فرصة أم تحد؟

جدل حول استبدال ضريبة الأرباح بـ«الدمغة» فى تعاملات البورصة

جدل حول استبدال ضريبة الأرباح بـ«الدمغة»
جدل حول استبدال ضريبة الأرباح بـ«الدمغة»


أثار قرار الحكومة باستبدال ضريبة الأرباح الرأسمالية على الأسهم المقيدة فى البورصة بضريبة دمغة على التعاملات اهتمامًا واسعًا بين المستثمرين والاقتصاديين، باعتباره أحد أبرز الإصلاحات الهادفة إلى تنشيط سوق المال. وجاء القرار فى إطار سياسة تستهدف تحسين مناخ الاستثمار وزيادة تنافسية البورصة المصرية مقارنة بالأسواق الناشئة، خاصة بعد سنوات من الجدل حول آليات تطبيق ضريبة الأرباح الرأسمالية وتأثيرها فى قرارات المستثمرين.
وتشير البيانات الرسمية إلى أن الحكومة استهدفت من القرار تبسيط النظام الضريبى وتحفيز الاستثمار المؤسسى، مع الإبقاء على استقرار الإيرادات الضريبية عبر تطبيق ضريبة دمغة على التعاملات بدلاً من فرض ضريبة على الأرباح المحققة.
خلفية تاريخية
بدأ الحديث عن فرض ضريبة الأرباح الرأسمالية فى مصر عام 2014، إلا أن تطبيقها واجه عدة تأجيلات نتيجة اعتراضات المستثمرين ومؤسسات سوق المال، التى رأت أن الضريبة قد تؤدى إلى انخفاض السيولة وتراجع جاذبية الاستثمار فى الأسهم. وفى نهاية عام 2025 أعلنت الحكومة رسميًا استبدالها بضريبة دمغة نسبية على التعاملات، باعتبارها أكثر سهولة فى التطبيق وأكثر استقرارًا للمستثمرين.
أثر اقتصادي
يرى العديد من المحللين أن إلغاء ضريبة الأرباح الرأسمالية يسهم فى خفض تكلفة الاستثمار، إذ لم يعد المستثمر مطالبًا بحساب الأرباح والخسائر الضريبية عند بيع الأسهم، وهو ما يقلل التعقيدات الإدارية ويشجع على زيادة التداول.
اقتصاديًا، تؤدى زيادة السيولة إلى تحسين كفاءة السوق ورفع قدرة الشركات على جمع التمويل من خلال الطروحات الجديدة وزيادات رؤوس الأموال، وهو ما يدعم النشاط الاقتصادى بصورة غير مباشرة.
توضح بيانات وزارة المالية أن حصيلة ضرائب الأرباح الرأسمالية ظلت محدودة مقارنة بإجمالى الإيرادات الضريبية، حيث بلغت نحو 5.1 مليار جنيه فى موازنة 2024/ 2025، بينما قُدرت بنحو 4.7 مليار جنيه خلال العام المالى 2025/2026، وهو ما يمثل نسبة محدودة من إجمالى الإيرادات الضريبية التى تجاوزت 2.65 تريليون جنيه. وتشير هذه الأرقام إلى أن الأثر المالى المباشر لإلغاء الضريبة على إيرادات الدولة يظل محدودًا مقارنة بالعائد المتوقع من تنشيط الاستثمار وزيادة التداولات.
رسالة إيجابية
يرى المؤيدون أن القرار يمثل رسالة إيجابية للمستثمرين المحليين والأجانب، ويؤكد توجه الدولة نحو تحسين بيئة الاستثمار. ويعتقد خبراء سوق المال أن إزالة الضريبة ستزيد من السيولة، وترفع معدلات التداول، وتشجع الشركات على القيد فى البورصة، كما ستعزز قدرة السوق المصرية على المنافسة مع أسواق المنطقة التى تعتمد نظمًا ضريبية أكثر مرونة.. كما يؤكد مؤيدو القرار أن النشاط الاقتصادى الناتج عن ارتفاع أحجام التداول والطروحات الجديدة قد يعوض جزءًا كبيرًا من الإيرادات الضريبية المفقودة من خلال زيادة الضرائب على أرباح الشركات والأنشطة الاقتصادية الأخرى.
فى المقابل، يرى بعض الاقتصاديين أن إلغاء الضريبة قد يضعف مبدأ العدالة الضريبية، إذ تحقق الاستثمارات المالية أرباحًا ينبغى أن تسهم فى الإيرادات العامة مثل غيرها من الأنشطة الاقتصادية. كما يشيرون إلى أن نجاح البورصة لا يعتمد على السياسة الضريبية فقط، وإنما يرتبط أيضًا باستقرار سعر الصرف، وانخفاض معدلات التضخم، وتحسن بيئة الأعمال، وتطوير التشريعات المنظمة لسوق المال.
ويرى هذا الفريق أن الإصلاح الضريبى ينبغى أن يكون جزءًا من حزمة إصلاحات اقتصادية شاملة، وليس إجراءً منفردًا.
تحليل مالي
من منظور مالى، يتوقع أن يسهم إلغاء ضريبة الأرباح الرأسمالية فى رفع معدلات دوران الأسهم وزيادة اهتمام المستثمرين المؤسسيين، خاصة مع تبسيط الإجراءات الضريبية. كما أن ارتفاع السيولة قد يؤدى إلى تحسين تقييمات الشركات المدرجة وزيادة القيمة السوقية على المدى المتوسط، بشرط استمرار الاستقرار الاقتصادي.. إلا أن التأثير النهائى سيظل مرتبطًا بعوامل أخرى، مثل أسعار الفائدة، والسياسة النقدية، ومعدلات التضخم، وتوافر شركات جديدة ذات جودة مرتفعة للطرح فى البورصة.
رؤية مستقبلية
من المتوقع أن تستفيد البورصة المصرية من القرار إذا اقترن باستمرار برنامج الطروحات الحكومية، وزيادة عدد الشركات المقيدة، وتعزيز الحوكمة والإفصاح. كما أن تحسين البيئة التشريعية والرقابية سيعزز ثقة المستثمرين ويزيد من قدرة السوق على جذب رؤوس الأموال المحلية والأجنبية.
وعلى الجانب الآخر، ينبغى متابعة أثر القرار على الإيرادات العامة لضمان تحقيق التوازن بين تحفيز الاستثمار والمحافظة على الاستدامة المالية.
ويمثل إلغاء ضريبة الأرباح الرأسمالية واستبدالها بضريبة دمغة تحولًا مهمًا فى السياسة الضريبية المصرية تجاه سوق المال. وتشير المؤشرات الأولية إلى أن القرار لاقى ترحيبًا من المستثمرين لما يوفره من وضوح واستقرار فى المعاملة الضريبية.
وفى المقابل، يستمر الجدل حول تأثيره على الإيرادات العامة وعدالة النظام الضريبي. وبوجه عام، فإن نجاح القرار سيعتمد على قدرته على جذب استثمارات جديدة، وزيادة عدد الشركات المدرجة، وتعزيز كفاءة سوق المال، بما يدعم النمو الاقتصادى المستدام.