د. شريف شعبان
حيث يلعب الإعلام دوراً محورياً فى إبراز التراث الثقافى والتاريخى ونشره للجمهور، كما يمثل الإعلام السياحى والأثرى الجسر الأساسى لنقل قيمة الحضارة وتحويلها إلى رافد اقتصادى استراتيجى عبر آليات محددة: أولها بناء صورة ذهنية وتشكيل الوعى الأثرى والثقافى لدى المواطن العادى، ومنها يتم تشكيل انطباع إيجابى جاذب للسياح محلياً وعالمياً، عبر قيام العديد من البرامج السياحية والأثرية ببث المعلومات المبسطة للمشاهدين أو اعتماد الدراما على جعل المناطق الأثرية والسياحية خلفيات لأحداثها مما يربط المشاهد بصرياً وذهنياً بآثار بلاده وتشجيع زيارة تلك المناطق عبر بث تلك الأعمال الدرامية محلياً وعالمياً. وهناك تجربة فى قيام الدراما التركية بتصوير العديد من المناطق الأثرية والسياحية كخلفيات لأعمالها الدرامية مما قدم ترويجاً سياحياً وأثرياً للمناطق الأثرية العثمانية.
يتجلى دور الإعلام فى التغطية الحية والمباشرة للاكتشافات الحديثة ونقل فعاليات فتح المقابر الأثرية على الهواء أو الإعلان عن كشوفات جديدة أولاً بأول لربط الجمهور بالحدث الأثرى مباشرة. ولنا أن نتذكر قيام شبكة ناشيونال جيوجرافيك بنقل عملية استكشاف ممرات التهوية الغامضة داخل غرفة الملكة بالهرم الأكبر عبر بث التجربة مباشرة أمام العالم كله، حيث تمكن الملايين حول العالم من مشاهدة الروبوت المسمىPyramid rover أثناء دخوله بالممرات وتصوير الباب الحجرى الأول واكتشاف وجود باب ثانٍ خلفه، فى تجربة مثيرة جعلت عامة الناس تتعلق بالآثار المصرية، بينما نجح الإعلام فى الرد على المشككين والإثبات بالتجربة للعالم أن الهرم هو بناء مصرى خالص.
ولا يقتصر الدور الإعلامى على التغطية المباشرة ونقل الأخبار الحالية فحسب، بل هناك دور أكثر فاعلية واستدامة يتمثل فى الإنتاج الوثائقى المتطور عبر استخدام تكنولوجيا الاتصال الحديثة لتقديم مواد مرئية مشوقة تروى القصص التاريخية بأسلوب معاصر. ونأتى إلى النقطة الأكثر أهمية وخطورة وهى دور الإعلام فى تشكيل الوعى القومى من خلال غرس قيم الولاء والانتماء وحماية الهوية الوطنية عبر توعية المواطنين بضرورة صون وحماية آثارهم ومعرفة تاريخهم العريق وأهم مراحله وشخصياته.
فى المقابل نجد العديد من النقاط السلبية التى قد تُحدث شقاقاً بين المجال الإعلامى والمنظومة الأثرية، متمثلة فى تركيز الإعلام على النقاط الهشة والضعيفة وتقديم محتوى ركيك والاعتماد على إثارة الجدل الإعلامى العقيم عن طريق فبركة قصص وصراعات وهمية حول منشأ الحضارات أو سرقة التراث بغرض تصدّر «التريند» وجنى المشاهدات فقط، دون تقديم علاج فورى لمشاكل الآثار الحقيقية مثل مشاكل العاملين فى الحقل الأثرى وكارثة نهب الآثار المصرية والتنقيب غير القانونى للمقابر وما ينتج عنها من خرافة هى الأسوأ من نوعها، وهى تقديم قربان من البشر لفتح تلك المقابر الأثرية.
ومن بين أهم السلبيات فتح أبواب الإعلام لغير المتخصصين اعتماداً فقط على عدد متابعيهم وشهرتهم سواء على الشاشات الحكومية والخاصة أو منصات التواصل الاجتماعى، وعدم اسناد الأمر إلى الأكاديميين أو الأثريين المتخصصين مما ينتج عنه بث أفكار علمية خاطئة تمس الأمن القومى الفكرى وتشويش الحقائق العلمية وتزييف الوعى الثقافى والأثرى لدى العامة، حيث تابعت مؤخراً قيام كل من السادة د. زاهى حواس وأ.د. ممدوح الدماطى وزيرى الآثار الأسبقين بتقديم شكوى ضد الطبيب وسيم السيسى حول تصريحاته الإعلامية المتعلقة بالتاريخ والحضارة المصرية القديمة وظهوره المتكرر فى العديد من القنوات والبرامج بصفة «عالم وباحث فى علم الآثار» وهو أمر عار من الصحة، وهى خطوة متأخرة كثيراً لما تم بثه من أخبار مضللة ومعلومات زائفة عبر سنوات. فنحن الأثريين المتخصصين نعانى من انتشار العديد من المعلومات الخاطئة بين الناس والتى حصلوا عليها من الإعلام المرئى أو منصات التواصل الاجتماعى دون رقابة للأسف الشديد، مثل قصص لعنة الفراعنة وبناء الكائنات الفضائية أو قوم عاد للأهرامات أو نسب فرعون موسى للملك رمسيس الثانى وغيرها من الموضوعات الكارثية التى تشوه عظمة الحضارة المصرية القديمة فى مقابل زيادة المشاهدات واستقطاب الإعلانات، بينما تقع الحضارة المصرية ووعى المشاهد ضحية لهذا الأمر.
ولعل تصدير مثل تلك النماذج كعلماء آثار أو هواة أو باحثين دون النظر إلى خلفياتهم العلمية أو البحثية يضعف الإعلام ويُفقده مصداقيته أمام الأوساط الأكاديمية والبعثات الدولية المتخصصة أو عامة المتابعين على السواء، مما ينتج عنه النفور من المنظومة الأثرية وعدم الاهتمام بها باعتبارها أمراً ثانوياً لا يستحق التغطية الإعلامية الحقيقية سواء من حيث الاكتشافات الأثرية أو نشر المعلومات التاريخية العلمية الصحيحة.
باعتبارى أثرى متخصص أقدم روشتة علاج فورى من أجل رأب الصدع بين المنظومة الأثرية والمجال الإعلامى تتمثل فى عدة نقاط:
• حظر استضافة غير المتخصصين على الشاشات أو على المنصات الاجتماعية ومنعهم من الإدلاء بأية تصريحات أو اقتباس آراءهم التاريخية، وتشديد الرقابة على صفحاتهم عبر قانون ملزم وتشديد العقوبة على من يخالف هذا القانون، أسوة بما قدمته الصين من قانون منظم يلزم المؤثرين بإثبات مؤهلاتهم لتقديم محتوى تخصصى (كالطب والقانون والآثار).
• تفعيل الأكواد الإعلامية الصارمة من خلال تطبيق عقوبات رادعة سواء كانت غرامات أو تعليق برامج عبر سلطات مجالس تنظيم الإعلام ضد القنوات التى تستضيف الهواة تحت مسمى «علماء أو باحثين فى الآثار» لتسويق نظريات مضللة أو الترويج لما يعرف بالعلوم الزائفة Pseudoscience.
• تنقيح صورة العاملين فى مجال الآثار وتحسين صورتهم فى الدراما باعتبارهم حراس للحضارة يبذلون الغالى والنفيس لحماية آثار بلادهم، وعدم تقديمهم فى إطار سلبى كطامعين فيما تحت أيديهم من سلطة متعلقة بتهرب الآثار أو التشجيع على التنقيب غير القانونى وربط الآثار بالثراء السريع والدجل كالبحث عن الزئبق الأحمر دون ابراز العواقب الوخيمة من تدمير الطبقات الأثرية للحفر بجهل، مما يتسبب فى ضياع تاريخ كامل.
• تدشين قنوات وثائقية وصفحات متخصصة على منصات التواصل الاجتماعى يديرها خبراء فى علم الآثار بالتعاون مع متخصصين إعلامين لضمان دقة المحتوى وجاذبيته، والعمل على تتبع الشائعات والنظريات الزائفة مثل «الكائنات الفضائية» أو «الحضارات المفقودة» ودحضها فوراً ببيانات موثقة.
• تخصيص مساحات واسعة لبرامج ثقافية تعمل على نشر الوعى الأثرى والمعلومات التاريخية الصحيحة وتعمل على إعادة الثقة بين المتابع والمنظومة الإعلامية والأثرية.
• إبرام بروتوكولات تعاون بين وزارات الثقافة والآثار الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعى لاعتماد حسابات خريجى وعلماء الآثار وتصدير محتواهم فى محركات البحث باعتبارهم مصادر موثوقة للحصول على المعلومة التاريخية والأثرية الصحيحة.
لم تكن منحة من غرباء
القراءة الغربية لمصر القديمة وصناعة الخرافة
الحضارة الفرعونية أعادت صياغة الوعى والانتماء






