د. فكرى حسن
أما فى المجتمعات القديمة، فلم تكن الهوية تُعرَّف من خلال الدولة القومية، وإنما من خلال الأرض واللغة والعادات والقيم والذاكرة المشتركة. وكان المصريون القدماء يرون فى أرضهم مصدر هويتهم، فأطلقوا عليها اسم «كِمِت»، أى «الأرض السوداء»، فى إشارة إلى تربة وادى النيل الخصبة، كما سموها «تا مري»، أى «الأرض المحبوبة»، وعرفت أيضًا باسم «تاوي»، أى «الأرضين» (إشارة الى وجهى بحرى وقبلي)، وباسم «تا نتر»، أى «أرض الإله». أما النوبة فقد عُرفت لديهم باسم «تا سيتي»، أى «أرض القوس».
وكان المصريون يسمون أنفسهم «رِمِت إن كِمِت» (Rematch en Kemet) ، أى «شعب الأرض السوداء». أما الفرس فأطلقوا على مصر اسم «مدرايا» (Mudrāya)، وهو اسم يقترب فى أصله اللغوى من كلمة «مصر» المعروفة فى اللغات الأكادية والآشورية وغيرها من اللغات السامية بصيغ مثل Musur و Misr و Msrm ، وكلها تدل على الإقليم أو البلاد.
وعندما دخل العرب مصر لم يستخدموا اسم «كِمِت»، بل أطلقوا عليها اسم «مصر»، وهو الاسم الذى استقر منذ ذلك الحين. وكان المصريون آنذاك يدينون بالمسيحية، وكانوا يطلقون على بلادهم اسم KHME فى اللغة القبطية، التى كُتبت بحروف يونانية بعد العصر البطلمى. أما الاسم اليونانى «أَيْجبتوس» (Aigyptos / Αἴγυπτος) ، الذى انتقل لاحقًا إلى اللاتينية ثم إلى معظم اللغات الأوروبية، فيرجع على الأرجح إلى التعبير المصرى القديم ḥwt-ka-Ptah، أى «بيت روح الإله بتاح»، وهو اسم معبد بتاح الشهير فى منف. كما استخدم اليونانيون أيضًا صورة أخرى من الاسم المصرى القديم، هى Khēmia (Χημία)، المشتقة من «كِمِت.»
ومن Aigyptos اشتقت فيما بعد كلمة «قبطي»، التى كانت تعنى فى الأصل «المصري». ثم أخذ معناها يتغير تدريجيًا بعد الفتح العربى، حتى أصبح يطلق على المصرى الذى احتفظ بالمسيحية، بينما أصبح لفظ «المصريين» يشير إلى جميع سكان مصر.
ومنذ العصر العباسى استقرت فى مصر قبائل عربية عديدة قدمت من شبه الجزيرة العربية، واستوطنت الدلتا والصعيد، وامتزجت بالمجتمع المصرى عبر أجيال متعاقبة، كما تسارع انتشار اللغة العربية حتى أصبحت لغة الحياة اليومية والإدارة والثقافة. وفى العصر الفاطمى وفدت إلى مصر أيضًا جماعات من الأمازيغ القادمين من شمال أفريقيا، ولا تزال اللغة الأمازيغية تُستخدم حتى اليوم فى واحة سيوة، بوصفها شاهدًا على هذا التنوع الثقافى. كذلك استقرت فى صعيد مصر قبائل عربية، من أشهرها بنو هلال وبنو سليم، الذين ارتبطت هجرتهم اللاحقة إلى المغرب العربى بالسيرة الهلالية وما تحمله من ذاكرة شعبية عربية.
ومع مرور القرون اندثرت اللغة المصرية القديمة، كما تحول المصريون تدريجيًا من الديانة المصرية القديمة إلى المسيحية، ثم اعتنق معظمهم الإسلام بعد الفتح العربى. غير أن هذا التحول الدينى واللغوى لم يؤدِّ إلى انقطاع الصلة بالماضى، إذ بقيت أسماء كثيرة وعادات وتقاليد وقيم راسخة فى الذاكرة الجمعية للمصريين، حتى وإن اندمجوا فى الفضاء الثقافى العربى الإسلامى، وأصبح الانتماء إلى الثقافة العربية الإسلامية جزءًا أساسيًا من تكوينهم الحضاري.
وقد أسهم الأزهر، منذ تأسيسه، بدور محورى فى ترسيخ هذا الانتماء، كما قامت الكتاتيب، ثم المدارس النظامية، بدور مهم فى نشر اللغة العربية والعلوم الإسلامية. ومع ذلك ظل المصريون يميزون بين أنفسهم وبين القبائل العربية أو الأعراب الذين حافظ كثير منهم على تنظيمهم القبلى وأعرافهم البدوية، وظلت العلاقة بينهم وبين الدولة تتراوح بين التعاون والصدام.
وعندما تولى محمد على حكم مصر سعى إلى إخضاع القبائل البدوية لسلطة الدولة الحديثة، فعمد إلى توطين كثير منها بمنحها الأراضى الزراعية، كما عقد مع زعمائها اتفاقات تضمن ولاءهم وتدمجهم فى النظام الإدارى الجديد. وقد استمر وجود هذه القبائل بوصفها أحد مكونات المجتمع المصرى، وهو ما يتجلى اليوم فى تأسيس اتحاد القبائل والعائلات المصرية عام 2024، الذى يضم قبائل وعائلات من سيناء والصحراء الشرقية والصحراء الغربية وصعيد مصر، من بينها الترابين والسواركة والمساعيد والحويطات وغيرها.
غير أن التحول الأعمق فى مفهوم الهوية المصرية ارتبط بنشأة الدولة المصرية الحديثة فى عهد محمد على، واستعادة المصريين وعيهم بتاريخهم القديم. فقد أدى اكتشاف آثار مصر القديمة وفك رموز الكتابة الهيروغليفية إلى إعادة اكتشاف حضارة امتدت آلاف السنين، وأيقظ لدى النخبة المصرية شعورًا جديدًا بالانتماء إلى هذا التراث العريق.
وكان الشيخ رفاعة رافع الطهطاوى من أوائل من عبروا عن هذا الاتجاه، إذ ألّف كتابه فى 1838 عن تاريخ قدماء المصريين بعد عودته من بعثته العلمية إلى فرنسا، كما قام تلاميذه فى مدرسة الألسن بترجمة عدد كبير من المؤلفات المتعلقة بالحضارة المصرية القديمة. ثم جاء اهتمام الخديوى إسماعيل بالآثار المصرية وتشجيعه أعمال البحث والتنقيب ليعزز هذا التوجه، فبدأ عدد متزايد من المصريين يتعلمون اللغة المصرية القديمة ويدرسون آثار بلادهم، وأصبحت الحضارة الفرعونية أحد أهم مصادر الوعى الوطنى الحديث.
وفى مطلع القرن العشرين اكتسب هذا الاتجاه بعدًا سياسيًا واضحًا، إذ تأسست الهوية الوطنية المصرية على مفهوم المواطنة، لا على الانتماء الدينى، فوقف المسلمون والأقباط صفًا واحدًا فى مواجهة الاحتلال البريطانى، كما تجلى فى ثورة عام 1919. ثم جاء اكتشاف مقبرة توت عنخ آمون عام 1922 ليمنح هذا الوعى الوطنى زخمًا جديدًا، واستثمر سعد زغلول هذا الحدث ليؤكد أن مصر صاحبة حضارة ودولة ضاربة الجذور فى التاريخ، وليست مجرد ولاية ورثها الاحتلال البريطانى عن الدولة العثمانية.
ومنذ ذلك الحين أصبحت رموز مصر القديمة جزءًا أصيلًا من الحياة العامة، تتجسد فى تمثال نهضة مصر لمحمود مختار، وفى شعار جريدة الأهرام، وعلى الطوابع البريدية والعملات النقدية، وفى كثير من المظاهر الثقافية والفنية التى تعبر عن الشخصية المصرية.
وهكذا توازى، منذ عشرينيات القرن الماضى، الانتماء إلى الهوية المصرية مع الانتماء إلى الهوية العربية الإسلامية. ثم اكتسب البعد العربى حضورًا سياسيًا قويًا فى عهد الرئيس جمال عبد الناصر من خلال مشروع القومية العربية، الذى سعى إلى تعزيز الدور الإقليمى لمصر فى مواجهة الهيمنة الغربية. وتجسد هذا التوجه فى قيام الجمهورية العربية المتحدة عام 1958، التى أصبحت مصر فيها «الإقليم الجنوبى».
واليوم ينص الدستور المصرى على أن مصر «جمهورية ديمقراطية ذات سيادة، والإسلام دين الدولة، واللغة العربية لغتها الرسمية، ومبادئ الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسى للتشريع». غير أن هذا النص الدستورى لا يلغى تعدد دوائر الانتماء التى تشكل الشخصية المصرية، بل يعكس أحد مكوناتها الأساسية فى إطار تاريخ طويل من التراكم الحضارى.
تنتمى اللغة العربية، شأنها شأن اللغة المصرية القديمة التى نعرفها من مدونات تعود الى 5300 عام، إلى عائلة اللغات الأفروآسيوية، التى تضم ما بين 300 و400 لغة تمتد من المشرق العربى إلى شمال أفريقيا والقرن الأفريقى. وقد كانت هذه المنطقة، منذ أقدم العصور، فضاءً واسعًا للتفاعل الحضارى والثقافى، الأمر الذى جعل التبادل اللغوى والثقافى سمة ملازمة لتاريخها الطويل.
وتعد العربية إحدى اللغات الشرقية المنتمية إلى هذه العائلة اللغوية، وترجع أقدم شواهدها المكتوبة إلى القرون الأولى للميلاد، بينما تمتد جذورها إلى تاريخ أقدم داخل اللغات السامية. وقد تطورت العربية الفصحى بصورتها المعروفة مع نزول القرآن الكريم بلسان قريش، فأصبحت لغة الدين والأدب والإدارة فى رقعة واسعة من العالم.
ولم تكن مصر، عبر تاريخها، معزولة عن محيطها، بل كانت دائمًا نقطة التقاء بين أفريقيا وآسيا والبحر المتوسط. فقد ارتبطت بعلاقات مستمرة مع بلاد الشام، والنوبة، والقرن الأفريقى، وشمال أفريقيا، من خلال التجارة والهجرات والتبادل الثقافى، وهو ما جعلها إحدى أهم مناطق التفاعل الحضارى فى العالم القديم.
وتؤكد الدراسات الأثرية والوراثية الحديثة أن وادى النيل كان أحد الممرات الرئيسة التى عبرها الإنسان العاقل وهو الانسان كما نعرفه حاليا فى أثناء انتشاره خارج أفريقيا التى توجد بقاياه فى شرقها وفى المغرب من حوالى 300-200 ألف عام. كما تشير هذه الدراسات إلى أن سكان مصر وبلاد الشام وشمال أفريقيا ظلوا على اتصال مستمر منذ عصور ما قبل التاريخ، وأن انتقال الزراعة والرعى من الهلال الخصيب إلى مصر قبل نحو ثمانية آلاف عام صاحبه انتقال جماعات بشرية وتداخل وراثى، شأنه فى ذلك شأن معظم التحولات الحضارية الكبرى. وتشير الأدلة كذلك إلى استمرار التبادل السكانى مع أفريقيا جنوب الصحراء عبر فترات مختلفة، سواء خلال المراحل المطيرة التى سهلت الحركة عبر الصحراء أو عبر شبكات التجارة فى العصور التاريخية، وأخرها من خلال تجارة العبيد منذ العصر الرومانى.
ومنذ استقرار الزراعة فى وادى النيل أخذت الروابط بين سكان الصعيد والوجه البحرى تزداد قوة، ثم تعززت بدرجة أكبر بعد قيام الدولة المصرية الموحدة قبل أكثر من خمسة آلاف عام، وهو ما أسهم فى تكوين مجتمع متماسك، دون أن يلغى التنوع الإقليمى الذى ظل سمة من سمات الشخصية المصرية.
غير أن الهوية لا تُختزل فى الجينات، ولا يمكن تفسيرها بالانتماء البيولوجى وحده. فالعلم الحديث لم يعد يعترف بمفهوم «الأعراق» بوصفها وحدات بيولوجية منفصلة، كما كانت تزعم النظريات العنصرية الأوروبية فى القرنين التاسع عشر والعشرين، والتى استُخدمت لتبرير الاستعمار والهيمنة.
لا يرتبط سؤال الهوية بالجينات ولا توجد أجناس أو أعراق طبق المفاهيم التى روج لها الخطاب العنصرى الأوروبى كوسيلة لفبركة أساطير تفوقهم وتبرير هيمنتهم الاستعمارية، ولا ترتبط الهوية إلا بما يرضى به قوم لأنفسهم، ولا توجد هوية بيولوجية أو ثقافية بدون مزاعم تعتمد على الظروف والأحوال والأغراض.
الهوية، بناء تاريخى وثقافى يتشكل عبر اللغة والذاكرة والقيم والخبرة المشتركة، لا تختلف فحسب من مرحلة تاريخية إلى أخرى، ولكن تختلف أيضا فى نفس اللحظة التاريخية مع اختلاف الظروف والأزمنة. فالإنسان قد يكون، بحسب السياق، «كيميتيا» أو عربيًا أو أفريقيًا أو مسلمًا أو مسيحيًا أو «ماركسي» أو محامى أو صعيدى، دون أن تتناقض هذه الانتماءات فيما بينها، بل إنها جوانب متعددة للفرد تعكس تعدد انتماءاته. ويبدو أن الهوية ترتبط مؤخرا بالانتماء إلى فريق ما من فرق كرة القدم.
لم تكن منحة من غرباء
القراءة الغربية لمصر القديمة وصناعة الخرافة
الآثار فى الإعلام.. لمن نفتح الأبواب؟






