كان سحر الحضارة المصرية القديمة، وعجز المستكشفين الأوائل عن سبر أغوارها، سبباً رئيسياً فى ولادة عدد لا يُحصى من الأساطير والخرافات التى أحاطت بها عبر القرون. فمنذ أن شدَّ الإغريق والرومان الرحال إلى مصر، ثم تبعهم الرحالة والمؤرخون من مختلف العصور، بدت لهم هذه الأرض مستودعاً لأسرار الحضارة الإنسانية، ومنهلاً للحكمة والمعرفة، ومسرحاً للألغاز المستغلقة. ولم يكن غريباً أن تتحول المعابد والأهرامات والمقابر إلى مادة خصبة للخيال، فى ظل حضارة تراكمت طبقاتها عبر آلاف السنين، حتى غدا عمقها التاريخى نفسه سبباً فى تعاظم الغموض المحيط بها.
وظلت هذه الأساطير تتناقل وتتضخم جيلاً بعد جيل، إلى أن جاءت الاكتشافات الأثرية الكبرى لتفتح باباً جديداً لفهم الماضى. فقد مثّل اكتشاف حجر رشيد نقطة تحول فارقة، إذ أتاح فك رموز الكتابة الهيروغليفية، ومن ثم قراءة التاريخ المصرى القديم بلغته الأصلية، بينما أثار اكتشاف مقبرة توت عنخ آمون موجة عالمية غير مسبوقة عُرفت بـ «الهوس المصرى»، ورسّخ فى المقابل كثيراً من الأساطير المرتبطة بالكنوز والذهب ولعنة الفراعنة. وبينما ساهم الاكتشاف الأول فى فك أسرار الحضارة، غذّى الثانى خيالاً شعبياً ظل حاضراً فى الثقافة العالمية حتى اليوم.
لكن علم المصريات، لم يترسخ إلا مع نهاية القرن التاسع عشر، حين بدأت الدراسات العلمية تنفض عن الحضارة المصرية تراكمات الخرافة، وتعيد الاهتمام إلى الإنسان الذى شيّد هذه الحضارة، لا إلى الأساطير التى نُسجت حولها. ومع تطور البحث العلمى، اتسعت أدوات هذا العلم بصورة غير مسبوقة، فلم يعد يعتمد على الحفائر والقراءات التاريخية وحدها، بل أصبح نموذجاً للتكامل بين العلوم الإنسانية والطبيعية والتطبيقية. فقد أسهمت الكيمياء مثلا فى تحليل المواد المكونة للآثار وفهم التغيرات التى طرأت عليها عبر الزمن، بينما أتاحت الفيزياء وتقنيات التصوير والفحص الحديثة الكشف عن تفاصيل دقيقة لم يكن الوصول إليها ممكنًا فى السابق. وانعكس هذا التطور على طبيعة الأسئلة التى يطرحها علم المصريات اليوم. فأصبحت غايته إعادة بناء حياة المصريين القدماء بكل تفاصيلها؛ من الصحة والأمراض وأنماط الغذاء ومتوسط الأعمار، إلى العلاقات الاجتماعية والوراثية والروابط الأسرية بين الملوك وأفراد المجتمع. وهكذا انتقل الاهتمام من دراسة الأثر بوصفه شيئاً جامداً إلى دراسة الإنسان الذى صنعه، وهو أحد أبرز التحولات المعاصرة فى هذا المجال. وإن ظل ناقصا بغياب السردية المصرية والاعتماد بشكل كبير على ما قدمه علماء الغرب.
ولم يكن لهذا التحول أثر علمى فحسب، بل امتد إلى تشكيل الوعى المصرى الحديث. فمنذ نشأة الدولة الحديثة فى عهد محمد على، ثم فك رموز الكتابة الهيروغليفية وتوالى الاكتشافات الأثرية، استعاد المصريون اتصالهم بتاريخ ظل قروناً طويلة غامضاً أو منسياً. وأصبحت الحضارة المصرية القديمة أحد أهم روافد الهوية الوطنية، وحاضرة بقوة فى الوجدان العام، بوصفها إرثاً تاريخياً وثقافياً ممتداً عبر آلاف السنين.
مؤخرًا تقدم د. زاهى حواس، ود. ممدوح الدماطى، بشكوى إلى المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام ضد د. وسيم السيسى، على خلفية تصريحات أدلى بها حول الحضارة المصرية القديمة. وقد أحال المجلس الشكوى إلى وزارة السياحة والآثار والجهات العلمية المختصة لإبداء الرأى الفنى والعلمى، قبل اتخاذ قرار بشأنها. تستحق هذه الشكوى أن نتوقف عندها، لأنها تكشف جانبًا من الجدل الدائر حول الحضارة الفرعونية، ليس فى مصر وحدها، بل على المستوى العالمى أيضًا. فالخلاف الذى نحن بصدده يمثل، بصورة رمزية، مدرستين تتنازعان قراءة الحضارة المصرية، بل والتاريخ الإنسانى عمومًا، وكيفية فهمه وإعادة تفسيره فى ضوء المعارف المتجددة، وهو جدل لن ينتهى غالبًا بانتصار مدرسة على أخرى، بقدر ما يفتح الباب أمام قراءات مغايرة.
الأكاذيب والأساطير المحيطة بالحضارة المصرية ليست جديدة، لكن السؤال اليوم لم يعد: هل هذه الأسطورة صحيحة أم لا؟ بل: لماذا تظهر روايات بعينها فى توقيتات بعينها؟ وما الغرض الذى تؤديه؟ وإذا كانت بعض هذه الأساطير قد أسهمت، فى مرحلة ما، فى جذب أنظار العالم إلى الحضارة المصرية، فإن استمرارها اليوم لم يعد ضرورة، بعدما أصبحت هذه الحضارة قادرة على أن تقدم نفسها بما تملكه من شواهد علمية وتاريخية لا تحتاج إلى مبالغات أو خرافات. من هنا تبدو القضية أقرب إلى مثلث تتقاطع أضلاعه الثلاثة: العلم، والهوية، والإعلام. فالعلم يصحح الرواية، والهوية تمنحها معناها، والإعلام يحدد الكيفية التى تصل بها إلى الجمهور. وبين هذه الأضلاع يتشكل السؤال الأكثر إلحاحاً: من يتحدث باسم الحضارة المصرية اليوم؟ وكيف يمكن تقديمها إلى العالم فى ضوء ما تكشفه المعرفة العلمية، بعيداً عن الأسطورة، ومن دون التفريط فى سحرها؟ هذا ما يحاول هذا الملف مناقشته مع عدد من المتخصصين والباحثين.

لم تكن منحة من غرباء
القراءة الغربية لمصر القديمة وصناعة الخرافة
الآثار فى الإعلام.. لمن نفتح الأبواب؟





