير سوية نفسيًا أو غير قادرة على تقبل الرفض والخسارة.

ويقول فرويز إن هناك شخصيات تنشأ منذ الصغر وهي معتادة على تلبية رغباتها بشكل دائم، ولا تتعرض لفكرة الرفض أو وضع الحدود، ما يجعلها مع الوقت غير قادرة نفسيًا على تقبل كلمة “لا”، سواء داخل العلاقات العاطفية أو حتى في الحياة اليومية.

وأضاف؛ أن هذا النوع من الشخصيات عندما يتعرض لصدمة عاطفية أو يشعر بأن صورته اهتزت أمام نفسه أو أمام الآخرين، قد يتحول الغضب لديه إلى سلوك عدواني أو انتقامي.

وأوضح الاستشاري النفسي أن واقعة المعصرة تعكس – من وجهة نظره – ملامح شخصية “سيكوباتية مضادة للمجتمع”، وهي شخصية تتسم بالاندفاع والعنف وضعف التعاطف مع الآخرين، حيث يرى صاحبها أن من حقه فرض السيطرة على الطرف الآخر، وعندما يُرفض أو يشعر بفقدان السيطرة، يتعامل مع الأمر باعتباره تهديدًا مباشرًا له، وليس مجرد نهاية علاقة عاطفية.

أما في واقعة أكتوبر المتهم بقتل طليقته داخل ممشى أكتوبر، فيرى فرويز أن ملامح الشخصية النرجسية تبدو واضحة في طريقة التفكير ورد الفعل، موضحًا أن الشخصية النرجسية تعتبر أي رفض أو نقد أو خسارة نوعًا من “الهجوم الشخصي” أو الإهانة المباشرة، وهو ما قد يدفعها للتصرف بعنف شديد إذا شعرت بأن صورتها أو مكانتها تعرضت للاهتزاز.

وأشار إلى أن الشخص النرجسي غالبًا ما يربط قيمته الذاتية بمدى السيطرة أو التقدير الذي يحصل عليه من الآخرين، لذلك عندما يفشل في الاحتفاظ بهذه الصورة، يدخل في حالة غضب حادة قد تجعله يتخذ قرارات متهورة وخطيرة.

وأكد فرويز أن "كرامة الرجل" في علم النفس ترتبط في صورتها الطبيعية بالشخصية الناضجة القادرة على تحقيق التوازن بين العاطفة والعقلانية، وبين الانفعال وضبط النفس، مشددًا على أن الشخص السوي لا يرى في الانفصال أو الرفض نهاية لكرامته أو تهديدًا لذاته، بل يتعامل مع الأمر بقدر من الوعي والاحتواء النفسي.

بين ممشى أكتوبر وشوارع المعصرة، تتكرر الحكاية بصور مختلفة، لكن النهاية واحدة؛ خلافات بدأت بالكلمات، ثم تحولت إلى غضب، ثم إلى رغبة في الانتقام، قبل أن تنتهي بالرصاص أو الطعنات.

وفي الحالتين، لم تكن المشكلة الحقيقية في الانفصال أو الخلاف نفسه، بل في الطريقة التي تعامل بها الجناة مع فكرة الرفض وفقدان السيطرة، حتى تحولت "الكرامة" في عقولهم من قيمة إنسانية إلى مبرر للعنف.

ويبقى السؤال الأصعب مطروحًا: كم جريمة أخرى قد تبدأ بخلاف عاطفي وتنتهي بالدم، قبل أن يدرك البعض أن الرحيل أحيانًا أقل خسارة من لحظة غضب واحدة؟! 

اقرأ  أيضا:

;